أولاد حريز الشاوية المسكوت عنه ( الجزء الأول)

 

بقلم: الجيلالي طهير

كُتِب التاريخ بحبر المدينة، موطنُ البورجوازية الوطنية التي أدلجت السياسة والدين، وأسقطت مشاعرها الذاتية، والعائلية، والطبقية على التاريخ.

التاريخ يولد من لحظة الكتابة، ويكتب لمدة طويلة. وأصحاب القلم الذين سطروا صفحاته مجدوا أنفسهم وتجاهلوا أصحاب البندقية، رجال القبائل، الذين فدوا الأرض بدمائهم الزكية. هذا ما فعلته الحركة الوطنية، المهيمنة على فضاء الإنتاج المعرفي، عندما أخرجت المقاومة المسلحة لقبائل الشاوية من إطار الوطنية ومن دفاتر التاريخ.

 "عاتب الشيخ مربي ربو، نجل الشيخ ماء العينين، العلامة شعيب الدكالي على عدم دعمه لمقاتلي الشاوية، فأجابه بأنه لا يؤيد المقاتلين الذين يعطون للأوروبيين ذريعة لاحتلال بلاد المسلمين، مثل رؤوس الشاوية". (عبد الله العروي/ الأصول الثقافية والاجتماعية للحركة الوطنية). "إن الجانب السوسيولوجي الضيق هو الذي يحدد الشعارات والأفكار، وإذا أهملناه لا نستطيع أن نفهم السر في هذه الثنائيات: شعيب الدكالي، العربي العلوي، علال الفاسي، محمد الوزاني، المكي الناصري" (عبد الله العروي/أوراق(. .

"الشاوية" في الأصل اسم عرقي تحول إلى اسم جغرافي . ينحدر الاشتقاق اللغوي للكلمة، وهي جمع شاوي، من "شاه"، ومعناها رعاة الغنم، وهم البدو المتحولون إلى الفلاحة. الكثير من المجموعات البشرية المنتشرة في أرجاء الوطن العربي تحمل اسم "الشاوية"، وليس في المغرب فقط.. في سياق الخصومة بين الشاوية والمدينة، بمحافظة الحسكة بسوريا ( دير الزور)، يكتب محمد جمال باروت، بأن المصطلح يحمل في طياته نوعا من التصغير والتحقير، أفرز مثلا شعبيا يقول: "الشاوي بدو باسبور ليدخل المدينة" (محمد جمال باروت /النشوء الحديث للجزيرة السورية). فهل كانت شاوية المحيط الأطلسي بحاجة إلى جواز سفر كي تدخل أبواب التاريخ؟

قبل ولادة برشيد، نحن كنا أولاد حريز الشاوية، العرب الأمازيغ، الذين صهرتهم جغرافية التاريخ في بوتقة واحدة، بين المحيط الأطلسي والمرتفعات الداخلية. هذا الساحل الجميل، وهذا التيرس المعطاء، وهذا المناخ اللطيف، شكلوا هويتنا، وجعلوا منا ما نحن عليه من حب في الحياة، ونبد للتطرف، وقبول بالآخر. على الرغم من استحواذ البورجوازية الوطنية على المؤسسة الدينية الشرعية، بل وعلى إنتاج الفكر الديني ونشره، ظل العمق الثقافي الموروث من الأجداد يضفي لمسة خاصة على تعابيرنا الدينية، من خلال الطقوس الاحتفالية بالأولياء، في طليعتهم الولي سيدي عمرو بن لحسن. 

صحيح أن الجنرال ليوطي اتخذ من المعتقدات المحلية، وبُعدها الماورائي سندا لتبرير سياسته الاستعمارية، حتى لا يصدم مشاعر عامة الناس. ولقد حاربت الحركة الوطنية طقوس زيارة الأولياء قبل أن تعيد إليها السلطات العمومية الإعتبار خلال فترة سنوات الرصاص، بهدف تطويق المد الاشتراكي الذي اكتسح الساحة الطلابية (راجع نظرية اختراع التقاليد/ ايريك هوبسباون). لكن ذلك لا ينفي بأن الصراع بين الإسلام الشعبي والإسلام الشرعي كان متوغلا منذ القدم، ويعكس ثنائية المتناقضات الأزلية بين الحواضر والبوادي. 

هذه حكاية، عندما نزل فرسان الشاوية بفاس، على راسهم القائد المعطي المزمزي والقائد عبد السلام برشيد الحريزي، للمشاركة في الحرب السلطانية ضد بوحمارة، شبههم أهل فاس بالذباب الذي جاء يلتف حول شهد العسل.

تتكون البورجوازية الوطنية من وطنيين ليبراليين، بدون خلفية عسكرية. بالنسبة إليهم، المقاتلون الشاوية همجٌ، رعاعٌ، نكراتٌ، لا يستحقون إلا التجاهل. كانوا يعتبرون بأن الدعوة إلى الجهاد من اختصاص علمائهم، وينظرون إلى القوات الفرنسية الغازية على أنها متقدمة ومدججة بالسلاح، لا أمل في مواجهتها عسكريا.

يتبع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق