GuidePedia


 قراءة في شريط النغمة الحريزية: مجموعة علي وعلي والحطاب نموذجا.
بقلم الباحث التهامي حبشي ـ
وبالعودة إلى مربط الفرس في غناء المرس بمنطقة أولاد حريز، لا يقبل منا المنطق بتاتا القفز أو المرور، مرور الكرام، على بعض الأعلام من فن الوترة الحريزية، وخصوصا من الذين حافظوا على هذا الثراث الغنائي والمسيقي حفظا وعزفا وأداء، على رأسهم الثلاثي علي وعلي والحطاب رحمهم الله جميعا، وجعل البركة في من تلاهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم من أبنائهم وتلامذتهم. ويمثل هذا الثلاثي صورة أصلية عن مجموعة الرواد الأوائل الذين جابوا، بفعل حركة الركب والمواسم، ربوع الشاوية وزعير وورديغة والحوز ودكالة وعبدة، مما مكنهم من تأليف وتوليف عدد لا يستهان به من العيوط والسرابات والسواكن والبراويل والجوابات والحطات والحبات...عبر آلة الأوتار سلك على الحرير وآلتي الطعريجة والبندير. وفيما يلي قراءة في شريط غنائي للحطاب وعلي وعلي، من تسجيلات صوت النسيم، .يحمل في غلافه المعنون بالنغمة الحريزية، صورة باسمة للمرحوم علي البصيلي عازف الوتر، وهو يرتدي جلبابا أصيلا أبيض مخططا بالأسود، ويضع على رأسه طاقية بيضاء "معرقة"/ مائلة نحو اليسار..عند تشغيل الشريط والإستماع إليه، نجد أن العزف والأداء يبدأ بفراش خفيف من عيوط المرس والحصبة، إنطلاقا من أداء عيطة"رجانا في العالي" والتي تبتدىء عند هذه المجموعة بمساوية ومشاليات موسيقية من عيطة"خربوشة" الحصباوية الأصل، لتنحو بسرعة مرساوية إلى عيطة" رجانا في العالي" الحصباوية المكونة من سبعة فصول وست حطات في الحصبة، والتي تؤديها مجموهة المرس بفصلين فقط. بعد ذلك تنتقل بنا المجموعة إلى أداء مقاطع موسيقية من عيطة "اللي بغى حبيبو" المرساوية، لتلج بنا بعد ذلك إلى أداء العديد من السواكن، في مقدمتها ساكن:" مولاي عمر" ولي من أولياء الله الصالحين يعتبره الفقرا من أولاد حريز أنه هو جدهم المؤسس الأول، وهو دفين منطقة السراغنة، اللذين يحيون موسمه سنويا مع أبناء عمومتهم من أولاد حريز؛ ويعتبر هذا الساكن من أهم وأشهر السواكن في الغناء الحريزي، إذ يكاد يشكل اللازمة التي يكثر عليها الطلب والجذب. ويعرف عند الأهالي ب"العمراوية"، ويتميز أدائه بإيقاع حمدوشي موسع ثم مهزوز إثنان على أربعة موزعة على دقتين لكل ربع نصف ربع ثم ربع صمت. ويقول مطلعه:" بسم الله باش بديت/ على النبي صليت..البراح ينادي/أرواح أمن غادي..مدن وبادي/ كل العام يركب يمشي..سعدات منهو غادي..زمان كنت مكذب/ واليوم شفت بعيني...الثور غادي يجري/ ومذبوح بالجنوي...دير وليدي كدامنا/ دابا تزيان أيامنا..هاذاك مولاي عمر/ صمعة بيضة تظهر/حيث شريف مخنثر...ويختتم ساكن مولاي عمر بحضرة ذات قدام مهزوز، ثم ينصرف إلى سدة مصرفة ولها قفل" دابي ربي يعفو على عبادو والناس الحاضرين"، من عيطة" الحداويات" أو"التهامي" ذات الإيقاع المرساوي، وهي سوسية، كما لاحظ ذلك زميلنا المهدي الكراوي، مقتبسة من عيطة أصلية تقول:" عبد القادر وأنت تغير/ وأنت دباب الراحلين". وبعد ساكن العمراوية/ اللازمة الحريزية، تنتقل بنا المجموعة إلى أداء أنماط غنائية أخرى أقل سهولة وبساطة في العزف واللحن والمبادلات، وهي الزعري والخريبكي، الذي يأخذ شكل جمل موسيقية موجزة وحبات زعرية قصيرة. والملاحظ هنا أن النغمة الحريزية تنقصها ميلوديا موسيقية واحدة عن النمط الزعري المتميز بأداء ثلاث جمل موسيقية متشابهة تسبق إطلاق البروال أو الحب الزعري أوالخريبكي والسمعلي: من قبيل:" ليام اللي فاتت/عدها ماتت" دموع الدري/ كي تبروري" " كلها برزقو/ عند اللي خلقو". ومن جهة ثانية تعود مجموعة علي وعلي والحطاب إلى إستهلال مرساوي/ حصباوي قبل أن تدخل في أداء ساكن" سيدي مسعود بنحسين" الذي يبتدئ على إيقاع القدام لينتهي بإيقاع حضاري، ومطلعه:" سيدي مسعود هو يفرش هو يغطي/ هو يداوي المسطي..انويت ليك الزيارة/ ياعزري دكالة..كرمك ربي بالعز/ ياجد أولاد فرج..." ثم بعده "ساكن بنعاشير" ومطلعه"غير علي غير/الحاج بنعاشير..تداك الوالي/ كون عواني آسيدي" ثم " ساكن بوعبيد الشرقاوي"، الذي يقول مطلعه" الرادو الرادو آالغادين/ تانمشيو في الرفاكة كاملين..جيت نزورك جيتي بعيد/ الشرقاوي آبوعبيد"؛ ثم " ساكن الحبشي" الذي تقول فيه المجموعة:" أيا الحبشي / جمعتي الفريش وبغيت تمشي/ ايا الحبشي/ ريشة بيضا في اجناحو...مرورا ب "ساكن الباشا حمو" ذي الإيقاع الكناوي الحضاري، والذي يقول فيه المغني:"الباشا حمو/آمول الجنوي/آالشارب دمو...فساكن "الزاوية ماني ساخي بيك" التي ترجع كلماته إلى الشيخة فاطمة الزحافة المنحدرةمن قبيلة أولاد سعيد المجاورة لسطات، ويقول مطلعها:" للاه أزاوية ماني ساخي بيك/ سخاك الزمان علي...لمحبتك أرسول الله/ نمشي على كفوف إيديا...ضحكات لالة حتى بانو لسنان ولضراس/ والجوهر ما يدخل لدلالة...خذوها حمرة لعمان/ تفاح في بلاد اجبالة.. وقوفا عند قصيدة " رفود الخامس" ذات البعد الوطني الذي يتغنى بإستقلال المغرب ومطلعها:" خوتنا في الإسلام/هزو بنا لعلام/ زيدو بنا لكدام/ إلى خيابت/ دابا تزيان"؛ تليها قطعة"الحدود" التي أديت على إيقاع مهزوز مباشرة بعد أحداث 1963 بين المغرب والجزائر..ومما جاء فيها:"الحدود هي بلادنا/ تم يعيشوا ولادنا...المليك وجيشنا/ عوينا..وحنا كاع تابعينو/ كلشي من إله/ لا غالب سواه...إدريس بنعمر كال كليمة/ حلف حتى نشربو أتاي تما...عاد الحدود ياه". وصولا إلى الختم بسوسية أو سدة مصرفة، ولها قفل من عيطة الحداويات المرساوية" دابا ربي يعفو على عبادو والناس الحاضرين".

وتعد هاتين القصيدتين:" رفود الخامس" و"عدا الحدود" دليلا واضحا على ارتباط الغناء الحريزي بأحداث الوطن والوطنيين في فترات سياسية عصيبة من تاريخ المغرب الحديث، وهو ما يبرز أن العيطة قد لعبت دورا تحريضيا مهما في مقاومة المستعمر والمحتل، فكانت أخطر الخطابات التي تصل بسهولة إلى الآذان والوجدان فتشعل في النفوس جذوة المقاومة والنضال من أجل حرية الناس والأوطان.كما لعبت دورا تنفيسيا مهما في تأمين التوازن الروحي والعقدي والجمالي للقبائل المحلية، بما ساهم في الإستقرار السياسي لدولة وأمة المغرب الأقصى عبر مختلف العصور التاريخية.
والخلاصة، أو العصارة، هي أن فن الوترة أو النغمة الحريزية في العيطة الشعبية ، هي توليف أو مزيج مركب من أنماط عيوط محلية مرساوية وأخرى مجاورة حصباوية وزعرية وخريبكية، علاوة على السواكن التي تمجد مناقب الأولياء والسادة الصالحين المحليين منهم والمجاورين. الشيء الذي أنتج بالفعل "أملكام عيطي" أو كشكول غنائي شعبي آصر وأخاذ في أوتاره وألحانه، كما في إيقاعاته وموازينه، مما جعلنا نفرد له وقفة تاريخية مهمة ستظل خالدة في إسطوغرافيا العيطة الشعبية، كانت هي ندوة ((الفن الشعبي المحلي، العيطة وفن الوترة نموذجا))،التي كان لنا شرف الإشراف على تنظيمها بمعية اللجنة الثقافية للمجلس البلدي لبرشيد، وبتنسيق مع وزارة الثقافة. حيث مكنتنا هذه الندوة/ الوقفة من توفير مختبر للإنصات لكشكول غنائي لمجموعة موسيقية وغنائية شاركتنا الندوة، هي فرقة أولاد سيدي عمرالمكونة من عبد القادر اكريجة على آلة الأوتار سلك من الحرير ومحمد جيوكي على آلة الطعريجة والبندير، والتي تعتبر من الجيل الجديد الذي لا زال يحمل على عاتقه هم الحفاظ على هذا التراث الغنائي الشعبي المحلي. كما كان لنا أيضا شرف الإستفادة، على مستوى الإيقاع والتأريخ والنظر، من مؤطري هذه الندوة الهامة، وفي مقدمتهم الأستاذ الفقيد والمنقب الفريد محمد بوحميد رحمه الله، والأستاذ الباحث الصديق حسن نجمي، والزميل الصحفي المهتم المهدي الكراوي من آسفي...حين التقى الجمع الكريم والجمهور العظيم بفضاء دار الضيافة خلف المقر القديم لبلدية برشيد في إطار فعاليات مهرجانها السنوي في مساء يوم فاتح يوليوز سنة 2001. وقد سجلنا في قرائتنا لديسكوغرافيا العيط الحريزي، أنه عبارة عن كشكول غنائي شعبي متنوع بين غناء المرس والحصبة والساكن والزعري والخريبكي والسمعلي، بحيث يتكون الشريط الغنائي الذي استمعنا إليه و درسناه، من أربعة عيوط مرساوية تقتبس من الغناء الحصباوي، إنطلاقا من عيطة "رجانا في العالي" التي تسمى عندنا في المرس ب"الحصبة" والتي تبتدئ بعتوب أو جمل موسيقية من "عيطة خربوشة" الحصباوية الأصل، ثم تنحو بسرعة إلى المدسوس من "عيطة رجانا في العالي" الحصباوية كذلك، والتي تؤديها مجموعتنا بطابع مرساوي لا يزيد عن فصلين بدل سبعة فصول كما في عبدة؛ الفصل الأول بطيء يردد بيتين متتالين تليه فسحة لحنية لا تتغير إلى نهاية الفصل، ثم يأتي البيت الإنتقالي، ليبدأ الفصل الثاني وهو سريع من حيث الإيقاع، ويتكون هو الأخر من بيتين تتبعهما فسحة لحنية، وهنا تدخل بعض التصريفات الموسيقية التي لا نعهدها في العيطة الحصباوية، وفي كثير من الأحيان يدمج هذا الفصل الأخير عيطة بسيطة هي "الكافرة واغدرتيني". إلا أن هذا الأداء المرساوي للحصبة لا تغيب عنه نسج أبيات على نمط المرس ذات مضامين عبدية من قبيل:" تراب الصيني جاني بعيد/ الكوتشي إيديني..الجمعة السحيمية/ قبالة أسفي/ اشراجم شيبية..بومحمد الصالح/ ما يدوز خدامو/ الكرمة كدامو.." لتنتقل المجموعة بعد ذلك إلى أداء مشاليات أو طيوح من عيطة "اللي بغى حبيبو"المرساوية الأصل، ثم الدخول في أداء السواكن، ليليها الغناء الزعري والخريبكي بأداء ما يعرف بالحبات الزعرية، ثم العودة إلى أداء بعض السواكن المتبقية بإيقاعات مهزوزة تبدأ في الإنخفاض تدريجيا حتى إنصراف بسوسية أوسدة لها قفل من عيطة "التهامي" أو "الحداويات" المرساوية. كما نسجل مع زميلنا المهدي الكراوي، أن الأداء أوالإيقاع الحريزي، كما أنصتنا إليه، يغيب عنه الإنتقال الموسيقي بواسطة الحطات، كأحد شروط أو معاييرالتركيب العيطي، كما هو في غناء الحصبة والمرس. وعوض ذلك يستعمل المؤدون، بمن فيهم الرواد علي وعلي والحطاب وأولاد مولاي عمر، فراشا موسيقيا خفيفا، في شكل عتوب ومشاليات مرساوية في الغالب، بديلا عن الحطات في الإنتقال من مقطع غنائي لآخر. وعموما ففي النغمة الحريزية نعثر على أشعار وصنائع وإيقاعات اندرجت في عيوط من المرساوي والحصباوي، وأخذت من"حاجتي في كريني" و"الحداويات" وبعض الأذكار الصوفية والحبات الزعرية، كما نصادف فيها أيضا الإيقاع الكناوي واللحن الزياني المتاخم لأقدام الأطلس المتوسط من مناطق زيان وزمور، مثلما يدل على ذلك كلمات وألحان وميزان أغنية "أواكراد بونو" كما أداها بإتقان الثلاثي المرحوم علي وعلي والحطاب. مثلما نجد أيضا أن النغمة الحريزية تقتبس كذلك، من عيطة" "ركوب الخيل" وعيطة"ما شفتوا شامة آهيا العلامة"، حيث يعتمد الإيقاع غالبا على نسق الأهم فيه حمدوشي، إثنين على أربعة موزعة على دقتين، وهو إيقاع جاء في أغلب الظن من تأثيرات الفرق أو الطوائف الكناوية والحمدوشية المرتبطة بعيساوة ـ نسبة إلى دفين زاويتها الرئيسية بزرهون قرب مولاي إدريس، ومؤسسها سيدي علي بنحمدوش المتوفى سنة 1720، وكان من مريدي سيد الحفيان أحد أبناء سيد المرسلي الشرقاوي، حفيد سيدي آمحمد الشرقي ، وهي زاوية ذات طقوس جازولية وقادرية ــ التي كان لها عشرات المريدين والأتباع بربوع الشاوية ومنطقة أولاد حريز حتى بداية القرن العشرين، ممن كانوا يزورون ضريح سيدي امحمد الشرقي و ضريح سيد الحفيان بأبي الجعد. وحتى دخول المستعمر للشاوية سنة 1907 كان هناك موسم سيدي امحمد بنسليمان بقبائل الزيايدة المجاورة، الذي كان يعقد لمدة 15 يوما وتحضره فرق من عيساوة وحمادشة وكناوة لإحياء طقوسها، كما جاء ذلك في كتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب:Casablanca et les Chaouia.T.2.Ernest Leroux.Paris1915.P.64.
وإذا كان غناء المرس والحصبة، يرافقه الرقص النسائي للشيخات، وهو رقص خفيف غالبا ما يدور حول البطن في شكل حركات وتموجات شبيهة بحركة المياه المنسابة في مراسي ومرافىء ومرجات وضايات الشاوية ودكالة وعبدة، فإنه من الظواهر المثيرة للعين والحس في النغم أو الغناء الحريزي، هو تكامل الأداء فيه بالتظاهر الجسدي (الذكوري منه والأنثوي) الذي يتجلى في التصفيق الشديد باليدين، والرقص القوي الداك على الأرض بالقدمين، وبتلويحة الرأس، وأحيانا بنتف الشعر والضرب بكلتا اليدين على الصدر... وهي طقوس بدأت في التلاشي منذ سنوات، بحكم تقلص أو ضمور فضاءات مواسم الأولياء الصالحين بالمنطقة، وفي مقدمتها موسم الولي الصالح والجد المؤسس لإتحادية قبائل أولاد حريز والسراغنة، سيدي عمر بلحسن دفين منطقة بزو، والذي شكل طيلة عقود تاريخية طويلة مزارا سنويا وملاذا أساسيا لهذه القبائل وما جاورها، حيث التبرك والتمسح بأضرحة وبركات الولي وأولاده وجيرانه، وذكر مناقبهم وكراماتهم...والمشاركة ليلا في حلقات الفرجة الشعبية وطقوس الحضرة على نغمات وإيقاعات الوترة/ الوتر، والدف/ البندير والليرة/ الفحل...وهي المشاركة التي كانت، في بعض الأحيان، تصل إلى درجة التماهي أو التوحد والإندماج الكلي بين المؤدي/ المغني والمؤدى له/ المتفرج، في طقس إنشادي وتهليلي، جسدي وراقص، يثير السواكن والوجدان ويحرك النفوس والأبدان. طقس يستحق منا أن نفرد له مقالة خاصة، للوقوف على تجربة الجسد الطقوسي وبعده النفسي والرمزي في خضم ما يعرف ب "الحضرة" أو "الجذبة"..

الحلقة الأولى : قراءات في فن الساكن الشعبي.


Enregistrer un commentaire

 
Top