GuidePedia



الحلقة الثالثة :
أهازيج مداحة: الجذور.. والترسبات..
1ــ الجذور السلالية للأهزوجة المداحية:
 برشيد نيوز: بقلم الباحث التهامي حبشي
يبدو من خلال الملاحظة والاستماع، أن أهزوجة مداحة عبارة عن غناء موسيقي سلالي، حركي راقص، ضارب في عمق التاريخ والوجدان الاجتماعي والثقافي المغربي. إنها عيوط وبراول تستند إلى خلفية (فن البساط) كمهرجان شعبي فرجوي احتفالي كان ينظم بأماكن خاصة بمدن المغرب التقليدية على عهد السلطان محمد بن عبد الله (1757ـ1790م)، وذلك من خلال الرقص والغناء والموسيقى باستعمال الغيطة والناي، والوتر والطبل، والطارة والطعريجة، والمقص والقراقب. وخاصة في مناسبات عاشوراء، وعيد الأضحى، وعيد المولد النبوي، كما في مناسبات حفلات الزفاف والعقيقة والختان، وفي المواسم والأعراس. فجوابا عن سؤال الباحث حول أصول هذا الغناء عند مداحة، تقول الرواية الشفوية على لسان الشيخ المعاشي عثمان الملقب ب (الكلوة)، 81 سنة، عن والده المرحوم الشيخ الكوامنجي بوشعيب عثمان بالعسال الملقب ب (القجر) الذي عاش ما بين سنتي 1873و1986:(( هاذ شي عندنا وراثي ومؤصل من الوالدين..أخذنا هاذ شي على والدينا، وحتى هم خاذوه على والديهم/ جدودنا الله يرحم الجميع، بويا الله يرحمو جاب المشيخة من طنجة وتطوان..كان نوبة نوبة يمشي للشمال ومن تم جاب الكمنجة ديالو بلانطو طاليان..كانت مليحة وعزيزة على بويا مسكين..)). وفي هذا السياق، أعرب لنا الشيخ الكوامنجي، حمادة برهان (40 سنة) عن نيته في بيع بضعة رؤوس أغنام، تحصلها من رعيه بالربع لقطيع أغنام في ملك أحد الفلاحين الكبار بالمنطقة، وعزمه مغادرة القرية في اتجاه طنجة، قصد ممارسة وصقل حرفته كعازف شعبي على الكمان. إن هذا الذهاب والإياب عبر التاريخ الماضي، والحاضر والمستقبل، يكشف بوضوح عن جنيالوجيا الأصول الشمالية لغناء وموسيقى فرقة مداحة بالشاوية. وفي الاتجاه المعاكس، فإننا نجد أن شيوخ الزاوية الريسونية بتطوان، قد أخذوا عن شيوخ بني أمغار ببلاد صنهاجة دكالة. فقد وصل الإشعاع الروحي للولي سيدي عبد الله بن احساين، مجدد العائلة الأمغارية في القرن العاشر الهجري، صاحب الكرامات العجيبة والذائع الصيت، إلى جهات كثيرة وبعيدة، فقد أخذ عنه الشيخ سيدي محمد بن علي بن ريسون المتوفى سنة1018هـ وهو شيخه الذي اعتمد في طريقته الريسونية، حسب ما ذكره ولده الحسن في كتابه (( فتح التأييد في مناقب الجد والعم والوالد))، فهو قد ذكر قصة اتصال والده بسيدي عبد الله بن احساين، وذكر أن والده شد الرحلة إليه من جبل العلم بشمال المغرب، وزاره بزاويته بتامصلوحت، وبأن والده ورث أسرار هذا الشيخ، الذي هو قطب الأقطاب، وعلى يديه تم له الفتح، وبأمر منه فتح الزاوية الريسونية بتازروالت، بجبل العلم، قرب تطوان بقبيلة بني عروس. وبعد وفاة الشيخ سيدي محمد بن علي بن ريسون ظلت الزاوية الريسونية بالشمال مخلصة لآل أمغار إخلاصا لا نظير له، ووظفت مدح سيدي عبد الله بن احساين فيما ينشده المريدون بالزاوية الريسونية، وهناك منظومة من الملحون بعنوان: (حضرة القطب مولى عبد الله بن احساين) تنشد بالزاوية الريسونية بتازروالت وتطوان، وهي موجودة كاملة بكتاب (أبطال صنعوا التاريخ) لعلي بن ريسون، طبعة المهدية،1974. تبدأ هكذا: باسم الله نبدا نذكر/ نمدح البشير النذير/ مصباح البيان/ مولاي عبد الله بن أحساين...وهي قصيدة طويلة في مدح سيدي محمد بن علي بن ريسون وشيخه سيدي عبد الله بن احساين، ولازمتها: والولي صاحب المهابة/ كملوا بن احساين واعطاه اعلامو/ قطب الصالحين يا بن ريسون/ يا كنزي بابا امحمد/ من دكالة وأنا نسال/ واعيت أبويا وعياو مواولي/ الوالي صاحب المهابة/ كملو بن احساين واعطاه اعلامو. والشيخ سيدي عبد الله بن احساين المغاري الإدريسي، من أصحاب الشيخ سيدي عبد الله الغزواني، وهو من أهل بزو قبيلة نتيفة، نزيل مصلوحة من حوز مراكش ودفينها، وتوفي في غالب ظني سنة سبع وسبعين وتسعمئة، وقيدها بعضهم عند الزوال يوم الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وسبعين وتسعمئة، ودفن بعد العصر من يومه ولعل هذا الأخير هو الصواب...كما جاء في (المرآة) نقلا عن الترجمة رقم 1192 من كتاب الإعلام لمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، للعباس بن إبراهيم السملالي، الجزء8،ص.277و278. ونجد الإمام عبد الرحمن القسنطيني يقول عن آل أمغار: (( أكبر بيت في المغرب في الصلاح، بيت بني أمغار، لأنهم يتوارثونه كما يتوارث الناس المال.))، وهذه الجملة نقلها غير واحد من الذين ترجموا لهم، آخرهم الشيخ محمد بن أحمد الكانوني في كتابه:(( آسفي وما إليه))،ص.16.
  فمن منطلق أن المجال الترابي/الجغرافي، هو سجل من التقليد الشفاهي يحتوي على بعض الأغاني، المرتبطة ببعض الخلفيات العائلية أو العشائرية، المعبرة عن التواصل والتعاطف، وتبادل المشاعر الجماعية، عبر ملاحم ومراحل وذكريات، وفق جدلية للنداء والتوتر، ــ باتريك وليامز، أبواب مفتوحة على الموسيقى والأنثربولوجيا، (بالفرنسية)، مجلة الإنسان، العدد 171ـ172 ص.463 ــ 476 ــ فإنه، لا مراء في كون إن فرقة مداحة، كفلكلور شعبي، رجالي فرجوي، غنائي وعزفي وراقص، ذات أصول غنائية شعبية فرجوية، منحدرة من شمال المغرب، إذ يعتبر إقليم تطوان القلب النابض والوتر الرنان بكل ما يحتضنه شمال المغرب من وجوه الموسيقى الشعبية وأصنافها..وتعرف الموسيقى الشعبية العامية في هذا الإقليم بموسيقى جبالة تمييزا لها عن موسيقى الريف (تاريفيت) التي تسود إقليمي الحسيمة والناظور. وأكثر القبائل ممارسة لموسيقى جبالة قبيلة بني قرفط، التي اشتهر فيها الشيخ عبد السلام الكرفطي، وقبيلة أيت سريف، التي تتوفر على جوق شعبي نموذجي، وقبيلة بني يدر وقبيلة بني عروس، حيث يقوم ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش. ولقد جاء في كتاب((أغاني السيقا)) عبارة تشهد على جمال وأصالة موسيقى الشمال المغربي: ((وفي بلاد جبالة نواحي مولانا عبد السلام بن مشيش، التي هي معادن الموسيقى والطرب، طبوع لا يسمع مثلها قبله.)) ــ إبراهيم التادلي، أغاني السيقا، الباب الثاني في موضوع علم الموسيقى،.ـــ ويعتبر الموسم السنوي الذي يقام حول ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش في منتصف شعبان من المناسبات الفريدة التي تلتقي فيها الأجواق الشعبية لموسيقى جبالة، من الطقطوقة الجبلية، والعيطة الجبلية، وعرض الغيطة.. لتستعرض إنتاجها الموسيقي في جو تسوده التلقائية المفعمة بروح الارتجال ويذكيه إقبال الجمهور المفعم بالتشجيع.ـــ عبد العزيز بن عبد الجليل،ص.64ـ65.ــ. تنهل فرقة مداحة أولاد سعيد الشاوية، إذن، من معدن موسيقى وطبوع وإيقاعات فرقة الغنائيين المداحين الجوالين ببلاد بني عروس، وبالضبط من قبيلة هناك تعرف بالجهجوكة، وقد ((كتبت في تاريخ ابن خلدون زهجوكة، وينطق بها اليوم محليا جهجوكة أيضا. كانت مواطنها بجهات القصر الكبير من المغرب الأقصى، وبها سميت قرية هناك ذكر البكري أنها كانت مقر أحد الأمراء الأدارسة. وزهجوكة مشهورة بين قبائل جبالة بالرقص والغناء وتضرب بها الأمثال في ذلك.)) ــ عبد الوهاب بن منصور، قبائل المغرب، الجزء الأول، المطبعة الملكية، الرباط،1968،ص.314.ــ وجهجوكة اليوم، قرية يزيد سكانها عن 500 نسمة، تقع على بعد 15 كلم من مدينة القصر الكبير في اتجاه مدينة شفشاون، بيوتها مطلية بلون الجير الأبيض الناصع، أما نوافذها وأبوابها فباللون الأزرق. يكثر حولها نبات الصبار وأشجار الزيتون ونتوءات صخرية بارزة. وتمثل هذه القرية العريقة بتاريخها القديم عينة نموذجية لعلماء الأنثروبولوجيا بدءا من موسيقاها، وصولا إلى لغتها وعاداتها السحيقة، فتكون الموسيقى بذلك، صورة عن التنوع القبلي والإثني للمغرب القديم؟ فهي تشكل الهيكل الأساس للثقافة الشعبية المغربية والإفريقية، كما أنها تقدم علامات وصدى التاريخ الأسطوري للسكان الأصليين. ــ سعيد بوكرامي، الجهجوكة، موسيقى الأصول المغربية، مجلة الثقافة الشعبية، عدد 22، الحجم6، البحرين، صيف 2013،ص.127. و قد اختلف الباحثون في تحديد جذور موسيقى جهجوكة، فالشاعر الأمريكي وليام بروزو ذهب إلى أن هذه الموسيقى سبقت دخول الإسلام إلى المنطقة بأربعة قرون، فيما اعتبر أريان فاريبورز أن أصولها فارسية، تعود إلى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وأنها موسيقى ساحرة وشافية، تلاقحت مع الحضارات التي عبرت حوض البحر الأبيض المتوسط واستقرت على ضفا فه مثل الحضارة الرومانية، ويستشف ذلك من رقصة (بوجلود) التي تحاكي إله الماعز عند الرومان (الإله بام) الذي يخصب كل أرض يرقص فوقها وكل أنثى تلمسها شطائبه. ــ  فرقة جهجوكة: مزيج من الصوفية والوثنية/ تقرير أريان فريبورز، ترجمة: عبد اللطيف شعيب، حقوق الطبع، موقع قنطرة 2055، على النت).ولا شك أن موسيقى جهجوكة قد تأثرت أيضا بدخول الإسلام إلى المنطقة وانتشار التصوف بها، حيث ستغدو العديد من الفرق الموسيقية الطرقية مزيجا من التعبير الصوفي والوثني، خصوصا وأن مدشر جهجوكة، بقبيلة أهل سريف، سيصبح قلعة للطريقة التيجانية لصاحبها الولي المربي الشريف الحسني الإدريسي، الشيخ العارف الرباني المربي الشهير أبو العباس أحمد التجاني المزداد بقرية عين ماضي عام 1150هـ/1737م، والمتوفي عام 1230هـ/1815م، دفين زاويته بالحومة المعروفة بالبليدة من محروسة فاس. ويرتبط ظهور موسيقى الجهجوكة، حسب بعض المؤرخين، بالولي الصالح سيدي أحمد الشيخ الذي ينسب إليه تأسيس هذه القرية، وهو أيضا من جاء بالإسلام إليها. ليس هذا فحسب، بل يعتبر من كبار الفلاسفة والشعراء الموهوبين، وكان أول من مزج الموسيقى في فنه الشعري وأدخلها إلى القرية، ومنها إلى كل قبائل جبالة بشمال المغرب. وبدون شك أن فن العزف عند فرقة جهجوكة مرتبط بالصوفية والعلاج السحري، فقد كانوا يعزفون على الطبول والرق والناي والمزمار والقيثارة. وعلى مدى ساعات من الترنيمات المتتالية، تتحول الموسيقى إلى غناء، ويصبح المغني والجمهور في حالة غيبوبة. ويشهد سكان القرية وعشاق الموسيقى على القدرات السحرية والأثر العلاجي لهذه الموسيقى، للمصابين بالشلل والعقم والأمراض النفسية والعقلية، وذلك على الإيقاعات الصوفية وببركة الولي سيدي أحمد الشيخ. وليست الألحان الروحية والعلاجية هي من خصائص موسيقى الجهجوكة فقط، بل نجد أن للموسيقيين أهمية كبرى في العادات الريفية والوثنية والرقصات الصاخبة. وأهم شخصية هنا هي الراقص الذي يرتدي جلد الماعز ويلقب ب (بوجلود) ويرمز للخصوبة والإنجاب عند أهل القرية. إذ تصبح النساء قادرة على الإنجاب إذا لمسها (بوجلود) بغصن زيتون خلال الرقص. (سعيد بوكرامي، مرجع سابق، ص.128). فمرة كل عام في نهاية شهر رمضان، ومن فوق (حجرة بوسعيد) تخوض فرقة جهجوكة في عزف(البوجلودية) على ألسنة اللهب المستعر ودخان عشبة الكيف، وفيما تكون آذان المتفرجين صاغية كليا للنغمات المتسارعة، فإن أعينهم مترقبة لانبعاث (الإله الماعز) من جهة الغابة، حاملا شطبتي زيتون، وفجأة يظهر، بشكل مرعب ومخيف، (بوجلود) متلحفا جلد الماعز، وهو يرتعد على إيقاع الموسيقى، التي تعزف خصيصا له، وطلبا لبركاته في تخصيب النساء والأرض، كما كان الأمر بالنسبة للإله (بام) الماعز عند الرومان..، فمعلوم أن الإنسان البدائي قد استعمل فراء الحيوانات وجلودها للتنكر، إما من أجل تقليد الحيوان الطوطمي للقبيلة، أو من أجل الحصول على صفات الحيوان الذي أخذ منه الجلد، أو لمخادعة وإرعاب العدو، سواء أكان هذا العدو حيوانا أو إنسانا، ولربما لهذا السبب قال بول فاليري يوما:(( أكثر ما يوجد عمقا في الإنسان هو جلده.))، فارتداء الأقنعة ظاهرة أنثروبولوجية في المعتقد الطوطمي لدى الشعوب البدائية، والأقنعة الإفريقية تقودنا إلى سريالية، تتكامل فيها وحدة الإنسان مع الطبيعة، والتحامه بالقوة السحرية، حيث يغدو كل شيء في العالم، نظاما من الإشارات والرموز والعلامات، يربط من يرتدي القناع بالعالم الخفي الذي تسكنه الآلهة والجن، وأرواح الأسلاف أو الأجداد المقدسة، متخطيا بذلك شخصيته الآدمية، وجامعا ما بين الإنسان والحيوان، والنبات والأرواح والأشياء الجامدة،  وبذلك تكون وظيفة الأقنعة هي حراسة الجماعة أو القبيلة من كل أذى يداهمها، وهي بذلك مصدر للشفاء من الأمراض، وأذى الأرواح الشريرة والشياطين والجنون ــ حسين عباسي، الوشم لدى قبائل إفريقيا الوسطى، الذات والموضوع، مقالة منشورة على النت ــ. وفي هذا الإطار يرى الباحث الميداني الإثنوغرافي إدوارد ويسترمارك ــ تلميذ مالينوفسكي، الذي درس عادات وطقوس وديانات المجتمع المغربي في بداية القرن العشرين، وألف أطروحته حول (أصل الزواج البشري) ــ يرى أن مهرجان بوجلود الذي يقام على هامش عيد الأضحى هو طقس وثني يعود إلى ما قبل الإسلام، ترجع أصوله إلى أعياد زحل الرومانية، وتم إلحاقه فيما بعد بالأعياد المحمدية في شمال إفريقيا. أما العرب، قبل دخولهم شمال إفريقيا، فلم يكونوا قط يعرفون هذا المهرجان. ويرى الباحث ويسترمارك أن طقس (بوجلود) هو حفلة تنكرية، وطريقة استهتارية احتفالية، يتمرد من خلالها الناس ضد القداسة التي يفرضها عليهم العيد، حتى يتمكنوا من الرجوع إلى مشاغل الحياة العادية بدون خطر يذكر. ـــ إدوارد ويسترمارك + عبد الغني منديب، الدين والمجتمع ودراسة سوسيولوجية للتدين في المغرب، ط2/2010. كما أن العنف الطقوسي المتجلي في عمليات الرقص (الجذبة) وإدماء الجسد أو نحر الأضحية، يستهدف طرد أو تطهير العنف، أي مخادعته وتبديده من خلال الأضحية (ماعز) التي لا خوف من أن يثأر لها. فطقوس الذكر والتسليم والبركة، توجه العنف نحو بعده الرمزي/ المعتقدي، وذلك عبر تشغيل آلية الاستبدال أو الاستعاضة بين الجسد والأضحية، وتتجسد آلية الاستبدال في كون الجسد الطقوسي يغلف جلده بجلد الأضحية، سواء بشكل فعلي أو رمزي ــ جيرار.ر، العنف والمقدس، ترجمة جهاد هواش وعبد الهادي، دار الحصاد، 1992،ص.54وص.127/128. ومن منظور الباحث الأنثروبولوجي المغربي، فإن طقس (بوجلود) أو (بيلماون) بالأمازيغية، يكشف عن الخطاب الذاتي والمرئي للمغاربة، من حيث أنه قتل مقنع أو مرفوق بالتنكر، يشكل فيه الحيوان قناع الإبن، مثلما يشكل القناع مفتاح الكيفية التي يعلن بها المغاربة عن التوترات والتراتبات الاجتماعية التي يزخر بها مخيلهم ومجتمعهم. ــ عبد الله حمودي، الأضحية وتمثل الإلهي، ص.188، وكذا أضاحي وأقنعة (بالفرنسية)،ص.195. ــ
 وعلاوة على الرقص التنكري، تميزت موسيقى جهجوكة بالغيطة والطبل، مما جعلها محط إعجاب واهتمام من طرف العامة والخاصة، بل وحتى من خاصة الخاصة، من سلاطين المغرب وحاشيات بلاطتهم، وذلك منذ عهد السعديين، وصولا إلى العلويين في القرن السابع عشر الميلادي الذين خصوا (زهجوكة الطبالين) بعدد من الإكراميات وظهائر التوقير والاحترام. وعلى عهدهم، أصبحت موسيقى جهجوكة (موسيقى البلاط) التي تعزف للسلطان (سونيتات) الصباح وترافقه في خرجاته إلى السلم والحرب.ــ  سليمان الريسوني، جهجوكة فرقة الروك من العهد الوثني، بوابة القصر الكبير، في 27/01/2001، مقالة منشورة على النت.ــ وقد أشار الأديب الصحفي الباحث حسن نجمي، في معرض حديثه عن الغناء العيطي في المحلات السلطانية،  إلى مشاركة قبائل جبالة في تحمل أكلاف الحركة السلطانية الحسنية الخامسة عشرة سنة 1889م، (السلطان الحسن الأول/ سيدي حسن)، من خلال إرسال الرماة، ومساهمتهم بالموسيقيين الرسميين للدولة المغربية، منذ عهد الدولة السعدية (1509ـ1626)، وإلى مساهمة قبيلة جهجوكة (أوزهجوكة) بالطبالين والغياطين، وهم أشياخ يؤدون العيطة الجبلية آليا (موسيقى فقط دون غناء) أو غناء وأداء موسيقيا، بانتقال نفس العازفين من الطبل والغيطة إلى الآلات الوترية والإيقاعية (الكنبري والبندير مثلا)ــ حسن نجمي، غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية في المغرب، دار توبقال للنشر،ط1، الدار البيضاء،2007،ص.171.ـ ونشير هنا إلى أن قرية الجهجوكة هذه، قد شكلت قبلة للفنانين العالمين ومصدر فتنة لجامعي موسيقى الشعوب الذين أقاموا بمدينة طنجة، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر بول بولز 1910ـ1999 وأوبريون جيزن 1916ـ1986. فقد جاء الأديب بول بولز إلى طنجة، وكان يعتقد أنه سينجز مهمته العلمية، ويعود أدراجه ربما لغير رجعة. كان قد كلفته مؤسسة روكفيل، التابعة لمكتبة الكونغرس الأمريكي، كي يسجل الموسيقى الشعبية لمنطقة شمال المغرب. وخلال تجواله بين قرى جبال الريف سجل بولز 205 من المقطوعات الغنائية والموسيقية  الجبلية. كانت تسجيلاته في مناطق عدة منها: كتامة وتاهلة، والحسيمة والناظور، وتازة والقصر الكبير، والعرائش وبركان. وكلها مناطق تتميز بغنى موسيقاها الضاربة الجذور في تاريخ وأساطير الإنسان المغربي. ومن الملاحظات الهامة التي خرج بها بول بولز في بحثه، أن الموسيقى الشعبية في منطقة الريف وجبالة، هي ((موسيقى متوأمة)) يشترك فيها الغناء بالرقص. وهذه الإيقاعات الشعبية تعتمد آلات النقر على الطبل والبندير، وآلات النفخ على المزمار والغيطة. لكن بولز عندما وصل إلى قرية الجهجوكة، تضاعف افتتانه بشيوخها وموسيقاها، فكان السبب الرئيسي للتعريف بهذه الموسيقى الشعبية الروحية، التي كانت مطمورة بين الجبال. وقد نال فن الجهجوكة حظا كبيرا من الشهرة والاهتمام الفني والإعلامي العالمي، بفضل عدد من الباحثين والجامعين للموسيقى الشعبية والعرقية، التي أصبحت اليوم يطلق عليها مصطلح (موسيقى الشعوب).ـــ سعيد بوكرامي، مرجع سابق،ص. ص.126ـ127ـــ.
وفي غناء وموسيقى مداحة، لا تزال ترسبات غناء وعزف ورقص الجهجوكة، سواء من حيث المضمون الديني أو ما يعرف بالبروال الصوفي، أو (الساكن ) الذي يجد جذره اللغوي في كل جسد آدمي تسكنه قوى غيبية، أو أرواح غريبة، تظهر جلية من خلال أقوال وأفعال الجسد المسكون، الذي يستدعي العلاج والتداوي عن طريق أنغام الغيطة والشبابة، وإيقاعات الطبل والبندير، كمعتقدات شعبية سادت في الذهنية المغربية لحقبة طويلة من الزمن.(ساكن مولاي عبد السلام/ حبيب الطلبة حبيب العوام). كما لا تزال في غناء وعزف مداحة، تلك النغمات والألحان الطبيعية البدائية (السلم الموسيقي الخماسي والمقام الطبيعي بديوانيه الكبير والصغير، على الغيطة والناي/ القصبة وبوغانيم/ أم المكرونات)، أو على مستوى الحركات ( رقصة الرجل المجرد من القناع وغصن الزيتون). ويأخذ الغناء عندهم شكل غناء جماعي، يستهل فيه الغناء، وقوفا، من طرف رئيس (مقدم) الفرقة، ثم تكرر اللازمة من طرف الجماعة، ويبدأ الإيقاع خفيفا، لكنه سرعان ما يبدأ في الارتفاع التدريجي، حيث يمتزج بالطابع الخفيف والراقص، وصولا إلى القفل أو السدة، وهي ذات إيقاع سريع شبيه بقفل ميزان القدام الأندلسي/ المتقارب.والجملة اللحنية تؤدى فيه بحركة سريعة لا يبرز محطها النهائي على نغمة القرار، إلا في شكل قرار للترجيع، وهي ذات مقام طبيعي أو خماسي معدل على الدرجة الثالثة. فالأغنية عندهم شبيهة ب (فن الحمادة)، التي هي منظومة غنائية شعبية منتشرة في الغرب مثل (حمادة الغابة). وهي عبارة عن ميلوديا أحادية، ذات جملة موسيقية واحدة، فقيرة من الناحية الصوتية، ويلعب فيها الإيقاع دورا بارزا. ومعلوم أن الغناء العيطي العربي الدارج، يمتح من ما تبقى من ترسبات الغناء البربري القديم بالمغرب، كما في شكل ما يسمى ب (تاصوكايت)، أي التصويت والصياح، فقد كان الشاعر إذا نبغ في دولة زناتة يتقدم أمام الصفوف ويتغنى ويحرك بغنائه الجبال الرواسي ويبعث على الاستماتة من لا يظن بها..وأصله كله فرح يحدث في النفس فتنبعث عنه الشجاعة كما تنبعث عن نشوة الخمر بما حدث عنها من العزم ــ مقدمة ابن خلدون 258.ذكره عبد العزيز بن عبد الجليل، الموسيقى الشعبية بالمغرب، مجلة الفنون، السنة الخامسة، العدد الأول، رمضان1398/غشت1978، وزارة الدولة الكلفة بالشؤون الثقافية، الرباط،ص.48 إلى ص.71، ص.54. وبدون شك، فإن الغنائي والفرجوي الحالي لفرقة مداحة، هو ما تبقى لنا من فرجة (أمذيازن) الأمازيغية الأصل، فقد (( كانت القبيلة من صنهاجة إذا بلغ فيها شاعر راح ينتقل بين القبائل ويتجول في القرى. وكان يطلق عليه إسم أمذياز. وكان أمذياز يتخذ رفيقين يصاحبانه في تجواله، فإذا حطوا رحالهم في مكان ما أخذ الشاعر يتغنى وأخذ صاحباه يرددان غناءه. وكان لهذا الثلاثي آلات موسيقية يستعملها في ترجيع ألحانه. وهي مزمار ذو قصبتين يحمله الشاعر، ثم كمنجة ودف يحملهما صاحباه.)) ــ عبد العزيز بن عبد الجليل، مرجع سابق،ص50.ــ وقد تميز شعراء صنهاجة المعروفين باسم (امذيازن) باستعمال مزمار ذي قصبة يسمى (بوغانيم).ــ نفس المرجع،ص.56 ــ وإلى جانب (امذيازن) كان هناك شيوخ آخرون يطلق عليهم إسم (إيمداحن) وهم مغنون يرددون الأمداح النبوية أو أشعار صوفية وخاصة في رقصة (العمارة) للطريقة الدرقاوية. ــ عمر أمرير، الأاغاني الشعبية الأمازيغية بالمغرب: أصالة وعطاء وإبداع، مجلة الفنون، مرجع سابق،ص.72 إلى ص.86 ص.73 ــ. وهناك مجموعة أخرى تحمل إسم (أملكازن)، وهي جماعة قوامها ثلاثة أو أربعة رجال يرأسهم شيخ يدعى (أملكاز)، يمارسون نشاطهم الفني في المنطقة الجنوبية لعمالة الخميسات بين قبائل زمور البربرية، يشاركون في الحفلات والمهرجانات وألعاب الفروسية كرقصة البارود، بحيث يشيدون بالفرسان الفائزين ويسيرون في موكبهم وهم ينشدون وينفخون في المزمار الثنائي (أم المقرونات)ــ عبد العزيز بن عبد الجليل،ص.50ــ. وعلى سبيل المقارنة، فإن هذه الفرق الغنائية الموسيقية الحاملة للأدب الشعبي البربري المغربي، كانت شبيهة إلى حد كبير بجماعات (التروبادور) و (التروفور) في المناطق الجنوبية لفرنسا، خلال القرون الوسطى، والتي كان أفرادها من الشعراء الغنائيين، الرحل الجوالين والأفاقين، يطوفون ويتجولون من مكان لآخر للإنشاد (المونودي) والغناء المنفرد،المصحوب بالعزف والأداء الموسيقي، لأدوار ومقاطع ولازمات ما يعرف ب (البالاد) وهي قصائد تقترب في طابعها الموسيقي من الأناشيد الدينية، حيث الرثاء والمديح، والعشق الرعوي، والتغني بالربيع والغيرة والحب العذري، والفروسية والشجاعة، والمبارزات والمغامرات، والمواعظ الأخلاقية، ونقد مفاسد المجتمع والسلطان..وإن كان بعضهم قد اختار الاستقرار والتكسب في بلاطات الأسياد والنبلاء من متذوقي الشعر و الموسيقى والغناء. ــ حنان قصاب حسن، تروبادور، تروفور..دراسة منشورة على النت. وكذا(بالفرنسية) كل من: هـ. دافينسون، التروبادور، منشورات سواي، باريس، 1961، و:ج.لافيت هوسات، التروبادور وجلسات/محاكم الحب، المنشورات الجامعية الفرنسية، سلسلة ماذا أعرف؟ طبعة 1960 ــ.وبالرجوع إلى موضوع دراستنا هذه ــ مجموعة/ فرقة مداحة بالشاوية ــ فإن أغلب الظن، أن التأليف في هذا الغناء العيطي، العربي والبربري المزيج، قد بدأ فرديا، على يد فرد واحد، واستمر يقوم به أفراد بشكل دوري أو تناوبي، ولكنه انتهى إلى أن يصبح جماعيا، بحيث اختفى الفرد وتسلل المجتمع بشكل غير محسوس إلى الدائرة، ليفرض وجوده عن طريق الأفراد الرجال ــ فالعيطة في أصلها غناء رجالي، على عكس ما ذهب إليه جورج لاباساد، من أنها تغنى من طرف النساء اللواتي ينادين ــ حتى باتت العيطة أشبه ما تكون بالقصة المغناة، أو الأهزوجة، المفتوحة، التي يظل موضوعها، بكيفية مستمرة، عرضة للتحوير، والتعديل والزيادات، يهيمن فيه الارتجال الحر للناظمين والمنشدين، حسب المقام والموقف والسياق، يزيدونه ثراء ونماء، ويفرغون فيه ما تعترض حياتهم  من محن وملاحم وأفراح وأتراح (تغريبة بني هلال) وما يجيش في نفوسهم من آلام وآمال، حتى بات من العسير الوقوف على المؤلفين الحقيقيين لعدد كبير من العيوط والسواكن والبرويل..ولذلك ( فإن متون العيطة، وخصوصا منها الشذرات (الحبات) كما تسمى، الشعرية الخفيفة، سريعة التأليف والارتجال، تلك التي يرتجلها الجرحى جروحا داخلية، المكلومون...، إنما تكون عبارة عن زفرات مهزومة، يائسة أو شظايا متقدة من أنفاس هؤلاء البدو، الذين لم يكونوا يملكون غير الدمعة موقفا، بتعبير شاعر شفوي عربي.)) ــ حسن نجمي، غناء العيطة: الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب، الجزء الأول، دار توبقال،ط1،ص168ـــ
2ــ الترسبات السلالية الصوفية في الأهزوجة المداحية:
 في غناء وموسيقى مداحة، لا تزال ترسبات غناء وعزف ورقص الجهجوكة، سواء من حيث المضمون الديني أو ما يعرف بالبروال الصوفي، أو (الساكن ) الذي يجد جذره اللغوي في كل جسد آدمي تسكنه قوى غيبية أو أرواح غريبة، تظهر جلية من خلال أقوال وأفعال الجسد المسكون، الذي يستدعي العلاج والتداوي عن طريق أنغام  الغيطة والناي وإيقاعات الطبل والبندير، كمعتقدات شعبية سادت في الذهنية المغربية لحقبة طويلة من الزمن. (ساكن مولاي عبد السلام، حبيب الطلبة حبيب العوام). كما لا تزال في غناء وعزف مداحة، تلك النغمات والألحان الطبيعية البدائية (السلم الموسيقي الخماسي والمقام الطبيعي بديوانيه الكبير والصغير، على الغيطة والقصبة وبوغانيم أو أم المكرونات) أو على مستوى الحركات ( رقصة الرجل المجرد من القناع وغصن الزيتون). ويأخذ الغناء عندهم شكل غناء جماعي، يستهل فيه الغناء رئيس الفرقة ثم تكرر اللازمة من طرف الجماعة، ويبدأ الإيقاع خفيفا، لكنه سرعان ما يبدأ في الارتفاع التدريجي، حيث يمتزج بالطابع الخفيف     والراقص، وصولا إلى القفل أو السدة، وهي ذات إيقاع سريع شبيه بقفل ميزان القدام الأندلسي/ المتقارب. والجملة اللحنية تؤدى فيه بحركة سريعة لا يبرز محطها النهائي على نغمة القرار إلا في شكل قرار للترجيع، وهي ذات مقام طبيعي أو خماسي معدل على الدرجة الثالثة. فالأغنية عندهم شبيهة بفن (الحمادة) ، التي هي منظومة غنائية شعبية، منتشرة في الغرب مثل (حمادة الغابة). وهي عبارة عن ميلوديا أحادية، ذات جملة موسيقية واحدة، فقيرة من الناحية الصوتية، ويلعب فيها الإيقاع دورا بارزا. كما أن الأثر الأندلسي واضح في المقامات والأوزان من خلال المرساوي والحضاري، باستعمال الغيطة والبندير والمقص، الذي انقرض عند فرقة مداحة، بانقراض الغطاء النباتي الغابوي الكثيف، وتقلص فرجات عبيدات الرمى، وتحولهم من خدام للأعيان وأهل القنص والرماية، إلى سدنة لأضرحة الأولياء والصالحين، ورعاة عقد مواسم القبيلة حولها. وللإشارة، فإن من مميزات عيوط مداحة أنها سهلة الأداء والعزف، إلى درجة تجعل جميع الشيوخ يغنونها، فهي لا تتوفر على فصول كثيرة ومعقدة، كما تتميز بليونتها ورقتها ورشاقتها. ويتم العزف على آلة (الكنبري) أو (الوتار) عند فرقة مداحة، بثلاثة أوتار متكاملة، وكذلك على الكمنجة، وبالسلم الموسيقي الخامس المتكامل. وتقع المساوية في (الوتار)، كما في الكمان، على صول، على أساس أن الغناء عندهم يبدأ من أخشن الأصوات وينتهي إلى أدقها.
   أما حين يتغنى شيوخ مداحة بالأولياء الصالحين المبثوثين فوق تراب الشاوية ودكالة وعبدة، وخاصة منهم الغنيميين، فإن لذلك علاقة وطيدة ونوسطالجيا شديدة بأصولهم السلالية العميقة. ذلك أن بلاد عبدة توجد بها الزوايا المؤسسة من طرف الصلحاء المنحدرين من عائلات مداحة وهم: سيدي محمد بن المداح وولده سيدي بوبكر بن المداح السباعي، دفين دوار الكرعان، قرب سبت جزولة بنواحي آسفي. ومن سلالة مداحة أيضا، نجد الصوفي المجاهد سيدي كانون وإسمه الحقيقي: محمد بن يوسف المتوفى سنة 981هـ/1753م. وكان قد غادر قبيلة أولاد مطاع قرب مراكش، ليحط الرحال ببلاد دكالة، حيث أقام زاوية منذورة للجهاد ضد الاحتلال البرتغالي للجديدة التي كانت تسمى وقتئذ بالبريجة. وقد لعب أتباعه هناك دورا جهاديا وروحيا قويا، نذكر منهم على الخصوص ولده علي بن محمد الكانوني، الذي يعتبر هو شيخ الزوايا الكانونية بكل من عبدة وشياظمة والسراغنة.ــ منى هاشم، مداح، مرجع سابق، ص.359.ــ ويرجع إسم الكانوني إلى إسم آخر الملوك الأدراسة المستقرين بحجر النسر ببلاد جبالة، مع نهاية دولة الأدارسة سنة 375هـ. وتحت مطاردة برابرة زناتة، هاجروا إلى بلاد الأندلس وتادلا، واختلطوا بعرب بني سفيان على عهد يعقوب المنصور الموحدي، وبالبرابرة أو الأخلاط/ الخلط ببلاد الشاوية، وانتشروا ببلاد عبدة ودكالة، والسراغنة، في رحلتهم باتجاه بلاد سوس وحاحة. وجدهم هو سيدي محمد بن يوسف المكنى بالكانون، لأنه دخل نارا حامية وخرج منها سالما تنفيذا لأوامر شيخه الصوفي. ( منى هاشم، الكانوني،ص.315).
  وإذا كانت عائلة العلمي في المغرب عائلة قديمة وأصيلة، فقد تفرعت عنها عدة بطون انتشرت في كل مناطق وقرى المغرب، في تطوان وشفشاون ووزان بشمال المغرب، وفي فاس وسط المغرب، وفي مراكش وآسفي، وسيدي بنور، وسطات وأولاد سعيد، وبني مسكين والسراغنة..منهم الشرفاء: العلميون، والسباعيون، والكتانيون، والودغيريون، والريسونيون، واليملحيون الوزانيون، والمحمديون، والكثيريون الحسينيون، والشبانيون الحسينيون، والحراقيون الموسويون، وآل الشيخ الرقيبات، وآل العسال، وأولاد البصري، وأولاد الحوات، وأولاد سيدي عمر القدميري، وأولاد سيدي جابر الجمالي، وأولاد سعيد الودغيريون، وأولاد عيسى الودغيري، وبني عطية/العطاويون...وأغلب هؤلاء يعود نسبهم إلى الأدارسة، وهم عائلة شريفة كبيرة من أعرق بيوتات المغرب حسبا وأكثرهم عددا، تشمل جميع المنحدرين من إدريس الأزهر، بن إدريس الأكبر، بن عبد الله الكامل، بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، بن علي بن أبي طالب وسيدتنا فاطمة الزهراء بنت رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. فالشرفاء الأدارسة، هو الإسم الجامع لكافة ذرية المولى إدريس بن عبد الله الكامل الحسني العلوي، كما ورد عند المؤرخ الدكتور عبد الهادي التازي، عضو أكاديمية المملكة المغربية، والأستاذ النسابة العياشي المريني، الفهرس في عمود نسب الأدارسة، والمختار السوسي في المعسول. وقد جمع الناظم أبناء إدريس الثاني في بيتين شعريين:
أبناء إدريس الثاني الولي/ محمد أحمد القاسم علي
حمزة داود ويحيى عمر/ إدريس عبد الله عيسى جعفر.
ومن فروع ذرية عبد السلام بن مشيش القاسميون، نسبة لجدهم القاسم بن إدريس الثاني، ومنهم الوكيليون والطالبيون، وهؤلاء كانوا يستعملون الطبلة والمزمار في غناء أوراد الزاوية القاسمية. كما نجد من الذرية المشيشية العبدلاويون الأمغاريون، نسبة لجدهم عبد الله بن إدريس الثاني، ومنهم مولاي عبد الله أمغار، والعمرانيون، نسبة لجدهم عمران بن إدريس الثاني، ومنهم شرفاء بني جرفط بالشمال، وشرفاء أزمور بدكالة. والجعفريون: نسبة لجدهم جعفر، ومنهم الشرفاء القاسميون الحسينيون. ومنهم سيدي مسعود بنحسين ببلاد صنهاجة/دكالة، ومولاي عمر بن الحسن، الجد الأول لأولاد حريز الفقرا، دفين تراب هنتيفة ببلاد بزو.ــ كما جاء في الصفحات 120 إلى 124 من مخطوط طلعة المشتري في النسب الجعفري، للمؤرخ أحمد خالد الناصري السلاوي صاحب كتاب الاستقصا..ـــ
    أما سبب تغنيهم بالولي الصالح سيدي سعيد معاشو، فيرجع إلى كون السلالة المعاشية الإدريسية الحسينية، هي من إحدى الفروع الأساسية من فروع  ذرية مولاي عبد السلام بن مشيش. وسيدي سعيد معاشو هذا، هو أحد الأبناء الثمانية لأبيه. ولد بزاوية والده، واستقر في قمة نشاطه الصوفي على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع، بين بلاد الشاوية ودكالة. حيث كان له عدة أتباع بهذه المناطق، يقصدونه للانتفاع ببركته في علاج السعار أو داء الكلب. وأما أبوه، فهو الشيخ الصوفي الكبير سيدي علي بنمعاشو، المنحدر من سوس والمستقر ببلاد الشياظمة، قرب أفوغال حيث أقام زاويته هناك، جنب شيخه الجزولي قرب سبت جزولة ببلاد آسفي، حيث مارس بها التعليم الديني إلى حين وفاته سنة 870هـ/1464م.(منى هاشم، إسم المعاشي، معاشو، مرجع سابق، ص.342.).
   ويلتقي النسب السلالي لمداحة، كشرفاء أدارسة حسنيين، بالنسب الشرقاوي كشرفاء من سلالة عمر بن الخطاب، من جهة الأم. ذلك أن والدة الشيخ القطب الولي الصالح سيدي محمد بوعبيد الشرقي، مؤسس الزاوية الشرقاوية بأبي الجعد و المتوفى سنة 1601م، هي السيدة الفاضلة الشريفة رحمة بنت حمزة الشريف الحسني الكانوني، المدفونة بقصبة تادلة، على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع.(منى هاشم، إسم الكانوني، مرجع سابق، ص.315.). ولذلك، نجد شيوخ مداحة، بعد أدائهم لسواكن الغنيميين وسيدي سعيد بن امعاشو، يلتجئون إلى أداء ساكن الشرقاوي بوعبيد، وهو الشيخ الغوث القطب سيدي امحمد بن أبي عبيد الشرقي، دفين أبي الجعد ببلاد ورديغة.
للمزيد :              

Enregistrer un commentaire

 
Top