GuidePedia


قراءة في ساكن مرثية (القبة) أو العلوة ومواليها ...
بقلم الباحث التهامي حبشي ـ
لما كان موضوع فن الساكن، كما سبق وأن أشرنا، هو التغني مدحا وإطراء بالأولياء والصالحين والشرفاء، والتمسح والتوسل ببركاتهم وطلب الغوث والخير والغيث منهم؛ فإن "ساكن العلوة" يجسد بوضوح خصائص هذا اللون الغنائي البدوي الشعبي، من خلال التغني بأمجاد ومكارم وكرامات عدد من الأولياء الصالحين المبثوثة أضرحتهم فوق أرض الشاوية وما جاورها من أرض دكالة والحوز والأطلس. وتكاد المقاطع أوالبراويل الصوفية في ساكن أو مرثية العلوة، تدور حول أسماء محددة لبعض الأولياء الصالحين المحليين، كما نجد ذلك في متن قصيدة العلوة، كما أداها وأنشدها الفنان القدير أحمد ولد قدور المنحدر من منطقة امزاب بإبن أحمد، بحيث يرد ذكر أضرحة: سيدي حجاج/ مكعد السفينة لاتعواج، ومول الديوان سيدي علي بنعيسى، وسيدي عبد الله من عيساوة منطقة رأس العين، وسيدي بنكاسم/ مول الدواية ولقلم، وسيدي عمار صمصام من الهادي بنعيسى، وأولاد الخلافة من نقط التماس بين امزاب وأولاد حريز، والمقدم العربي، والوالي مول الحية، وبويا امحمد وبويا الجيلالي، وسيد الحاج التاغي/الطلبة فيه تلاغي (وهو دفين الزاوية التاغية قرب إبن أحمد)، وسيد البطاح/ تاداوي لجراح، مول التوتة / خيلك منعوتة/ الشامخ لكدر/ قبتو من لحجر، ومولى جعران/ لمطوع الحران، وحمو البهلول/ تريكة الرسول، وامحمد البهلول/ مول السر المكمول( ويعرف أيضا بعزري العلوة أو شامخ القدر، مول الراكوبة، مولى عشر قبب، البهلولي، المهبول.. وهو الشيخ الولي الصالح سيدي امحمد البهلول أحد رموز الكرامات بالشاوية، عاش في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، له رباعيات نظمية تلقب ب"العروبي"، في إشارة إلى حميمية ودرويشية شخصيته وفخامتها في الوجدان الشعبي لقبائل الشاوية. راجع في هذا الصدد كتاب: الكلام المكمول لسيدي امحمد البهلول ديوان عزري العلوة، تأليف: د. المصطفى وزاع وتقديم: د. سعيد يقطين، منشورات الزمن، الرباط،2008.). كما يرد من أغنية/ ساكن العلوة ذكر أسماء وأضرحة محلية أخرى من قبيل: مولاي عبد الله/ على النبي صلى، وسيد الذهبي/ مول الثور الشطبي، وسيد الزبير/ فيك الكمية والبير، وامحمد الفكاك/ لمعاريف خدامو، ومولى محمد/ اللي زارك ما ينكد، وبويا الجيلالي/ علامو يشالي، ومول الديوان/ الخيل كلهم جذبان، و سيدي امحمد امبارك/ الحاضي القبلة كدامك...مع الختم بإيقاع عيساوي حمدوشي قوي ومهزوز إلى النهاية.
أما عند إستماعنا إلى ساكن العلوة، كما أداه الثلاثي قرززومحراش وحمو، فإننا لانجد إلا بعض أسماء الأولياء التي يذكرها الفنان ولد قدور، في حين يرد ذكر أسماء أخرى يتجاوز مكانها تراب أولاد حريز مثل: سيدي السماحي في أولاد سعيد، والعونات في دكالة، ومولاي بوعزة(الشيخ أبي يعزى مريد أو تلميذ مول السارية أبي شعيب الدكالي دفين أزمور) عند أقدام الأطلس المتوسط، وسيدي علي بن إبراهيم في الحوز، علاوة على بعض أضرحة المنطقة، كالفحل سيدي داود، والزمي بن بوشعيب..كما ورد فيها ذكر بعض الأسياد أو السادة من خدام الشرفاء والقبائل، كأولاد سيدي عبد الله، وهم من فخذة الفقرا بأولاد حريز، وأولاد سي موسى من القراقرة براس العين، وأولاد عبيابة، وأولاد الجيلالي بن أحمد...
وعند مقارنتنا لهذه القصيدة بما أنشدها وأداه الشيخ الكوامنجي الصاحب بلمعطي، وجدنا ذكر نفس الأسماء المركزية في "العلوة"، وهي القبب بخمسة، منهم سيدي امحمد البهلول، ولفحل سيدي داود، وسيد امحمد الفكاك، وسيدي حجاج، وبابا عمر والكنبوشيات...وقد أضاف إليها أسماء أضرحة أخرى مجاورة، كسيدي وعدود ومولاي بوشعيب الرداد دفيني مدينة أزمور، علاوة على ذكره لبعض القبائل كبني مسكين بناحية البروج، وبعض رموز الشرفاء وخدام الأولياء، كالمعلم سي بلعباس، والمقدم سيدي الحاج العربي، والبهالة لحرار، وأولاد مصباح، وأولاد خليفة.
وبالعودة إلى متن آخر لقصيدة العلوة، كما أدتها الشيخة ضونة رفقة الشيخ العازف على آلة الفحل/ الليرة المرحوم عمر الموكي، نجد أن الإنشاد والتمجيد قد طال عددا من الأسماء والأولياء في مقدمتهم عزري العلوة، والفحل سيدي داود، ومولاي عمر مول الزيتونة، وسيدي خمليش، والغزواني مول التاغية، والشيخ عبد القادر بن عباس، كما وردت في هذه الأذكار إشارة إلى الخميس، أي الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، إلى جانب أسماء وصفات بعض الشخصيات من الأعيان والأعوان، مثل الباشا بنحمدون، والباشا ولد شميشة (الشريف محمد بن عبد السلام برشيد قائد أولاد حريز والمذاكرة وأولاد علي)، والقايد عمر، والقاضي عمر، والمقدم سيدي الحاج العربي، والحريزي الحر الميلودي بن كابر، والرياحي آلحبيب. هذا علاوة على ذكر بعض الأماكن والقبائل والفخذات كقبيلة أولاد حريز، وارياح والبريرات ولغفيرات، وأولاد سعيد وأولاد حدو ومديونة ورأس العين، واجبالة وجبال الشلوح،أي الأطلس المتوسط.
إن أهم ما يميز مرثية القبة أو قصيدة العلوة ومواليها، هو الإحساس الصوفي أو الشعور الجماعي الشعبي الشديد الولع بقدسية الأرض والتراب المحلي كمكان يضم رفاة السادة الأولياء والصالحين.إنها ملحمة أرض الشاوية المهددة بالغصب والنهب والسلب، وبالنفي والهجران، وبالترحال من حال إلى حال، وبالتيه والضياع والفقدان. كما نلامس كذلك، في ثنايا هذه القصيدة/ الملحمة أطياف حلم يبشر بالعودة المهدوية إلى فضاء العلوة الممتد والشاسع الأطراف، حيث يرقد السادة الفرسان يحرسون العلوة بعيونهم اليقظة التي لا تنام، كما قال سعيد الشرقاوي، في مقالة له عن قصيدة العلوة: بكائية الزمان والمكان(أنظر: جريدة الإتحاد الإشتراكي، عدد يوم 22 أبريل 1995) ولذلك تبقى هذه المرثية الصوفية أو الملحمة العيطية الطويلة النفس، كواسطة العقد الفريد في الغناء الشعبي المحلي، وبالتالي تبقى متميزة وراسخة في الذاكرة الشعبية لأهل الشاوية وما جاورها من الربوع الأطلسية، مثلما تبقى مطلوبة ومرغوبة للأداء والإستماع، لأنها مؤثرة في الوجدان الجماعي للمغاربة، ولذلك، فلا غرابة إذا وجدنا أن إنشادها أمر مثير يحترمه الأشياخ والجمهور على حد سواء، ويترقبه الجميع في الأعراس والمناسبات العائلية، كما في المواسم والحلقات الشعبية.
ويظهر واضحا الأثر الصوفي والطرقي في ملحمة العلوة، سواء من حيث المتن أو اللحن، الذي ينشد ويمجد الأضرحة والأولياء..أو من حيث الميزان أوالإيقاع، الذي يأخذ شكل قدام حمدوشي عيساوي مهزوز، ينتهي، في الغالب، بإيقاع كناوي صاعد وعنيف..وهي كلها إيقاعات ترجع إلى تأثيرات الطائفة العيساوية والحمدوشية بالمنطقة، وخاصة بقبائل امزاب ومنطقة رأس العين، وبقبائل ارياح والبهالة والخلافة المجاورة.
للعودة الى الحلقات السالفة تجدونها في الأسفل مباشرة


الحلقة الأولى : قراءات في فن الساكن الشعبي.




Enregistrer un commentaire

 
Top