GuidePedia



الحلقة الخامسة:
صلحاء دكالة (آل أمغار) والغرب في غناء مداحة:
برشيد نيوز: بقلم الباحث التهامي حبشي
 بعد ذكر وتمجيد الأولياء الشرقاويين، يلتجأ أهل مداحة إلى ذكر ومديح بعض الشرفاء الأمغاريين، وفي مقدمتهم مولاي عبد الله أمغار: وهو الشيخ العالم الصوفي الكبير أبي عبد الله بن محمد بن أمغار، المتوفى في نفس السنة التي توفي فيها السلطان المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين (سنة 537هـ)، عاش في مرحلة انتقال الحكم من دولة المرابطين إلى دولة الموحدين، وهو صاحب الضريح المشهور الذي يقام عليه موسم سنوي شهير، ويصل نسبه إلى المولى إدريس الأول، وجده إسماعيل أمغار هو مؤسس رباط تيط، قبل ظهور الدولة المرابطية، و جاء في الكتاب المخطوط لابن عبد العظيم الأزموري (بهجة الناظرين وأنس العارفين)، والذي كان حيا سنة900هـ، أن شهرة أبي عبد الله أمغار، الذي خلف والده أبا جعفر إسحاق على القيادة الدينية لمجتمع أزمور، قد امتدت من الإسكندرية إلى السوس الأقصى، كما امتدت، من حيث الزمان، على طول فترات حكم يوسف بن تاشفين وإبنه علي، الذي كان يعتبر أبا عبد الله أمغار شيخ المشايخ، وقدوة الأولياء وعهدة الأصفياء...استطاع أن يستقطب الكثير من مشاهير الصوفية من دكالة وعبدة وسوس، من أمثال عبد الخالق بن ياسين الدغوغي، وأبي محمد صالح الماجري، وأبي شعيب السارية الذي كان كثير التردد على هذا الشيخ الصنهاجي... محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد العظيم الأزموري الأصغر، بهجة الناظرين وأنس الحاضرين ووسيلة رب العالمين في مناقب رجال أمغار الصالحين، مرقم بالخزانة الوطنية بالرباط تحت رقم 3770، و1349، و1501، وهناك نسخة بالخزانة الحسنية مسجلة تحت رقم 1358 قام بوضعها الأستاذ محمد عبد الله عنان في الجزء الأول من فهرس الخزانة الملكية المطبوع سنة1980، كما توجد نسخة أخرى من بهجة الناظرين بجامعة القروين بفاس وأخرى من المخطوط بمكتبة آل سعود بالدار البيضاء. وكان مولاي عبد الله أمغار، على عادة شيوخ صنهاجة الأمغاريين، لا يقتات إلا بطعام الكون، ومعناه الغذاء الطبيعي الذي كان شيوخ الأمغاريون يقتاتون به، من بعض الكلأ وثمار البرية والبحر، كالتين والخروب، والتوت والنبق، والغاز والحبار، والبسباس والعشلوج، وشتاخ النخل وجماخ الدوم، وسمك البحيرات ووحوش الغابة.. وكل هذا يدل على أهمية الثقافة الغذائية الصوفية أنذاك، التي كانت تجسد التقشف والزهد وعمق الانتماء إلى الأرض، والإحساس العميق بنبض الطبيعة ــ محمد الشياظمي الحاجي السباعي، تاريخ مدينة تيط أو مدينة مولاي عبد الله أمغار، مطبعة المعارف الجديدة،2003..
 ومن السواكن التي يؤديها شيوخ فرقة مداحة بإتقان، ساكن سيدي مسعود بن احساين، وهو ولي من الفرع الإدريسي الحسيني أيضا، توفي عام 1080هـ/1671. عاش سبعين عاما بعد وفاة شيخه سيدي امحمد أبي عبيد الشرقي عام 1010هـ. الذي خدمه مدة طويلة، بعد أن جاءه صبيا صغيرا على صهوة بغلة، وذلك قبل يشتد عوده، ويأخذ عنه، فيأذن له بوعبيد الشرقي بالرجوع إلى بلاده بصنهاجة/ دكالة وتأسيس زاويته التي عرف فيها بسلطان الجن..، فحسيب وثيقة محفوظة منسوبة إلى إبن عبد العظيم الأزموري (مرجع سبق ذكره)، أن سيدي مسعود المشهور بعلاجه لأمراض المس بالجن والصرع، شريف النسب من الفرع الإدريسي الحسيني، فهو سيدي مسعود بن احساين بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الصادق بن أفرج بن غالب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن محمود بن يحيى بن إبراهيم بن أبي القاسم بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه. وذكر ميشوبيلير في مؤلفه ((مدن وقبائل المغرب)) أن سيدي مسعود شريف إدريسي، كان يحظى بسلطة على الجن والأرواح الشريرة، وأن والده سيدي احساين مدفون ببولعوان على ضفة وادي ام الربيع، وجده سيدي عبد الرحمان مدفون بالقرب من ضريح سيدي مسعود وحسب الروايات الشفوية المتداولة، فإن سيدي مسعود بن احساين قد تتلمذ على يد الشيخ سيدي امحمد الشرقي، مؤسس الزاوية الشرقاوية بأبي الجعد، وحدث أن وفدا من قبيلة الأحلاف الفرجية الدكالية، ذهبوا في ركب إلى زاوية أبي الجعد، وكان فيهم سيدي مسعود بن احساين طفلا صغيرا، يتيم الأب يعيش مع أمه، فلما وصلوا إلى الزاوية المقصودة، دخلوا لزيارة الشيخ وتركوا الطفل مع مطاياهم وأمتعتهم، فلما استقبلهم سيدي محمد الشرقي رحب بهم وسألهم عن أحوال السفر والبلاد التي قدموا منها، ثم سألهم إن كان قد بقي منهم أحد خارج الزاوية، فأجابوا بالنفي، غير أن الشيخ علم، عن طريق المكاشفة، أن الطفل باق هناك، فكرر السؤال، فأجابه أحد الوافدين: لم يبق أحد في الخارج إلا ولد صغير، تركناه يحرص دوابنا، فأمره الشيخ بإحضار الطفل، واستقبله بحفاوة وترحاب كبيرين، ثم حدق في وجهه، وقال أنه سيكون له شأن كبير. وبعد أيام عاد الركب من حيث أتى، وبقي سيدي مسعود بزاوية أبي الجعد، لدراسة العلم والتصوف، وخدمة الشيخ الشرقاوي وزاويته. وبعد مرور سنوات، بدأت تظهر على سيدي مسعود الكرامات، فأمره الشيخ بالعودة إلى بلاده لإفادة الناس ونفعهم. ومن الكرامات التي تتداولها الألسن، أن سيدي مسعود بن احساين، كان يشتغل خلال استقراره بزاوية أبي الجعد بطحن الحبوب بالرحى، وكان يكتفي بوضع الحبوب بها، وهي تدور لوحدها، فرأت ذلك إحدى الخادمات، فأمرها سيدي مسعود أن تحفظ سره، غير أنها روت ما رأت فأصيبت بالعمى. كما تقول الرويات الشفوية المتداولة أن السلطان الأكحل ــ ولعله سلطان مريني ــ كان قد حل بقبيلة أولاد افرج، وعسكر بجيشه هناك، وأمر سكان لمنطقة بتوفير المؤونة للجيش والعلف للدواب، ولما كانوا غير قادرين على ذلك، لجئوا إلى وليهم سيدي مسعود لمساعدتهم، فأعد إناء واحدا من الطعام للجيش، وكمية محدودة من العلف للدواب، ولما رأى السلطان ذلك اعتبره احتقارا بحاشيته، لكن سيدي مسعود طمأنه وطلب منه التريث، ثم دعا الجند للأكل من الإناء، كما أكلت الدواب من العلف، حتى شبع الجميع وبقي فاضلا. وفي المعتقد الشعبي أن لهذا الولي الصالح القدرة الخارقة على طرد الجن والأرواح الشريرة من الأجساد الآدمية التي تسكنها. ولذا نجد بداخل ضريحه بهو تستلقي فيه أجساد المرضى الآتون من كل صوب وحدب، وفي هذا البهو تمارس الجذبة وتلاوة القرآن، والذكر، وإنشاد الأمداح النبوية..وحين تتهاوى الأجساد المريضة يتم صرعها وفق طقوس خاصة، تبدأ بالإمساك بأصبع المريض الممدد على الأرض، وقراءة آيات قرآنية، في ذات الوقت، لطرد الجن من جسم المريض، وفي حالة المس بالجنون القوية، تستدعي طقوس الصرع تكبيل المريض بالسلاسل، وضربه أحيانا، ثم حبسه في مغارة تحت أرضية تسمى (الخلوة)، يمنع عليه حيالها رؤية الناس ومخالطتهم، إلى أن تتحسن حالته ويرجع إليه هدوءه النفسي. وتتوسط هذه الخلوة سارية، تقتضي طقوس الزيارة أن يطوف حولها المريض. ــ محمد الماطي، مزارات وأضرحة وأولياء دكالة الحلقة9، ضريح الوالي الصالح سيدي مسعود، جريدة العلم، العدد21749، ليومي 21و22 غشت 2010،ص10.
    أما بالنسبة للولي الصالح مولاي بوشعيب الرداد الذي تتغنى به هو الآخر فرقة مداحة، فإنه هو الولي القطب الغوث أبو شعيب الصنهاجي أيوب السارية( 463هـ/ /563هـ)، والغوث في لغة أهل الزهد والتصوف، ((هو القطب حين يلتجأ إليه، ولا يسمى في غير ذلك الوقت غوثا.)) ــ عبد الرزاق الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، مرجع سابق،ص.185. ولد أبي شعيب بقرية إيير من بلاد دكالة ونشأ بها، وارتحل إلى بلاد أغمات بمراكش، ومنها إلى بلاد الأندلس بإشبيلية وقرطبة، ومنها إلى الحج، وبلاد الشام والعراق ومصر طلبا للعلم. أخذ الطريقة الصوفية عن أبي ينور عبد الله بن واكريس، على عهد يوسف بن تاشفين المرابطي..عاش على الزهد والتقوى، والعلم والعبادة والذكر، كان يعرف بإمام العارفين وقدوة السالكين..وكانت زاويته بأزمور، كما هو ضريحه، مأوى للمظلومين والمرضى والخائفين...تخرج على يديه العديد من الأتقياء، أشهرهم تلميذه الشيخ أبو يعزى النور المعروف بمولاي بوعزة الذي خدم شيخه عاما كاملا، إلى أن أذن له أبو شعيب بالانصراف، وتأسيس زاويته بجوار الأطلس المتوسط، التي كان يداوي بها المرضى من الرجال والنساء. جاء في ترجمته 62 من كتاب التشوف إلى رجال التصوف لابن الزيات التادلي ما يلي: ((..ومنهم أبو شعيب أيوب ابن سعيد الصنهاجي، من أهل بلد أزمور ومن أشياخ أبي يعزى، ويقال أنه من الأبدال. قدم من مراكش بعد عام أحد وأربعين وخمسمائة، ومات بأزمور يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الثاني، عام أحد وستين وخمسمائة. وكان في ابتداء أمره معلما للقرآن بقرية يليسكاون من بلد دكالة. فكان يتوكأ على عصاه واقفا لا يقعد إلى وقت انصراف الصبيان من المكتب، ثم تصدق بجميع ما اكتسب في وقت التعليم، خوفا أن لا يكون وفى بما عليه من الحقوق (...) وحدثني إسماعيل بن عبد العزيز بن ياسين عن محرز بن عبد الخالق بن ياسين قال: رأيت أبا شعيب بمسجد أغمات، يأتيه المؤذن إذا أقيمت الصلاة يصيح في أذنه: قد حضرت الصلاة. وكان ذلك المؤذن خاصا به لئلا يصلي الناس عنه وهو لا يشعر بهم لغيبته في صلاته عن الإحساس بالناس. وكان إذا وقف في صلاته يطيل القيام، فلذلك سمي أيوب السارية..)). ــ كتاب التشوف إلى رجال التصوف، لأبي يعقوب بن يوسف ين يحيى التادلي المتوفى عام 617هـ/1220م، تحقيق: أحمد التوفيق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة بحوث ودراسات، رقم22،ط2،1997، الترجمة رقم62،ص.188،189. والأبدال أو البدلاء، هم سبعة رجال يسافر أحدهم عن موضع ويترك جسدا على صورته فيه، بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، وذلك معنى البدل لا غير، وهم على قلب إبراهيم عليه السلام، كما جاء في معجم اصطلاحات الصوفية للكاشاني،الصفحة 62. وبعد الانتهاء من أداء ساكن مولاي بوشعيب الرداد، ينتقل شيوخ مداحة إلى النداء والاستغاثة بولي آخر، هو الغوث مولاي إبراهيم، دفين منطقة كيك، توفي سنة 1072هـ ، والذي ما هو إلا حفيد مولاي عبد الله بن احساين، وقد أدرك نفس الحظوة التي كانت لجده. وعنه يقول صاحب الإعلام لمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام: (( كان هذا الرجل آية من آيات الله في الواردات الإلهية، والأحوال الصدقية، مع حسن سمت، ومتابعة للسنة في أقواله وأفعاله..)). والوارد في لغة الصوفية، هو كل ما يرد على القلب من المعاني من غير تعمل من العبد. والوارد أقرب إلى الخاطر، وهو ما يرد على القلب من الخطاب، أو الموارد الذي لا تعمد للعبد فيه.ــ عبد الرزاق الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية،ص.73ـ ص.177 . وبعدما ذكر العباس بن إبراهيم قصة فرار مولاي إبراهيم من السلطان زيدان بن احمد المنصور لمنطقة كيك بعمالة مراكش، يقول: ((..هناك شاع ذكره وفاح على المريدين سره، فقصده الناس من الآفاق البعيدة، وشدوا إليه الرحال من النواحي الشاسعة، وازدحم على بابه ما لا يحصى، حتى أنه اجتمع عنده في بعض الأيام ثلاثون ألفا من الرجال، وتسعة آلاف من النساء...وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر..وذلك دأبه وسيرته على الدوام. وكان يقول: لا يأتينا من أمنه الله، لأن مقامنا هذا مقام إبراهيم الخليل، ومن دخله كان آمنا، وبعدما نقل كثيرا من أخباره قال: كانت له مشاركة في العلوم أخذ عن الشيخ المنجور، وعن عبد الله بن طاهر الحسني، وأبي مهدي السجتاني وغيرهم، توفي عن سن عالية سنة 1072هـ.)).
   أما بالنسبة لأداء (ساكن مولاي الطاهر)، فيتعلق الأمر بغناء بإيقاع مهزوز، ينطوي على نبرات من الضيم والتشكي، وطلب الإنجاب والأولاد، من خلال الاستغاثة ببركات وكرامات الولي الصالح مولاي الطاهر القاسمي، دفين بلدة القواسم بدكالة، توفي في صدر القرن الحادي عشر الهـجري. ينتسب إلى القواسم بأولاد فرج الهلاليين، وهم فرع من قبيلة مشتراية بصنهاجة دكالة، من سلالة الشرفاء الأدارسة، والطاهر هذا، من سلالة سيدي إبراهيم أحد أبناء الشيخ سيدي القاسم بن علي، الذي كان يعيش بقرية أكركون بقبيلة أوزكيطة جنوب مراكش، والذي مات بدرعة ودفن بالقرب من ضريح سيدي أحمد بناصرالدرعي.
بعد ذلك، تطير أنغام وألحان فرقة مداحة نحو الغرب، ليطال غناؤهم الصوفي بعض الأولياء الصالحين المجاهدين ضد الاحتلال الأجنبي لثغور المغرب، ومنهم سيدي علال البحراوي: أو التازي سيدي علال. وهو الإمام الصوفي علال البحراوي، أصله من منطقة البحيرة بمصر. جاء من تازة إلى قرية الكاموني بجهة سلا زمور زعير، وبها استقر وأقام زاويته هناك لتعليم القرآن ومبادئ الإسلام. ويقال إن (بحراوة) هم أهل البحر، أو رجال البحر من البحارة المجاهدين الذين دافعوا عن الثغور المغربية ضد الاحتلال الإيبيري للسواحل المغربية في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، بمدن سلا والعرائش وأزمور والجديدة أو البريجة. ثم التغني بساكن (بنعاشير)، وهو الولي الصالح سيدي أحمد بن عاشر الأندلسي الأنصاري السلاوي: توفي ودفن بسلا عام 765هـ/1364م. وكان قد ولد ببلاد الأندلس، وبها نشأ وحفظ القرآن وقرأ العلم، وعلمه بالجزيرة الخضراء، ومنها رحل إلى الحج، ورجع إلى المغرب ودخل فاس، ثم رحل إلى مكناس، واستوطن بها مدة، ثم رحل إلى مدينة سلا سنة 1350م على عهد الملك أبي عنان المريني. كان يعيش من عمل يده بنسخ الكتب، تعمق في علم الطب والتوحيد، واشتهر بالصلاح والعلم النافع، أي ما يعرف عند الصوفية بالطب الروحاني، وهو العلم بكمالات القلوب وآفاتها وأمراضها وأدوائها، وبكيفية حفظ صحتها واعتدالها ورد أمراضها إليها. والطبيب الروحاني هو الشيخ العارف بكل ذلك، القادر على الإرشاد والتكميل. ــ الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، مرجع سابق،ص.85.. أخذ عن شيخه الصوفي الكبير سيدي عبد الله اليابوري، دفين شاطئ شالة بالرباط. أما سيدي بن عاشر، فهو مدفون جهة برج الدموع قرب المحيط الأطلسي بسلا، حيث شكل ضريحه مارستانا مخصصا لعلاج مرضى النفس والعقل. ـــ منى هاشم، إسم بن عاشر، مرجع سابق، ص102ـ103ـــ. ونشير هنا إلى أهمية مدينة سلا في تاريخ التصوف السني بالمغرب، نظرا لما عرفته، إلى جانب مدن ساحلية أخرى، من ضغط استعماري أجنبي، إذ يقول عنها ابن قنفذ ((مقر الصالحين..فهذه المدينة أولى بالمريد بالمغرب من غيرها.))ــ أنس الفقير، ص. 84 ـ 85، ذكره ابن الزيات، التشوف 207 ــ وسبتة التي قدر عدد ربطها وزواياها بسبع وأربعين ــ  الأنصاري، اختصار الأخبار عما كان بسبتة من سني الآثار، ص. 30، والتميمي، المستفاد 2/ 145،2 15، 168،170 . وتقول بروالة عيطية ترددها فرقة مداحة حتى اليوم: (( يا و دخيل عليك/ دخيل عليك/ دخيل عليك/ بالرمى والطلبة ورجال شالة)، ورجال شالة هؤلاء، هم سلاطين بني مرين، الذين جعلوا من شالة سلا مدفنا لأفراد عائلتهم. وأورد الإخباريون أن شالة قد لعبت دورا مهما في مشروع اسلمة المغرب، فقد بني بها رباط كبير في القرن العاشر الميلادي، كان يأوي مائة ألأف مرابط للجهاد ضد بورغواطة، القبيلة البربرية التي كانت تستقر فوق بلاد تامسنا(السهل الخالي). وتحت حكم المرينيين عادت الحياة إلى المدينة وهذه المرة كرباط مقبرة، وقبل أن يوارى فيها الثرى سنة 1286م، عمد السلطان أبو يوسف يعقوب المريني إلى بناء مسجد وقباب جنائزية بها منها واحدة لزوجته أم العز.ــ شالة، الموقع، الموقع الإلكتروني قنطرة التراث المتوسطي، مقالة منشورة على النت ــ .وحسب المؤرخ المغربي المعطي منجب،أن مدينة شالة التي عرفت ولمئات السنين كمدينة رومانية، احتضنت خلال القرن الثالث عشر الميلادي طابعا إسلاميا، عندما أصبحت مصدر تأمل وتفكر للعديد من الأدباء والمتصوفة المغاربة الذين دأبوا على الإقامة بين أسوار هذه المدينة العتيقة، وفي عهد الدولة المرينية  التي حكمت المغرب ما بين (1244م و1465م) اختار السلطان أبو يوسف يعقوب أن تأوي شالة مقبرة ملكية تدعى (مقبرة الشرفاء) يدفن بها سائر ملوك وأمراء هذه الدولة، وأقام بها مسجدا على الطراز المغربي الأندلسي، يضم زخارف ونقوشا مميزة، ومدرسة قرآنية. ويرتبط موقع شالة الأثري في الذاكرة الشعبية المغربية بعدد من الأساطير والخرافات جعلت منه مكانا مقدسا يأوي أضرحة الشرفاء والأولياء، ومزارا عجائبيا تقصده بعض النسوة لقضاء ما استصعب عليهن من حوائج..ففي الزاوية الغربية للموقع ترتفع بقايا (النزالة) التي كانت تأوي الحجاج والزوار، وفي الجزء السفلي تنتصب بقايا المقبرة المرينية المعروفة ب(الخلوة)، والتي تضم مسجدا وجموعة من القبب أهمها قبة السلطان أبي الحسن المريني وزوجته المسيحية الأصل، شمس الضحى، والمدرسة ذات المنارة المكسوة بزخرفة هندسية متشابكة والزليج المتقن الصنع..أما حوض نون فيقع في الجهة الجنوبية الغربية للخلوة، وكانت النساء فيما مضى يقصدن هذا الحوض (لوجود أسماك النون به)، الذي كان، فيما قبل، مخصصا للوضوء، ملحقا بالمسجد الذي أقامه المرينيون، ويقال حسب الاعتقاد الشعبي أن جنية تسكنه وأن إطعام الاسماك ورمي القطع النقدية تساعدهن على تحقيق أمانيهن في الزواج أو الإنجاب. ــ سارة آيت خرصة، موقع شالة الأثري، ذاكرة تاريخية...، هيسبريس، مقالة منشورة على النت، الأربعاء 16 أبريل 2014. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المغرب الأقصى في العهد المريني كان مالكي المذهب، أشعري العقيدة متخذا من التصوف السني شعارا له. وقد اشتهرت خلال هذه الفترة طريقتان صوفيتان هما: طريقة أبي مدين شعيب، وطريقة الحسن الشاذلي. وعن الطريقة الأولى تفرعت طريقتان مغربيتان: طريقة الشيخ أبي محمد صالح الماجري بآسفي التي وصل عدد زواياها ستا وأربعين انتشرت ما بين المغرب ومصر، لتيسير رحلة الحجاج إلى مكة، وطريقة أبي زكرياء الحاحي التي كان يعرف أتباعها بالحاحيين. كما انتشر التصوف الشعبي المتغذي بالخرافات والأساطير. وقد عرف عن المرينيين اهتمامهم البالغ بالصحة، فقد ساهموا في إحداث مؤسسات خيرية وعلاجية، استفادت منها جميع الفئات الاجتماعية، من فقراء ومعوقين وحتى الأجانب، ويذكر كل من علي الجزنائي وابن جزي تشييد السلطان أبو عنان للمارستانات في كل أقاليمه كتازة ومكناس، وسلا وآسفي وفاس، ومراكش والرباط، وخصصت لها أوقاف لتغطية مؤن المرضى، من الأغذية والأشربة، ووظف الأطباء لتفقد أحوالهم مرتين كل يوم ــ راجع: روض القرطاس، ط.1305،ص.214 و الذخيرة السنية، المطبعة الملكية،ص.91، وتحفة النظار، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر،الجزء2،ص.184ــــ وفي هذا الصدد، نشير إلى أن العهد المريني قد عرف ازهار التأليف والتمازج الموسيقي البلنسي الأندلسي والغرناطي (بعد سقوط غرناطة على عهد الوطاسيين)، وأصبح عماد المدرسة المغربية في طرب الآلة، التي ترعرعت بجميع طبوعها خلال هذا العصر حتى كان للجيش المريني (البري والبحري) نفسه في عهد أبي عنان موسيقاه الخاصة به، وكان لليهود ضلع في الاقتباس من الآلة الغرناطية في العهد المريني ــ عبد العزيز بن عبد الجليل، كيف تطورت الآلة الإشبيلية والطرب الغرناطي في المهاجرات الأندلسية للمغرب ــ ومن علامات ازدهار الموسيقى في العهد المريني، استخدامها في علاج الأمراض العقلية والنفسية بالمرستانات، حيث كان يطلب من الموسيقيين الحضور مرة أو مرتين في كل أسبوع (( لأن ذلك يفيد في انشراح الصدر وإنعاش الروح، فتقوى ضربات القلب، وتعود الأعضاء الجسمية لتأدية وظائفها)). وسادت هذه الظاهرة في العديد من المدن، كمراكش وسلا وفاس، التي حبست فيها أملاك خصصت مداخيلها لأداء أجرة جوق الموسيقى الأندلسية المغربية، عند عزفهم بالمستشفيات. ــ مارستان سيدي فرج بفاس أصبح نموذجا لبناء أول مستشفى للأمراض النفسية في العالم، جريدة المساء، عدد يوم 8 يناير 2013 و مستشفى بفاس يعالج المرضى والطيور والموسيقيون يرفهون عن المرضى، جريدة التجديد، عدد يوم 11 ماي 2012 ــ.
  وعموما، فقد اعتقد العامة والخاصة من أهالي الشاوية ورديغة، ودكالة وعبدة، كما من أهالي سوس والأطلس والغرب واجبالة..، بكرامات وبركات الشرفاء الأدارسة، وصلحاء الزاوية الشرقاوية وغيرها، كأولياء حظوا بالكثير من التوقير والإجلال، فقط لأنهم كانوا من الأتقياء الذين يحيون حياة مثالية، ومنهم من اكتسب هذا التعظيم عن طريق الوراثة، إما لادعائهم أنهم شرفاء ينحدرون من البيت النبوي، أو النسب العمري، أو لانتسابهم إلى أحد الأولياء المشاهير، فيصيرون يشاركونه البركة. وقد أسيء استعمال مفهوم البركة في كتابات المستشرقين وفي اللغة العسكرية، إلى درجة أن صارت لا تعني أكثر من حظ موصول والواقع أنها، وكما يدل على ذلك إسمها، نعمة لدنية حقيقية تحيط الشخص، وقد تحيط ذريته أيضا، بهالة من الإجلال والتوقير. فيمكن للرجل المميز بهذه الصورة عن سائر الخلق أن يكون صانع معجزات، أو مدعيا لها، أو يكون مرشدا أو حاميا، لأن المحبة التي يخص بها تحمله التزامات ثقيلة..كما يمكن لبركته أن تظل مقترنة به إلى ما بعد وفاته، ومن ثم تصير مقرونة بقبره، فيغدو ملجأ أو مزارة ذات أهمية، ولتلك المواسم(أوقات الزيارة) شبه كبير باحتفالات الغفران البريتانية في فرنسا، وهي تلعب الدور نفسه، دور المنظم للتلاحم الاجتماعي في المنطقة. فالذي يبدو أن أرض البربر (المغرب العربي عموما)، قد انطبعت على مر القرون بتدين شعبي عميق، فنرى المقدس المنتشر في الطبيعة، يتجسد أحيانا على صخرة، وينطبع تارة على شجرة، أو يتجلى طورا في إنسان يكون من أولياء الله. لكن تلك التجليات لا تعدو أن تكون انعكاسات بسيطة لقدرة الله الواحد المطلقة. وأما (الجنون)، وهم امتداد للجن والآلهة الصغار في العصور القديمة، فيخضعون له، كمثل خضوع بني البشر، فالله هو الله.ـــ غابرييل كامب، البربر ذاكرة وهوية، مرجع سابق،ص.314.


                                                                         الحلقة الرابعة  من هنا

Enregistrer un commentaire

 
Top