GuidePedia



الحلقة الرابعة:
متون عبدة وركراكة، والحوز والشاوية ورديغة في غناء مداحة:
 برشيد نيوز: بقلم الباحث التهامي حبشي
يقول السيد عبد السلام العلمي عن عيوط مداحة: ((هاذ الشي ما بقى..ما تبقى هو شيء من البركة أو السقوة...هذا الفن وراثي أبا عن جد ..تواتر عبر الروايات الشفوية والحفاظ...ومنهم حفظة وطلبة ديال القرآن الكريم...القراء الأولون ليسوا كمثل قراء اليوم...وشيوخ زمان ما شي هم شيوخ اليوم...))، بينما يقول الشيخ إدريس برهان بالهاشمي بالعربي: ((تعلمنا هاذ الغنا من الوالدين ديولنا الله يرحمهم..الوالد ديالي، وحتى جدي، كان شيخ..وأنا شيخ كانخدم الغيطة والقصبة (الناي) والوتار والكمنجة..ها هم كلشي موجودين عندي...ولدي (حمادة) عندو الكمنجة، راه حتى هو شيخ مبرع...هاذ الشي اللي عطا الله حنا عايشين بالغنا وشويا ديال الفلاحة وصافي...في الغنا عندنا ذيك القصيدة ديال العشيقة (وسردها علينا كاملة) والخادم، ومولاي عبد الله بن أمغار، مولاي إبراهيم، بوعبيد الشرقي، ومولاي عبد السلام / شكون شيخ جبالة/ مولاي عبد السلام/ كون كان الخوخ يداوي/ كون داوى راسو/ لا أمي لا بابا/ لا طيور الغابة..وكا نغنيوا حتى العيوط وأم العيوط هي عيطة دامي، ورجانا في العالي، ودابا يجي آالكبيدة..وهاذوا راهم عيوط قديمة، حتى جيتو عندنا عاد احييتوها..كاين فيها اللي هاذي 30 عام ما سمعتها أنا براسي.)). تبين هذه الروايات وغيرها أن تعاطي الغناء والموسيقى ممارسة حاضرة في ثقافة المجتمع المحلي، متوارثة ومنقولة، من خلال الاحتفالات والأعياد والمواسم، وممارسات الشعائر المرتبطة بالطقوس ودورات الحياة، والتدين الشعبي والمس أو التملك والموت..مما يعني أن الموسيقى والغناء داخلة بقوة في التيمات الكبرى للأنثروبولوجيا، وغدت تمثلا ذهنيا خاضعا لتصورات المجال والكون، مما يستدعي دراسة الموسيقى داخل الثقافة، ومحاولة فهمها داخل أنساق القيم والمعتقدات التي تنخرط فيها، من خلال الدراسة الاجتماعية والثقافية، المحلية والشمولية، لمظاهر الموسيقى والغناء والرقص ــ برنار لوتار جاكوب ومريام روفزينغ أوسلون، حجة الموسيقى والأنثروبولوجيا: التشارك الضروري(باللغة الفرنسية)،مجلة الإنسان، العددان 171/172، سنة 3/2004، ص8و9 و13و14ــ
   تستهل فرقة مداحة الغنائية الرجالية، الغناء والعزف، قياما، أي واقفين، مشكلين نصف دائرة إلى دائرة، وذلك باستعمال البنادير مع آلة تعرف ب (أم المكرونات)ــ وتسمى أيضا بوغانيم، ولعل هذا الإسم يحيل على الغنم أو الغنيميين ــ، وهي عبارة عن آلة نفخية، مؤلفة من قصبتين مقرونتين، تنتهيان بقرن كبش مخروطي الشكل، بسبعة ثقوب، تخرج سلما موسيقيا خماسيا....تستعملها الفرقة في أداء ما يعرف عندهم ب: (العادة) أو (الدخلة)، وهي عبارة عن برولة صوفية مخصوصة (ساكن غنيمي)، نسبة إلى شرفاء الزاوية الغنيمية ذات الأصول العبدية، ساكن بإيقاع موسع على أربعة بنادر، وساعة الإشراف على النهاية يرتفع اللحن الموسع، والإيقاع الحضاري المتسارع، وتدخل الفرقة في رقصة رجالية مفردة وبديعة، شبيهة برقصة (المجرد) في العيساوي، وهي لحظة يتوقف فيها العزف والغناء، ويستمر الأداء العزفي طويلا..رقصة يرتج فيها الجسد الراقص، ويهتز بالأكتاف، واليد اليمنى المرفوعة إلى السماء بالسبابة التي تعلن الشهادة.. وتؤكد التوحيد.
  على غرار العيطة المرساوية التي نعثر في نصوصها على ((تجاور غريب بين المقدس والمدنس، بين الديني والدنيوي..))، حيث تكثر عبارات المديح للأولياء وآيات التبرك بهم، إلى جانب التذكير بالموت والقصاص الذي ينتظر الجاحدين بالنعمة..ــ حسن بحراوي، فن العيطة بالمغرب،منشورات اتحاد كتاب المغرب، مطبعة فضالة،2002 ص.22 ــ ، على غرار ذلك، تتحرك الأهزوجة المداحية بالشاوية فوق طوبوغرافية صوفية أو جغرافية شاسعة للمقدس، المتجسد في أضرحة الشرفاء والأولياء والصلحاء، بدءا من بلاد الشاوية، ودكالة وعبدة، مرورا ببلاد تادلة ورديغة، وصولا إلى بلاد الهبط أو الغرب، ثم اجبالة بشمال المغرب. وبالفعل،إذا كان رواد الشاوية من الشيوخ قد برعوا في أداء (الساكن) العماري، والحضاري، والعيساوي..، وهي معزوفات في غالبها لا تتوفر على النفس الطويل، نظرا لأن جلها ينطلق أساسا من تمجيد الأولياء الصالحين، حيث كل حبة تختزل موضوعا قائما بذاته ــ  أبو شادي رضا، طرب على إيقاعات الحصبة، مقاربة تحليلية لمتن العيطة: جمال الزرهوني كنموذج، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد7001، في 12 أكتوبر2002،ص.10 ــ فإن التغني بأولياء الزاوية الغنيمية واضح في المتن الغنائي عند فرقة مداحة، ومن شيوخ هذه الزاوية، سيدي الغنيمي، دفين مدينة سطات عام 1195هـ/1780م، وهو الطاهر بن عبد السلام بن فلاح بن أحمد بن حسن بن رحو، ورحو هذا، هو مؤسس الزاوية الغنيمية ببلاد عبدة والشاوية، وهو غانم بن غنيم بن كثير، وهم يدعون النسب الإدريسي من سلالة عبد الله بن أحمد بن إدريس. وللإشارة، كانت الشيخة المرحومة فاطمة الزحافة، قد سجلت في الخمسينيات من القرن الماضي، عيطة سطاتية ذائعة الصيت، إسمها (الزاوية ما نا ساخية بيك)، وهي عيطة رأت كلماتها وألحانها في منامتها في ليلة بياتها بضريح سيدي الغنيمي، وفي الصباح حكتها لرفيقها الشيخ الجيلالي الزيراوي، الذي سايرها بالكمان في أداء هذه العيطة الشاوية الخالدة.ـــ حسن بحراوي، فن العيطة بالمغرب،ص.65 ــ...وعيطة (الزاوية) لا يزال صداها حاضرا ومترددا عند فرقة مداحة، إلى جانب غناء وأداء ساكن (بنسعيد يا بن سعيد)، وهو الولي الصالح سيدي سعيد بن علي بن معاشو، ينحدر من عائلة شيظمية استقرت بأولاد سعيد على الضفة اليمنى من وادي أم الربيع سنة 1870م. اشتهر عند العامة بعلاج داء السعار أو الكلب، وكان له موسم كبير تحج إليه قبائل دكالة والشاوية، وعبدة واحمر والشياظمة ركراكة، للتفرج على لعبة حب البارود/ الفروسية، وذبح الثيران، والتبضع من سوق كبير كان يعقد هناك .(انظر في هذا الصدد كتاب البعثة العلمية للمغرب (بالفرنسية): مدن وقبائل المغرب، الدار البيضاء وقبائل الشاوية،الجزء الثاني، إرنست لورو، باريس 1915،ص. 227).
  بعد فسحة استراحة قليلة، تستعين الفرقة بالوتار ــ آلة عمرها 20 سنة، مصنوعة من جلد أنثى الماعز، بثلاثة أوتار سلك من حرير ــ لأداء عيوط مرساوية كعيطة (دامي)، وهي عيطة مرساوية، مكونة من مقدمة (عصابة كما يقول الباحث الفريد محمد بوحميد)، وأربعة فصول/(قاطبات)، وثلاث حطات، وطمة واحدة. ثم عيطة (خربوشة) المرساوية المكونة من قاطبتين ، وهي غير عيطة خربوشة الحصباوية المركبة من ستة فصول، وخمس حطات، بمقدمة/ عصابة، وانصراف وقفل، بحيث أن خربوشة المرس، لا تأخذ من خربوشة عبدة إلا المطلع وفصلين فقط، بينهما انتقالات خفيفة، في شكل (مشاليات) و(عتوب)، لا تصل إلى درجة التعقيد، كما في الحطات الحصباوية.ــ حول المتن الشفاهي لكل من عيطة (دامي) المرساوية، وعيطة (خربوشة) الحصباوية، وعيطات أخرى، انظر: حسن نجمي، غناء العيطة، الجزء الثاني،من .ص189 إلى ص.197ــ
بعد فسحة استراحة أخرى، تنتقل الفرقة إلى أداء عيوط عبدية حصباوية (منطقة الحصبة قرب أسفي)، وذلك بالاستناد إلى عازف كمان شاب، هو الشيخ حمادة برهان، الذي أدى بانفعال وإتقان، عيطة (عزيبو في المويلحة)، وهي عيطة حصباوية، مطلعها: (سبع في سلامات في سلام/ أهيا الغادي زربان..إلخ). وتسمى أيضا عيطة (سيدي أحمد)، نسبة إلى ابن القائد عيسى بن عمر العبدي، الذي أسندت له وزارة البحر في عهد السلطان الحسن الأول، وكان قد عين إبنه أحمد عاملا على مدينة آسفي بتاريخ 15 غشت 1910، وإبنه إدريس قائدا على قبائل عبدة بتاريخ 12 يناير1910.ــ أنظر في هذا الصدد مصطفى الشابي، النخبة المخزنية في مغرب القرن التاسع عشر، ص.163 وما بعدها. ــ . بعدها انتقلت الفرقة، بقيادة عازفها على الكمان، إلى أداء عيوط من النمط الخريبكي الورديغي كما عرف عند الشيوخ: الحسين الخريبكي، وصالح السمعلي، وولد امبارك (عيطة الخادم مالك مالك )، يليها أداء براويل زعرية (البومقلاع)، في شكل شذرات أو حبات عيطية مرتجلة من وحي وفضاء اللحظة، تسبقها عادة ثلاث جمل موسيقية على أوتار الكمنجة، أو الوتار، من قبيل:( تعالى راه حنا مجموعين/ أولاد الصالحين/ لعظيمات آ الحباب/ توحشو التراب/ بغيت نسولكم، اللي شكون حولكم...).ــ حول معاني مصطلحات من قبيل: البروال، الحبة، البومقلاع، القصيدة، يمكن الرجوع إلى: حسن نجمي، غناء العيطة...، الجزء2، من ص.133 إلى ص.141 ــ. ويعكس المضمون الشعري هنا أن طريقة التأليف كانت جماعية ــ كما في براول الهوير وعبيدات الرمى ــ ثم جاء فيما بعد الراوي، فقد كان التأليف الشعري الغنائي جماعيا وارتجاليا، في احتفالات الحصاد والمواسم والأعراس..، إما في شكل حبات (بومقلاع)، أو مساجلة الشعر من هزج ورجز، قبل أن يصل التأليف إلى مرحلة الميلوديا الغنائية المركبة، بعد أن ضمت البراويل والحبات إلى بعضها البعض بواسطة رابط، هو ما سمي بالحطة. ــ محمد بوحميد، في حوار له مع محمد الغيداني، برنامج صناع الفرجة، الإذاعة والتلفزة المغربية، سنة 1996.ــــ وبعدها انتقلت فرقة مداحة إلى أداء الهيت الغرباوي، وهو لون غنائي شعبي عربي دارج للقبائل المقيمة بالغرب/ حوض سبو. ويأخذ شكل غناء ثنائي بين مغنيين إثنين، بمصاحبة الجماعة. يستهل فيه الغناء رئيس الفرقة، ثم تكرر اللازمة من طرف الجماعة، ثم بعدها تدخل الجماعة في ترديد صياح شبيه بنباح الكلاب ( ولهذا يسمى بالهيت الكلبي)، مثل ما عهدنا في حمادة/أغنية الغابة. ويستمد (الهيت) ألحانه من بعض الطوائف الدينية، كجيلالة، وعيساوة، ودرقاوة...غير أنها عندما تدخل في (الهيت)، تمتزج بطابعه الراقص والخفيف. والجملة اللحنية في هذا النمط الغنائي البسيط، تؤدى بحركة سريعة لا يبرز محطها النهائي على نغمة القرار، إلا في شكل قرار للترجيع، ولا تأخذ مدة كافية للبروز، وهي ذات مقام خماسي، معدل متوفر على الدرجة الثالثة. كما أن الأثر الأندلسي واضح في مقامات وأوزان (الهيت)، من خلال المرساوي الغرباوي. ويغلب على أهازيج الغرب استعمال آلات نفخية، وأخرى نقرية تقليدية، مثل الغيطة والبندير، والطبل والمقص، الذي انقرض عند أهل مداحة بالشاوية، بانقراض الغطاء النباتي الكثيف للغابة، وبالتالي تقلص فرجات وأغاني اعبيدات الرمى و(الهوير)، الذي هو تصغير لغناء يسمى ب (الهواري) نسبة إلى منطقة هوارة بأولاد تايمة، وتارودانت، وصولا إلى مراكش، وهذه الأغاني هي الأم أو الجذر في غناء العيطة، فهي بمثابة الغناء الأولي أو البدائي البسيط، الذي سيتطور، عبر التاريخ، إلى غناء عيطي مركب. محمد بوحميد، مرجع سابق. وغناء مداحة داخل في هذا النمط الغنائي الرعوي البدائي، فهو في مجمله عبارة عن براول عيطية بسيطة، ثنائية الإيقاع، كل جملة موسيقية فيها تنحصر بزمانين ربع زمن موسيقي، وبمولوديا موسيقية لا تتغير من البداية إلى النهاية، والذي يحدث كمتغيرات هو أن الميزان الإيقاعي يكون في البداية موسعا ثم ينتقل، شيئا فشيئا، ليصبح مهزوزا عند الانصراف. والملفت للانتباه، هو أن غناء (الهوير) يكون دائما مرفوقا براقص محترف، يؤدي رقصات أنيقة وحركات بديعة.
ومن الهيت الغرباوي والساكن الحضاري والسماوي، عرجت الفرقة على بلاد الحوز، حيث أدت ما يعرف بعيطة (النيرية) أو (خالي وخويلي) أو العيادي الحوزية، الملحمية والتاريخية، وتعرف أيضا بعيطة (الشجعان) بمنطقة زعير، أو عيطة (جعيدان) بمنطقة أبي الجعد. وبعيطة (شريفي بويا رحال) بمراكش، وعيطة (مولاي عمر) بقلعة السراغنة. وهي عيطة حادة النغم مرتفعة الصوت، مختصة في ذكر وتعداد مناقب رجالات ونساء المقاومة الشعبية للاستعمار الفرنسي ببلاد الحوز والأطلس.. تميط اللثام عن جوانب مهمة من تاريخ المغرب إبان فترة الاستعمار الفرنسي، خصوصا، ما عرف بالظاهرة القايدالية بتعبير الباحث السوسيولوجي المغربي بول باسكون، في أطروحته حوز مراكش، الجزء الأول، الرباط،1983، (بالفرنسية)، ص.295.ــ  كنظام سياسي وإداري مخزني انبثق من رحم التنظيم القبلي بالارتكاز على عناصر سلالية غريبة ودخيلة على القبيلة، تمكنت من فرض نفسها بممارسة العنف المادي والرمزي، وبمباركة وتزكية من السلطة المركزية. ومن القواد الكبار لهذه المرحلة في تاريخ المغرب الحديث، جدير بنا أن نذكر: القائد/ الوزير عيسى بن عمر العبدي(1841ــ 1924)، وقصته معروفة في عيطة خربوشة الحصباوية، والباشا التهامي الكلاوي(1879ــ1956)، والقائد ميلود العيادي بن الهاشمي الرحماني (1880ــ1964) الكثير الورود في متون العيطة الحوزية...إضافة إلى القايد أحمد الريسوني المتوفى سنة1925، قائد قبائل الفحص وأنجرة ـ بني عروس في مناطق جبالة شمال المغرب (مهد العيطة الجبلية)، والقائد محمد أنفلوس الذي بسط نفوذه على قبائل الشياظمة وحاحا، بناحية مدينة الصويرة (مرتع العيطة الشيظمية)، على عهد السلطان عبد العزيز العلوي، وقد ساند هذا القائد ثورة أحمد الهيبة ضد السلطات الاستعمارية الفرنسية بجنوب المغرب، قبل أن يذعن لها سنة 1914. ــ أنظر حسن نجمي، غناء العيطة، الجزء الأول، الفصل الخامس، الغناء لعيطي والظاهرة القايدية، من ص.179 إلى ص. 204 . وعلاقة بالعيطة الحوزية، قيل إن (النيرية)، فتاة من منطقة الرحامنة، عرفت بجمالها وبشجاعتها وبسالتها في الدعوة إلى الجهاد ضد المستعمر، وربما سميت هذه العيطة باسمها. وللإشارة، فإن العيطة الحوزية نمط غنائي جماعي، عربي دارج، تؤدى بآلات موسيقية بسيطة، الكمنجة والطعريجة فقط، تبتدئ أولا بالبسملة والإنشاد، ثم (الهزة)، مع حركات راقصة تثير انتباه المتلقين (ما تبقى من فرجة البساط وعبيدات الرمى). تتغنى بالحب البشري، والشوق والحنين، وبالأعراف الاجتماعية الجماعية لقبائل ومناطق السراغنة وزمران، وتامصلوحت وبين الويدان، والرحامنة وأولاد رحمون وأولاد مسعود، والجعيدات، والمنابهة وأولاد دليم، ولوطا وبن جرير، وصخور الرحامنة، إلى مشارف وادي أم الربيع، حيث يبدأ نفوذ نمط عيطي آخر،هو الغناء المرساوي.

وبعد فترة استراحة، عادت الفرقة إلى استئناف الغناء والعزف باستعمال آلة الكمنجة والطارة، حيث أدت سواكن عدة: (العلوة، عمراوية، بوعبيد ، بنحسين، بنمعاشو، الرداد مولاي بوشعيب، مولاي عبد الله أمغار، التازي سيدي علال، بنعاشير..)، ثم سرعان ما دخلت في أداء ما يسمونه بسواكن الملوك: (ميمون الشيباني، الباشا حمو، مليكة بنت الملوك، الحارثية لالة ميرة..)، وهي سواكن مهزوزة بإيقاعات حضارية عيساوية، تستدعي الحضرة أو الجذبة، كما في موسيقى الحال. والحال هو الساكن، أي ما يسكن الجسد الآدمي من نوبات وانفعالات أو انخطافات من الجذب، عرف بها الكثير من أولياء الصوفية والزوايا  الطرقية بالمغرب. والساكن الصوفي، هو نمط غنائي شعبي مهزوز ومرتفع الإيقاع، احتضنته العيطة أيضا، وهو مجموعة من الأذكار التي تثري الأولياء الصالحين والأضرحة، وتتحدث عن مناقبهم وجهادهم الإسلامي. والولي، في لغة أهل التصوف، هو من والاه الله، فهو صديق الله، وبعبارة أخرى، ((هو من تولى الحق أمره، وحفظه من العصيان ولم يخله ونفسه بالخذلان، حتى يبلغه في الكمال مبلغ الرجال. قال تعالى:(( وهو يتولى الصالحين)) ــ سورة الأعراف/الآية 196 ــ والولاية هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه، وذلك بتولي الحق إياه، حتى يبلغه غاية مقام القرب والتمكين. ــ معجم اصطلاحات الصوفية: تصنيف عبد الرزاق الكاشاني (المتوفى عام 730 هـ تقريبا)، تحقيق وتقديم وتعليق:د. عبد العال شاهين، دار المنار للطباعة والنشروالتوزيع،ط1، القاهرة، 1992،ص.79. أما الولي الصالح حسب صاحب التشوف، (( فهو من أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك ثم نقر بيده)) ــ التادلي أبو يعقوب يوسف بن يحيى، التشوف إلى رجال التصوف..تحقيق: أحمد التوفيق، ط2، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة بحوث ودراسات، رقم22، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،1997،ص45 ــ. وحسب صاحب لبن قنفذ ،هناك من الأولياء من (( يعلم بولاية ويعلم غيره بها، ومنهم من لا يعلم بنفسه ولا يعلم به، ومنهم من يعلم به ولا يعلم هو بنفسه.)) ــ أبوالعباس أحمد الخطيب بن قنفذ القسنطيني، أنس الفقير وعز الحقير، نشر وتصحيح محمد الفاسي وأدولف فولفن، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة الرحلات 2، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، مطبعة أكدال، الرباط،1905،ص3 ــ .والملاحظ في هذا الصدد أن فرقة مداحة، تتغنى بسواكن وبراويل صوفية مخصوصة، تتعلق أساسا بذكر وتمجيد مناقب وكرامات عدد من الأولياء الصالحين الشرفاء، من ذوي النسب الإدريسي الحسيني بالخصوص، في مقدمتهم مولاي عمر بلحسن، جد قبيلة الفقرا أولاد حريز، دفين بلاد هنتيفة ببزو، سليل سيدي عيسى دفين آيت عتاب بتادلا. عاش في القرن العاشر الهجري، وهو سيدي عمر بن الحسن بن أبي القاسم بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عمر بن سليمان بن عيسى بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الله بن إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن حسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ابن عم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وزوج سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ثم نادرة الزمان الشريف الإدريسي الأصيل الشيخ سيدي امحمد البهلول السهواني، المعروف ب (عزري العلوة)،عاش في القرن 11هـ/17م. كان من المجاذيب وأصحاب الكرامات ، ينتسب للفقراء الصوفية من أهل الملاماتية، أي الذين يلومون النفس والغير، كما جاء في كتاب صفوة من انتشر من أخبار لحاء القرن الحادي عشر لسيدي محمد الصغير بن محمد بن عبد الله الأفراني المراكشي، طبعة حجرية بفاس. كما ورد عند سيدي عبد الله بن محمد الشارف بن سيدي خشلاف في كتابه: ((سلسلة الأصول في شجرة أبناء الرسول))، مطبعة تونس1929، قوله: (( نادرة لزمان الشريف الإدريسي الأصيل، والعلامة الجليل، الشيخ سيدي محمد فتحا،بن علي البهلول، كان رضي الله عنه إماما هماما، عالما عاملا، زاهدا عابدا..اشتهر بالصلاح والتقوى، وكان للناس فيه اعتقاد عظيم، وكانت كرامته أوضح من شمس الضحى، وله الباع الطويل في الشعر، فكانت تأتيه الفتوى نثرا ونظما)). وللإشارة، فهناك فرق ما بين الصوفي السالك والصوفي المجذوب، فالسالك هو الذي تدرج في الطريق، وابتدأ بانتسابه إلى شيخ طريقة ما، وانتهى باكتساب مقامات تحل ببذل المجهود، أما المجذوب، فهو الذي جذبه الله إليه من دون أن يجعل عليه منة الشيخ، فالمجذوب لم يجاهد وإنما أهله الله لحضرته، من غير تدبير منه ولا اختيار. والمجاذيب أصناف، منهم ساقطو التكليف وهم فاقدو العقل، ومتوسطو الجذب، الذين تطرأ عليهم أحوال. ومعظم المجاذيب تمتعوا بقدرات خارقة، كالتنبؤ بالمستقبل، والاطلاع على ما تخفي الضمائر من قول أو فعل، والعلم بالشيء دون الاطلاع عليه بالحواس ـ د. عبد اللطيف الشاذلي، التصوف والمجتمع، منشورات جامعة الحسن الثاني، سلسلة أطروحات ورسائل رقم4، مطابع سلا،1989،ص23 ــ. وسيدي امحمد البهول، المعروف أيضا ب (مول السر المكمول)، وكان قد نزل بقبيلة بني إبراهيم بامزاب، وهي قبائل من المغرب الأوسط تم نقلها من المغرب الأوسط إلى بلاد تامسنا (الشاوية) في عهد يعقوب بن عبد الحق المريني. ــ د. المصطفى وزارع، الكلام المكمول لسيدي امحمد البهلول ـ ديوان عزري العلوة، تقديم: سعيد يقطين، منشورات الزمن، مكتبة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،2008، ص.23.24.25 . ويزعم بنو إبراهيم الانتساب إلى المرابطين الشرقاويين، حيث يوجد بتراب قبيلتهم خمسة عشر مدفنا لصلحاء من الزاوية الشرقاوية الكائن مركزها بأبي الجعد والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى نهاية القرن 15م على يد الشيخ الولي القطب سيدي محمد العربي الشرقاوي، المعروف بأبي عبيد الشرقي. ولذلك، نجد شيوخ فرقة مداحة بعد أن يتغنوا بأضرحة صلحاء (العلوة)، ينتقلون إلى التغني بأضرحة شيوخ وأولياء شرقاوة، من خلال ساكن (بوعبيد) كناية على الشيخ القطب سيدي امحمد أبو عبيد الشرقي، ذي النسب العمري(عمر بن الخطاب)، توفي عام 1010هـ/1602م. صاحب كرامات وبركات...كانت تعتريه من حين لآخر حالات أو نوبات قوية من الجذب.ــ ديل إيكلمان، الإسلام في المغرب: الزوايا والصلحاء في التاريخ المحلي، ترجمة محمد أعفيف، دار توبقال للنشر، ط1، الدار البيضاء،1991. والشيخ، في لغة أهل التصوف، عموما هو الإنسان الكامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، البالغ حد التكميل فيها، لعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها، ومعرفته بذواتها، وقدرته على شفائها والقيام بهداها، إن استعدت ووفقت لاهتدائها. ــ عبد لرزاق الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية: مرجع سابق، ص.172. والطريقة، هي السيرة المختصة بالسالكين إلى الله من قطع المنازل والترقي في المقامات. (نفسه،ص.85). وهي بذلك، مذهب صوفي له مؤسس وأتباع من خواص الناس وعامتهم. أما القطب في لغتهم، فهو الواحد الذي هو موضع نظر الله تعالى من العالم في كل زمان، والقطبية هي مرتبة قطب الأقطاب، وهو باطن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يكون إلا لورثته، لاختصاصه عليه السلام بالأكملية. (نفسه،ص.162). في حين أن المجذوب، عند الصوفية، هو من جذبه الله إليه، أو من اصطنعه الحق تعالى لنفسه، واصطفاه لحضرة أنسه، وطهره بماء قدسه، فحاز من المنح والمواهب، ما فاز به بجمع المقامات والمراتب، بلا كلفة المكاسب والمتاعب. وماء القدس هو العلم الذي يطهر النفس من دنس الطباع ونجس الرذائل ــ (نفسه،ص.96 وص.94). ويروي الحسن اليوسي في المحاضـــــــــرات: (( أن جماعة قدموا على سيدي محمد الشرقي التادلاوي، فخرج إليهم، وتحرك سماع، فلم يشعروا إلا وهو وسطه يتواجد، وليس عليه القميص، فقال بعض الجالسين سرا: هذا رجل خفيف. فإذا هو على الفور تكلم على خواطرهم، فقال: الله الله يا الله/ الله الله يا لطيف/ والحب يهز الرجال/ لا والله ماني اخفيف. ويعقب اليوسي على ذلك فيقول: ومن هذا قول القطب العارف الشيخ أبي مدين رضي الله عنه: فقل للذي ينهى عن الوجد أهله/إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا. ــ الحسن اليوسي، المحاضرات، مطبعة دار المغرب، سنة1396  /1976،ص.117 ــ . وللإشارة، فإن الإشعاع الروحي والمادي للزاوية الشرقاوية، قد امتد من نهايات القرن 15م إلى بدايات القرن20م، حيث انقسمت إلى فرعين: شرقاوة وعرباوة. وكانت لها امتدادات وتأثيرات قوية في بلاد تادلة وورديغة، والشاوية ودكالة..، يلمس ذلك، من خلال عدد الأضرحة، و القبب والمزارات..، المبثوثة فوق هذا المجال الجغرافي الشاسع. فقد امتدت سيادة الزاوية الشرقاوية داخل منطقة دائرة شعاعها يوم مشي على الأقدام، حيث كان الناس، وخاصة من سكان تادلا ودكالة والشاوية، يسارعون إلى مركز بجعد من كل الجهات وداخل هذا الشعاع، بدون انقطاع، لتقديم عدة هدايا، وبحثا عن تبركيات السيد وللحصول على الرعايات المصاحبة لهذه التوسلات مقابل الهدايا..ــ ف. شارل دو فوكو، التعرف على المغرب، الجزء الأول ـ الرحلة، ترجمة المختار بلعربي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط1. الدار البيضاء،1999، ،ص.71 ـــ.  ومن البراويل الصوفية الشرقاوية، الواردة أيضا، في غناء مداحة نجد (ساكن) سيدي الغزواني بوشاقور: هو أحد أبناء الولي سيدي امحمد أبي عبيد الشرقي.عاش سيدي الغزواني خلال القرن 11هـ/17م. وكان يتميز بالزهد والتصوف، والبركة والشجاعة، والسخاء. وكذلك سيدي محمد الحفيان: من حفدة الشيخ سيدي امحمد الشرقي، قال في البغية عند قول المنية: والعمري السيد الحفيان/ ذي العلم والصلاح والعرفان. رحل من بلده في طلب العلم إلى مراكش، فأخذ القراءات وأحكامها عن ابن عمه الولي الصالح، الزاهد الورع، سيدي محمد بن عبد السلام الشرقي دفين روضة القطب الأكبر سيدي محمد بن سليمان الجزولي بمراكش. ثم رحل إلى فاس، فأقام بها مدة، وقرأ بها على غير واحد من مشايخها...ــ العباس بن إبراهيم السملالي، الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، مراجعة: عبد الوهاب ابن منصور، ج.6. ط2، المطبعة الملكية، الرباط، 2001،ص.188/189. وللإشارة، فإن الولي سيدي علي بن حمدوش شيخ الطريقة الحمدوشية، دفين جبل زرهون،  كان قد تتلمذ على يدي الشيخ سيدي محمد الحفيان. فقد ذكر مؤرخ مكناس ابن زيدان عند ترجمته للشيخ أبي البركات علي بن محمد المدعو حمدوش، أنه (( كان من أهل الجذب ساقط التكليف، قوي الحال، يحب السماع والأمداح، ويرتاح للطرب ويصبو لسماع آلاته..وأنه كان مجذوبا معلوما بالغيبة والوله، ومن هذا سبيله سقط عنه التكليف.)) ــ عبد الرحمان ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، الجزء الخامس، مطبعة إديال، الدار البيضاء، ط2. 1990 ص.459و461.ــ.

للمزيد :              

Enregistrer un commentaire

 
Top