GuidePedia


الحلقة الأولى:
 مداحة: الذاكرة، السلالة والتاريخ
 برشيد نيوز: بقلم الباحث التهامي حبشي
مداحة...قرية هادئة وبسيطة، بهدوء وبساطة أهالي أولاد سعيد جنوب إقليم برشيد... أهالي جاء بهم القدر هنا، منذ زمن تاريخي ضارب في رحم التاريخ يقدر بأزيد من أربعة قرون خلت..تقول الرواية الشفوية المحلية أنهم جاؤوا من أرض بني مسكين، وهم قبائل عربية تنحدر من بني عامر بن يعقوب بن القوس من بني سليم بن منصور. ومنهم محمد بن مسكين من الطبقة الثانية، ذكره عبد الرحمان ابن خلدون وساق نسبهم. ومن المؤرخين من يرجع أصولهم إلى عرب بني هلال، الوافدون على للمغرب في التغريبة الهلالية في القرن الخامس الهجري. استقروا فوق الأراضي المحيطة بشمال مراكش، واندمجوا مع القبائل الأمازيغية، متجاورين جنوبا، مع قبائل الرحامنة والسراغنة، على ضفة وادي أم الربيع، وشمالا مع قبائل امزاب وورديغة بني جابر ببلاد تادلا.
   وبالرجوع إلى الاشتقاق اللغوي، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور الإفريقي، في مادة: مدح. المدح نقيض الهجاء، وهو حسن الثناء. ورجل مادح من قوم مدح، ومديح وممدوح. وتمدح الرجل: تكلف أن يمدح. والممادح ضد المقابح. ويقال فلان يتمدح: يثني ويفتخر. وتمدحت الأرض: اتسعت. وتمدحت خواصر الماشية أو تندحت: اتسعت شبعا. ومداح: صفة مادح على وزن فعال. وحسب معجم أسماء العائلة بالمغرب، لمؤلفته: مونيا هاشم (باللغة الفرنسية)، صادر عن منشورات الفنك/سنة 2012)، ورد في إسم مداح، بالصفحة  359: المداح، نعت عربي مشتق من فعل مدح يمدح، بمعنى أثنى على الشخص ومجده. والجمع في اللغة العربية الفصحى هو: المداحون، وفي اللهجة الدارجة العربية: مداحة. ويرتبط لقب مداح بخصوصية شيخ صوفي بالمغرب معروف لدى عائلة بني سبع المنحدرة من سلالة إبراهيم بن عمر بن عامر بن بوسبع. انتقلوا كرحل من جنوب أكادير إلى بلاد تيرس غربية بدكالة. وكانت لهم صولات كبيرة في بلاد حوز مراكش من خلال فخذة لهم بقبيلة شيشاوة، كما انتشروا في بلاد شياظمة ودكالة وعبدة، حيث تركوا في كل هذه المناطق تجمعات سكنية تحمل إسم مداحة، وذلك قرب الشماعية، وسيدي بنور، وقرب سطات بأولاد سعيد بالشاوية..كما ترك مداحة أيضا لقبهم بدوار المداحة ببني مسكين بتراب الجماعة القروية سبت أولاد فريحة.
  وعن هذه الأصول التاريخية الغميسة يقول السيد عبد السلام العلمي (حوالي 70 سنة)، حافظ لكتاب الله، عضو منتخب بجماعة سيدي بنحمدون: (( هاذ الناس ديال مداحة جات بهم القدرة الإلهية إلى هاذ الأرض السعيدة بأولاد سعيد...جاوا من بني مسكين...قالوا زمان كان تم في واحد التاريخ قايد صعيب...هربوا منو هاذ الناس ديالنا وجاو هنا..وقبل منهم، كانوا هم ربعة الجدود  جاوا من بني عروس من الشمال إلى بني مسكين..راه حنا شرفاء علميين أدارسة من بلاد جبل العلم، فين مدفون جدنا سيدي عبد السلام بن مشيش رحمة الله عليه..)).وتضيف الرواية الشفوية على لسان أهل مداحة قائلة: ((كان هنا واحد لفقيه مات على سن 113 سنة..قراوا عليه حوالي 40 طالب منهم فلان وفلان وفلان..))، ومباشرة دخل الراوي في الحديث عن الغناء. حيث قال، في مجاورة ومحاورة فريدة وعجيبة بين تلاوة القرآن وترديد عيوط و براويل الغناء: ((هاذ الغنا راه حتى هو بركة ديال جدودنا الأولين..نحن علميون شرفاء أدارسة جئنا من الشمال من بني عروس..وهاذ العيوط عندنا موروثة من جيل إلى جيل بحال الترتيل ديال القرآن...وما تنساش راه فينا الطالب الحافظ لكتاب الله وهو شيخ عياط حافظ العيوط والقصايد..كلام زين وصافي ما فيه عيب.. وهاذي راها سقوة ربانية، ورثناها على جدودنا.. كانوا كا يديروا المديح والعيوط في المواسم والحلاقي و الأسواق.. كانوا يسيحوا في الدواوير والقبائل..كانوا يقولوا الكلام المنظم في المناسبات والأعراس والمواسم...منهم الشيخ بوشعيب (لقجر) كوامنجي مات على 113 سنة، وصاحبه الطعارجي الشيخ بوعبيد (برغوث) الله يرحمهم ووسع عليهم ضيقة القبور.. )).
  بانحدارنا في الزمن التاريخي والسلالي العميق، نجد أن أهل مداحة أولاد سعيد من سلالة الشرفاء العلميين المشيشيين الذين ينتسبون إلى جدهم الأعلى الأمير الإدريسي سيدي أحمد المزوار بن علي بن حيدرة بن محمد بن إدريس الثاني/الأزهر، بن إدريس الأول/ الأكبر. وهو أول نزيل بجبل العلم بغابة حجر النسر بقبيلة سماتة، جاء إليها أميرا فارا من التطاحن الذي وقع حول الأدارسة بفاس. واعتكف بخلوته هناك إلى أن وافته المنية سنة 234هـ/849م. و قبل ذلك، كان مزوار قد بعث إبنه سليمان المكنى سلام والملقب بالعروس إلى جيرانه بني عروس، حيث خلف سليمان ثلاثة أولاد هم: يملح المدفون قرب أبيه بجبل العلم ومنه ينحدر اليملحيون الوزانيون، وموسى شرق قرية تازروت ببني عروس، وهو جد الموسويين، ومنهم الحراقيون الشفشاونيون وعائلات الحوات والشروقي، ثم أخيرا القطب الروحي مولاي عبد السلام بن مشيش، الذي خلف بدوره أربعة أولاد، منهم محمد الملقب بالشيخ الجد المشترك لجبالة، وعلي الملقب بعلال، وعبد الصمد المكنى بالطريبق. ( منى هاشم،ص.ص.346ـ347). وكلهم مدفونون بقبيلة بني عروس.( ومعنى كلمة مزوار بلغة البربر: بكر أبيه، أو الزعيم في الدوار أو القبيلة، أما حيدرة، فمعناها: إسم الأسد. أما بني عروس، فقيل من لقب للأمير سلام بن مزوار الذي جاء عازبا وزف إلى عروس من بلاد جبالة، وقيل أن المنطقة سميت كذلك لأنها كانت تبدو وسط قبائل جبالة كعروس بيضاء لكثرة أضرحة الأولياء الصالحين المدفونين فوق ترابها، حوالي 14 ضريحا بالمنطقة). وجبل العلم، الذي إليه يرجع نسب العلمي، يوجد على بعد نقطة المركز بقرية خميس بني عروس ب 10.3 كلم وبقنة جبل العلم يوجد مرقد القطب الرباني عبد السلام بن مشيش، وهو حفيد أبي بكر الجد الجامع للشرفاء العلميين. وهناك يوجد ضريحه المشهور، وحوله مقابر وأضرحة تضم رفات جل أسلاف العلميين حددتها د. أمل العلمي في 14 ضريحا. وحسب د. عبد الرحيم العلمي، عضو رابطة العلماء بالمغرب وأستاذ الفكر الإسلامي والحضارة بجامعة فاس، فإن أصل تسمية آل العلمي يعود إلى جبل العلم، وهو إسم الجبل الذي عاش فيه ودفن به جد آل العلمي المجاهد الكبير والقطب الصوفي الأشهر مولانا عبد السلام بن مشيش الإدريسي الحسني، ويقع هذا الجبل في شمال المغرب قرب مدينة تطوان، ولا يزال هذا الجبل يسمى إلى اليوم باسم جبل العلام باللهجة المحلية، أي العلم، ومعنى العلم في اللغة العربية: الجبل المرتفع. وجد عائلة العلمي مدفون في قمته حيث توجد خلوته التي كان يتعبد فيها، وهو الحفيد الحادي عشر لإدريس الأكبر فاتح المغرب، كما أنه الحفيد الخامس عشر لسيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم. وإسمه الكامل: عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر بن علي بن حرمة بن عيسى بن سلام بن مزوار بن عبد الله بن محمد بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله المهدي بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. ورضي الله عنهم أجمعين. ــ مقال منشور على النت، بعنوان، أصل تسمية آل العلمي. وتقدم لنا عائلة بني عروس مثالا رائعا للتداخل الإثني والتفاعل العرقي بين شمال المغرب في بلاد جبالة، ووسطه بسهول الشاوية، وجنوبه في بلاد الصحراء. فإذا كان بريق قبيلة بني عروس قد بدا في بلاد جبالة شمال المغرب، منذ القرن الثالث الهجري الموافق للقرن التاسع الميلادي، من خلال الشرفاء الأدارسة الأوائل، في شخص سليمان أو سلام بن الأمير مزوار الإدرسي، وحفيده مولاي عبد السلام بن مشيش الذي ولد بعد ستة أجيال من الأمير سلام فوق تراب بني عروس بجبل العلم، فإنه ابتداء من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، سيمارس العروسيون سلطة سياسية مؤثرة بمناطق القصر الكبير، ووزان، وشفشاون، والعرائش وأصيلا. كما عرفوا بقوة جهادهم وصدهم للاحتلال الإيبيري وخاصة بسبتة سنة 821هـ/1418م، وذلك قبل اندحار أمرهم في أواسط القرن التاسع الهجري/القرن السادس عشر الميلادي. حسب ما يذكره المؤرخ أحمد الناصري في كتابه الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى. وفي هذه الفترة ستظهر عائلة عروسية أخرى بالصحراء الجنوبية هذه المرة، وهم من أبناء عمومة العروسيين بالشمال، يعيشون كرحل ينتقلون بين درعة والساقية الحمراء، ويعلنون انتسابهم إلى الشيخ الصوفي سيدي أحمد العروسي ولد مولاي عمر، هذا الأب الذي ينحدر من بلاد جبالة بالشمال، والذي استقر بالقيروان، حيث سيولد ولده سيدي أحمد العروسي سنة 990هـ/1582م، والذي سيأخذ على عاتقه صلة رحم أبناء عمومته بالجنوب، مروا ببلاد الشاوية، وبالضبط أولاد سعيد سطات، حيث تزوج من أمرأة هناك، أنجبت منه إبنا هو سيدي امحمد العروسي، لكنه سرعان ما سيغادر سطات إثر وشاية به إلى السلطان من طرف الأعيان، حيث سيأخذ سيدي أحمد العروسي الطريق نحو الساقية الحمراء عند أبناء عمومته من قبائل الرقيبات المنحدرين من سلالة مولاي عبد السلام بن مشيش. ويعتبر ولداه بومهدي والتونسي هما أسلاف عروسيين الساقية الحمراء/ ذات الزاوية الشاذلية السنية والجهادية ضد المستعمر منذ القرن التاسع عشر الميلادي. وببلاد الشاوية سطات بالذات، كان إشعاع العروسيين من خلال زاوية سيدي العربي العروسي التابعة للطريقة الشرقاوية وذات العلاقة مع الزاوية الصحراوية التيجانية، وكذا من خلال عائلة قايدالية مشهورة بسطات ونواحيها هي عائلة القايد بالمعطي المزمزي العروسي المتوفى سنة 1290هـ/1873م. هذا دون أن ننسى أثر بني عروس ببلاد سوس والغرب ودكالة وعبدة وحاحا والرباط ومراكش (رياض بني عروس).ــ منى هاشم،ص.63ــ.
يتبع...


Enregistrer un commentaire

 
Top