GuidePedia


قراءات في فن الساكن الشعبي...
بقلم الباحث التهامي حبشي ـ
1ــ ما هو الساكن؟.
يرى الأستاذ علال ركوك أن الساكن هو نوع من الغناء الشعبي المغربي يميل ميزانه إلى الإيقاع الكناوي، نسبة إلى فرقة كناوة الصوفية. فيما ذهب الباحث الفريد الفقيد سي محمد بوحميد إلى أن الساكن هو فن شعبي يتميز بنفحته الصوفية لإرتباطه بفرق صوفية طرقية ذات طقوس خاصة، كعيساوة وحمادشة ودرقاوة التي هي جزء من مظاهر الإحتفال الصوفي، تدخل في فصيلة الساكن، وهي لا تمثل إبداعا ممسرحا، بل هي نوع من "الجذبة" تختلف حسب المجموعات، وكل ذلك يلتقي في إيقاع واحد متشابه يبدأ بطيئا ويتحرك لينتهي مهزوزا وقويا جدا، ممثلا في الحركة بالأكتاف أو بالأقدام أو الرأس، مضيفا بأن هناك بعض الإستعمالات التي لم تعد تلائم هذه الفترة كضرب الرأس بالمطاريق أو الشواقير أو الرقص على الزجاج...فكل هذه الصور ليست مسرحا بل طقوسا تريد أن تبين بعض الخوارق لإستهواء المريدين والتابعين فقط (في حوار له مع المهدي الكراوي، جريدة الإتحاد الإشتراكي، عدد يوم 7 مايو 2000). ولهذا يمكن القول مع الزميل المهدي الكراوي، بأن الساكن ما هو إلا بروال صوفي، وهو أحد أروع صنائع فن وفرجة اعبيدات الرمى، لكنه بروال عيطي متصل يقع في الحد الممتد بين البروال الغنائي القصير أو ما يسمى ب" بومقلاع" والغناء العيطي المركب الطويل المتن والنفس. فإذا كان فن العيطة عموما قد انبثق في إطار فن أحواش كفن مغربي أمازيغي كان سابقا في الوجود قبل مجيء القبائل العربية الثلاث ـ بني معقل وبني سليم وبني هلال ـ كما يقول الأستاذ سالم اكويندي، إستنادا إلى بحث ومنهج بوحميد ـ؛ فإن هذا الفن، قد تطور بتطور فرجة اعبيدات الرمى، حيث خضع هؤلاء العبيدات لمجموعة من التحولات كفقدان الغابة وغياب سلطة الرمى كطبقة إجتماعية تمتلك السلطة والجاه، إلى مرحلة تحول فيها اعبيدات الرمى كخدم للرمى/ للطبقة الإقطاعية إلى سدنة لأضرحة الأولياء والصالحين ورعاة لمواعيد عقد مواسمها. وبالتالي فإن هذا الإرتباط هو الذي جاء بميلاد فن الساكن، كشكل عيطي جديد مركز أساسا في تمجيد مكارم ومناقب هؤلاء الأولياء والصالحين، ومقترن بالطوائف الدينية والزوايا، كجيلالة القادرية، والتيجانية(هداوة أبناء سيدي هدي)، وحمادشة (سيدي علي بن حمدوش)، وعيساوة (الشيخ الكامل الهادي بنعيسى)، وكناوة... كما أن لهذا الفن إمتدادات في العيطة المغربية بالغرب تتجلى في الهيت (الغابة). ولعل الساكن يضيف سالم اكويندي قائلا: "هو الفن العيطي الذي يلتقي فيه الأداء الكلامي بالإيقاع الموسيقي وبالرقص الحركي،لأنه فن يحمل إيقاعه في شكل نظمه وطريقة أدائه على حد تعبير الدكتورعباس الجراري، الشيء الذي يجعله أقرب إلى صورة الأداء المسرحي". بحيث نجد في الساكن نوعا من العبارات أو المقاطع الغنائية التصويرية في شكل براويل أو شذرات عيطية، لا تشكل إلا حطات أو عتبات أو فواصل لما يليها؛ وهو ما يجعل الأداء الغنائي، يكون في بعض الأحيان مصاحبا بالتعبير الجسدي، في شكل أهزوجة شعبية أو ميلوديا يشارك فيها المتلقي المؤدي والمؤدى له، في حالة شعورية وإحساس واحد. وهذه الحالة من خاصيات المسرح وليس التمثيل، والذي يعتبر مجرد الأداء الواعي للفعل الدرامي. وهذا الطقس يجعل من العيطة عموما تنصب كإنتاج رمزي ثقافي وجمالي وسيكولوجي في التحليل الإيديولوجي للطبقات الإجتماعية السائدة والمسودة، ذلك أن حالة اعبيدات الرمى هي فرجة/" فراجة" منتجة أصلا للتترويح وللتنفيس عن السادة/ الرمى، وللتفريج عن العبيد/ لعبيدات. وعليه يكون الساكن هو الآخر طقسا تفريجيا أو فرجة منتجة لأضرحة الأولياء والصالحين، حيث يكون ذكر مناقبهم والإستجداء ببركاتهم ذريعة للحفل/ الفرجة طلبا للفرج والفرجة، كما في مناسبات عقد المواسم والإحتفاء بالزفاف والعقيقة والختان...
وصفوة القول، إن الساكن غناء بدوي شعبي يصب في الأمداح وذكر مناقب وبركات كرامات الأولياء والصالحين، وتنحو مواضيعه إلى تذكير السامعين بقوة الخالق وضعف المخلوقين، و بالموت ويوم الحساب واليقين، وبأفعال السحر والشعوذة والسحر، وما يقابلها من أفعال الخير والصلاح والعبادة والدين. وغالبا ما يستعمل الساكن بعد أداء بعض الأنماط العيطية البسيطة أوالمركبة، بالمرور من الفراش الخفيف إلى الغطاء الكثيف، في شكل إيقاعات موسيقية مهزوزة وقوية، يصاحبها رقص خاص يمتد فيه الجسد، الذكوري والأنثوي، إما إلى الأعلى/ السماوي أو إلى تحت،عبر الدك بالأرجل على الأرض/ الكناوي والحمدوشي؛ وهوما يعبر عن شيء كامن ومسكون بدواخلنا، تفصح عنه بعض التمظهرات الجسدية الغارقة في طقوس "الجذبة" أو"الرعدة" أو"التحييرة"، وضرب الصدر العاري بكلتا اليدين..والسقطة أو "الهمدة" التي تسبقها صرخة كبرى..إعلانا عن نهاية طقس الساكن والحضرة.

2 ــ في أنماط الساكن:
إستنادا إلى مختبر الملاحظة الإثنوغرافية والإستماع أو القراءة الديسكوغرافية لعدد من أشرطة العيطة المغربية، يمكن القول إن الأنماط العيطية التي يتخللها أداء الساكن هي: المرساوي والغرباوي والحصباوي والزعري والحوزي والشيظمي. فبحكم علاقات الجوار الجغرافي والتداخل اللغوي والثقافي، وبفعل جولات الركب وانتقالات فرق الحبحابة والرمى ما بين حقول الشاوية والغرب ودكالة وعبدة والشياظمة والحوز والسراغنة والرحامنة وورديغة وتادلة وبني خيران وزعير وعكراش وزمور وزيان..، تولدت لدينا مجموعة من العيوط ذات إيقاعات مهزوزة ومضامين بنفحات صوفية تتغنى بأضرحة وكرامات الأولياء والصالحين المبثوثين فوق البطاح والبطون السهلية، وما جاورها من أقدام الجبال الأطلسية. فالباحث في جغرافية أو طوبوغرافية المقدس بهذه المناطق السفحية والجبلية الشاسعة، يقف على مجموعة من الأضرحة والمزارات ذات التأثير البالغ في نفسية وتدين المغاربة، وخاصة منذ القرن السادس عشر الميلادي الذي عرف فيه المجتمع المغربي الوسيطي إمتدادا واسعا لسلطة الزوايا والطوائف أو الطرق الصوفية المرتبطة بها.
3 ــ في التشخيص الموسيقي للساكن:
كمحاولة للتشخيص الموسيقي لفن الساكن العيطي، يمكن القول بأننا نتوفر على الأقل، مما وصل إلينا عبر الرواية والتواتر، على ثلاثة إيقاعات في الساكن هي: الإيقاع الكناوي بنوعيه، والإيقاع الحمدوشي. النوع الأول من الكناوي، فهو الساكن الغرباوي نسبة للثقافة الإفريقية الوافدة إلى المغرب عن جهة الغرب، عبر طوائف وفرق ركراكة التي تمتد جذورها إلى جنوب المغرب ( سجلماسة وتافيلالت والصويرة فيما بعد..) والتي إرتبطت منذ القرن 16 بتجارة الرقيق والذهب والسكر. أما النوع الثاني فهو الإيقاع المرساوي في الكناوي ذي التأثير المغربي الصرف، كما يرى سالم اكويندي، وذلك بدلالة الماء الحاضر فيه كلون الزرقة وأرتباطه بأداء سواكن مولاي إبراهيم وبودربالة والبحراوي واليابوري وميمون الشيباني، ولالة عائشة البحرية/مولات الماء...كما له إمتدادات في فن "الهيت" و"الحمادات" بمنطقة الغرب كأغنية "الغابة" مثلا. أما النوع الثالث، فهو الساكن الحمدوشي نسبة إلى إيقاع طائفة حمادشة ذات البعد الصوفي المرتبط بموسم سيدي علي بنحمدوش، دفين منطقة مكناس. ونجد هذا الإيقاع يتخلل عددا من العيوط في الحصبة والمرس وحاحة والحوز وورديغة وزعير.. وهكذا نجد القدام الحمدوشي في أداء سواكن الشرقاوي بوعبيد، والحاج بنعاشير، والباشا حمو، والحبشي/ ريشة بيضا في جناحو. ونجد هذا الإيقاع يتخلل عددا من العيوط في الحصبة والمرس وحاحة والحوز وورديغة وزعير. بحيث نجد النوبات الموسعة للبطايحي والبياتي والحجاز والعجم في المرساوي والحصباوي، تستغيث بميلوديا الحوزي في إيقاعه الشبيه بالقدام، إن لم يكن قداما بالفعل، كما يقول المرحوم بوحميد، لما له من قدرة على تحريك السواكن. ولذلك نجد العديد من عيوط المرس والحصبة تلجأ إلى القدام ساعة الخاتمة والإشراف على النهاية. وكمثال على ذلك عيطة "حاجتي في كريني" لما يصل الإيقاع إلى قمته في الحطة التالية: "من هنا لغدا/ يفرج الله عليا...زينك حراك/لاديري سبنيا...آتعالي تعالي". وصولا إلى الإنصراف الذي هو من جزئين وقفل. وينطلق من:"هاذ المكتوب/ كتبو الله عليا...ما عملتو بيديا/ المضمة الحسكة/ الرهيفة الكامونية"، ثم الدخول في سرابة إنصراف على إيقاع مهزوز، حوزي راقص حتى القفل/ السدة. ويرى بوحميد أن عيطة "ركوب الخيل آهيا العلامة" إعتمد فيها الإيقاع على نسق الأهم فيه حمدوشي، إثنين على أربعة، موزعة على دقتين. كما تضمن عيطة "برغالة/ الرادوني" بعض الحطات اللفظية في شكل نداء طويل ومرتفع كأنه موال على مقام الصبا: "الرادوني/ الرادوني/ الرادوني...زربي عطلتيني/ لدهم العيساوي/ آهيا واهيا/ هادا عاري لحتو عليك". وبعد ذلك ينتقل الغناء الهادئ إلى الإيقاع المهزوز:" آجي لالة غزالي/ هادي ليلة وذيك ليلة/ الله ينصركم/ آصحاب السرات/ آوعد الله".
يــــتــبع

Enregistrer un commentaire

 
Top