آخر الأخبار

سلالة القادريين ببرشيد ( الجزء 1 و 2)

 

بقلم: الجيلاني طهير

وأنا أشتغل قبل التقاعد بعمالة سطات، في خلية تتبع تنفيذ تعليمات العامل، كنت أمر على عبد العالي قديري في مكتبه، لأسأله عن مسار الملفاة العالقة، فأراه شارد الذهن بينما الزملاء من حوله يتحاورون. كنت أعرف وكانوا يعرفون بأنه يسبح بحمده من غير سبحة. إنه الذكر بالقلب، وكان لهذا الرجل الطيب نفحة صوفية يحملها من جده الولي سيدي الجيلاني العميري.

لو شئنا التنقيب عن سيرة الولي سيدي الجيلاني، فلن نجد شيئا كثيرا عن مرحلة طفولته. فالتراجم والروايات الخاصة بالأولياء لا تجيز الكلام عن غير الشخصية العاقلة والمسئولة، ولا تذكر من الطفولة إلا شيئا واحدا، وهو حفظ القرءان والسياحة الدينية لملاقاة الشيوخ من أجل التبحر في العلوم الدينية. ولد سيدي الجيلاني حوالي سنة 1737 ميلادية ببني موسى، بني عمير تادلا. ونزل بأرض أولاد حريز، خلال الفتنة الكبرى التي تلت وفاة المولى اسماعيل، بأمر من شيخه سيدي المعطي الشرقاوي، الذي تولى القيادة الروحية لمنطقتي تادلة وتامسنا، بين 1727 و1766. 

أمضى سيدي الجيلاني فترة شبابه كلها تقريبا بالزاوية الشرقاوية بأبي الجعد. وأذرك المقامة الخاصة بالصلاح، والتمكن من البركة عن طريق المرافقة الطويلة للشيخ، مرورا من " الخدمة"، و"المحبة"، و"الجوع"، و"العزلة"، و"الذكر"، ولبس " الخرقة". هذه المراحل الطويلة كانت تمنع المريد من الزواج في أوقات مبكرة. قبل نزوله بأرض أولاد حريز تزوج الولي السيدة التادلاوية، وأنجب منها ابنه السي صالح، دفين أزمور. ولما استقر بالبلد، زوجه المرابط سيدي المقدم الطالبي، الجد الأول للطالبين، بنته للالة زهرة. وبعد وفاة شيخه سيدي المعطي الشرقاوي توجه إلى الديار المقدسة سنة 1767، وحج بيت الله الحرام، واغترف من الورد القادري على يد الشيخ سيدي محمد بن عبد الكريم السمان بدار جده أبي بكر الصديق، بالمدينة المنورة. كانت تلك بمثابة قطيعة مع الطريقة الشرقاوية التي تستنسخ الورد الناصري، وانفتاحا على طريقة الأجداد القادريين. وكما هو معلوم، الطريقة القادرية أصولها شرقية، ترجع إلى المولى عبد القادر الجيلاني دفين جيلان بضاحية بغداد. بينما تنحدر الناصرية من الشادلية التي تجسد ( مع الجزولية) التصوف المغربي الخالص، وذلك بتشجيع من المخزن الساعي إلى التخلص من النفوذ التركي العثماني. هذا التفاعل بين الطرقية يعبر عنه أهل الصوفية بالقول: "الماء واحد، والزهر ألوان". ومن الملفت للانتباه أن فرع القادريين ببرشيد لا يتقاسمون نفس الجدع مع فرع القادريين القاطنين فاس. هؤلاء الشرفاء الحضريين قدموا من الأندلس بعد سقوط غرناطة، وبحوزتهم سلسلة موثقة عدليا تربطهم بأبي اسحق ابراهيم بن مولاي عبد القادر الجيلاني. بينما يرتبط أشراف برشيد، بحسب الشجرة بحوزتهم، بالقطب سيدي عبد الرزاق بن مولاي عبد القادر الجيلاني، الوافدة سلالته إلى الجزائر تحت الحكم التركي العثماني.

استمرت الفتنة الكبرى التي عاصرها سيدي الجيلاني العميري ثلاثون سنة، تخللتها المجاعة والجفاف، واشتهرت بالتدافع القبلي المهول من الجبل إلى السهول. وقد لعب الولي دورا كبيرا في التحكيم والوساطة في الصرعات بين القبائل المتناحرة على المكان، حيث كان يقوم بمساعيه الحميدة من أجل الصلح وإخماد النيران. كانت الأوبئة تحصد الأرواح، وكان العامة يلتفون حوله آملين في الخلاص، وهم يعتقدون أن ذلك بسبب كثرة المعاصي وعجز المخزن عن ردع الفساد. خلال تلك الفترات العصيبة عانى الولي سيدي الجيلاني المحنه على يد السلطان مولاي سليمان ذو التوجه الوهابي. هذا الأخير، كان وضع قيودا صارمة على زيارة الأضرحة، وحرم المواسم وطلب الأدعية من الأولياء. وكما هو الحال في عصرنا، كانت الوهابية تعادي الحكم غير العربي المتمثل في الترك والفرس الشيعة. وكانت أحد أهداف السلطان مولاي سليمان هو حماية السلطنة المغربية الشريفة من الدخيل العثماني المتربص خلف الحدود الجزائرية، ومناهضة العرف الذي كان يحمي النظام القبلي لصالح الشرع الساعي إلى توحيد البلاد تحت راية الإسلام. في هذا الإطار بايع سيدي الجيلاني العميري ، بصفته سلطة محلية روحية، صحبة القائد الحطاب بن عثمان المنياري، كقائد عسكري سابق في جيش المولى اليزيد، المولى سلمة الذي كان ينازع أخاه غير الشقيق، المولى سليمان، العرش. 

وقد وطد الأطراف الثلاثة علاقتهم بالمصاهرة، فزوج القائد الحطاب بنته محجوبة للولي سيدي الجيلالي، وزوج أختها للمولى سلمة بأزمور. لكن محاولتهما باءت بالفشل، وتم سجنهما من طرف مولاي الطيب قائد جيش مولاي سليمان، بينما لاذ المولى سلمة بالفرارعند أعمامه بتافيلالت إلى أن سامحه السلطان. ورد ذكره عند الإخباري عبد السلام الضعيف الرباطي، وكان وقت الحادث بالدار البيضاء سنة 1210 هجرية، وبها عيد الأضحى، قال: " وقبض مولاي الطيب، الجيلاني العميري بسبب الحطاب، وقبض على القائد الحطاب الحريزي وكبله، وبعثه إلى سجن فاس البالي فدخل السجن عند صلاة العصر من يوم الأحد 15 حجة".

توفي سيدي الجيلاني العميري سنة 1820 عن عمر يناهز 83 سنة، ودفن بأزمور حيث يوجد له ضريح يحمل اسم سيدي الجيلالي المنياري، يقبع في زقاق ضيق بين باب الجامع الكبير وباب المدينة. إلى جانبه يرقد ابنه سيدي الصالح من زوجته التادلوية. بداخل الضريح يوجد تابوت خشبي كبير مغطى بكسوة، وأمامه سياج حديدي يمنع الزوار من تمزيق الكسوة والاحتفاظ بقطع منها لأجل التبرك. أما بالنسبة للقبة الموجودة ببرشيد، فهي ضريح رمزي، يسمونه المقام، أي المكان الذي يكون الولي قد نزل به قيد حياته، أو توضأ فيه وصلى وتعبد. حول هذا الضريح التوأم، تناسلت ذرية الولي بدوار زيتونات سيدي الجيلالي، وهم سبعة من الذكور: خمسة أنجبهم من زوجته زهرة الطالبية بنت السي المقدم، وهم سيدي المكي، مولاي الصادق البركة الجد الأول لعبد الجليل قديري، موظف سابق بجماعة سيدي المكي؛ مولاي الطيبي؛ مولاي الصالح؛ الحاج المدني، جد سيدي أحمد مؤسس الزاوية القادرية بقيسارية برشيد (تم هدمها)؛ وسيدي البصير، الجد الأول للمهندس البلدي عبد الرحمان الكيلاني والإخوة فؤاد وطارق قديري. واثنين من الاولاد انجبهما الولي من زوجته محجوبة بنت القائد الحطاب المنياري، وهما سيدي امحمد الجد الأول المرحومة للالة فضيلة، ومولاي بن عبد الله، دفين المدينة المنورة، الجد الأول للمرحوم عبد الله القادري.

يتصدر اسم المرابط سيدي البصير، وهو أصغر أبناء الولي سنا، قائمة الزوايا ورجال الدين الموقعين على وثيقة البيعة السلطانية للمولى الحسن الأول. كان يمتلك قيد حياته قطعة أرضية بالدار البيضاء، مساحتها ثلاثة هكتارات، موثقة عدليا باسمه، يستغلها بحيرة لزراعة الدلاح، بجانب وادي بوسكورة المتج نحو مصبه بالمحيط. وعليها يوجد الان فندق حياة ريجنسي ودرب البحيرة. على غرار مصاهرة سيدي الجيلالي للقائد الحطاب المنياري والمولى سلامة، تزوج السلطان المولى الحسن لالة فاطمة خالة محمد بن عبد الله بوشاشية، حفيدة سيدي الجيلاني. وتزوج القائد عبد السلام برشيد رقية بنت الحاج المدني بن سيدي الجيلاني وأنجب منها الحاجة أمينة زوجة الثائر الحاج محمد بن الحاج حمو. بينما تزوجت ثلاثة فتيات من دار برشيد ثلاثة من حفدة الولي، وهن: هنية بنت القائد زوجة صالح بن المكي بن البصير، وكان السي صالح عالما وخطيبا بالمسجد؛ وطامو بنت القائد زوجة الحاج محمد بن عبد الرحمان؛ وفاطنة بنت القائد زوجة الحاج عبد الله بوشاشية.

كان القادريون يمارسون العبادات في إطار قواعد ثابتة وسلوك منظم عبر الانخراط في الطريقة القادرية التي تولي اهتماما بالفقراء، وبالإكثار من النوافل في الصلاة والصيام، والإكثار من الاجتماع للذكر والورد والإرشاد. أحد الأبناء وهو الحاج المدني حاول الخروج عن القواعد، وشرع في كتابة الأحجبة والتعاويذ لطالبيها، فخاصمه الولي سيدي الجيلاني واشترط للتصالح معه حج بيت الله الحرام. ومن المرويات أن هذا الأخير قصد المرسى على بغلة، مرفوقا بخادم له، من أجل ركوب السفينة. وخلال انتظاره على الرصيف، سمع الخادم أحد الأثرياء يقول لصاحبه لصاحبه: " شوف حتى المدني غادي يحج". فارتمى عليه، وطرحه أرضا، وأبرحه ضربا. وكجزاء على وفائه له، قال له المدني: " اطلق البغلة ويا الله تحج معايا". وركبا معا السفينة وذهبا سويا إلى بيت الله الحرام.

 

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء