-->

بقلم الجيلالي طهير : يوسفية برشيد، هكذا يكتب التاريخ نفسه ( الجزء 3 )

برشيد نيوز: بقلم الجيلالي طهير
يتقاعد اللاعبون، يُهاجرون، أو يرحلون إلى دار البقاء. يُدمر الملعب البلدي ويتم تفويته لبناء طوابق إسمنتية سكنية. وتبقى الذكريات. ذكريات المكان، وذكريات ما كان. عن فريق ما، لا يعشقه غير المجانين، كتب عبد السلام البيضوري، رحمه الله، منذ ثلاثين سنة خلت، بالصفحة الرياضية لإحدى الجرائد الوطنية، الآتي: "يوسفية برشيد، من منا لا يعرف هذا الفريق الذي كان يحسب له حسابه، وكانت تهابه جميع الفرق حيث كان يصمد ويستميت في وجهها ويرغمها على الاستسلام. والواقع هذا الفريق كان يلعب دورا طلائعيا في البطولة وعاد إلى القسم الشرفي بعد أن قضي11 سنة بالقسم الوطني الثاني. وكانت هي الضربة القاسية التي أصيب بها منذ تأسيسه. نزل الفريق إلى القسم الشرفي فتلاشت سمعته  وانطفأت شمعته الراقصة في المجد الرياضي التي احتفظ بها سنين طويلة. ولهذا الشأن انعقد بمقر نزل الشاوية اجتماع ضم جميع اللاعبين وبعض المسيرين من ذوي النيات الحسنة والأيادي البيضاء الذين استعابهم السيد القادري عبد الله . وعلى ضوء هذا الاجتماع صرح السيد القادري بأنه سيكون مع الفريق في السراء والضراء حتى يتحقق ما يصبو إليه كل محب بهذه المدينة. ولن يتأتى ذلك إلا إذا كان بيننا جوي أخوي يسوده التفاهم التام بين اللاعب والمدرب والمسير، ورغبة كبيرة تجمع شملنا وتوحد كلمتنا...". التاريخُ يعيد نفسه، والانقسامات التي كانت قائمةً  في الماضي لا تقلّ قساوة عمّا هو موجودٌ في الوقت الراهن. كان الموسم الفارط موسما استثنائيٌاّ، أفضل من مجموعِ المواسم التي سبقتهُ في عهد الكرة المحلية، عرف نجاح  اليوسفية  في تحقيق ما كانت تسعى إليه منذ سنوات. ومثل عروس طلعت فوق العمارية، طلعت  إلى القسم الأول من البطولة الاحترافية، وأُقيم لها حفلٌ بهيجٌ نشطه أولاد البوعزاوي، وعطير، وسعيدة شرف، وعدد من المطربين الشعبيين المحليين. كان من المفترض أن يُبنى عليه، لكن قبيل نهاية الموسم، بتاريخ 24 ماي 2019،  ظهر المدرب سعيد الصديقي، الذي ارتبط اسمه بهذا الصعود، في خرجةٍ إعلاميةٍ حزينةٍ، وتحدث، لإحدى الصحف عن الجمهور المتصدع  بلغة المثنى. فقال، "مالنا الحقيقي جمهورنا، والمهم ثقة جمهورنا الذي ساندنا في هذا الظرف". وقال من جهة أخرى، "جمهورٌ لا يؤمن سوى بالشائعات وينسي النتائج والانجازات، أدعو إلى العودة إلى المدرجات". وعلى مشارِف نهاية هذا العام ، فاجأ رئيس الفريق الحاج نورالدين البيضي الوسط  الرياضي بتصريحه  لنفس الصحيفة قائلا: "أسسنا لفريق يشرِف المنطقة في ظرف وجيزٍ. لا أفهم سر غيابِ الجمهور عن المباريات، لكنني مستغرب أكثر لغياب اهتمام المسئولين (!) اليوسفية ستدفع ثمن بعض الصراعات السياسية، لذلك فضلت الانسحاب تاركا المكان لمن له القدرة على إنقاذ الفريق ".  معروفٌ عن الرئيس البيضي أنه رجل مكشوفٌ بدون قناع. لا يختلف  أصحابه وخصومه في تقييم سلوكه الانفعالي المباشر، وبقدر ما يسمّي الأشياء بأسمائها تسهل على القاصي والداني قراءتها. إن أندية كرة القدم تحديداٌ تُعتبر إحدى ضحايا السياسة، ومن الصعب فصل أي نادٍ عن محيطه السياسي، إذ غالباً ما يقال بأنّ هذا النادي محسوبٌ على هذا الطرف السياسي أو ذاك. اليوسفية تحترق فعلا  فوق جمرة الأزمة المالية، وتعاني من غياب  الجماهير عن المدرجات. لعل هناك دوافع سياسية  وراء الأزمة تهدف إلى ترجيح كفّة  الوزن السياسي  للبعض إزاء القوة الديموغرافية المتقلبة. وربما، والأكثر من ربما، قد يكون  العزوف الجماهيري عفويا، غير مبيّت وغير مرتبط بمؤامرات حزبية، وإنما سببه تواضع نتائج الفريق، وغياب المتعة وحسن الأداء، بالمقارنة مع الموسم الفارط . لكن كلمة السر المعقدة والغامضة  في نظرنا تبقى معلقة في  ثابتة كانت  ولا تزال تحكم  أرضية الانهيار وجذوره،  ألا وهي "لعنة" اليوسفيةّ التي لا ترحمُ أبدا، ولا تستثني أحداَ: " من حاول فك ظفائرها مفقود يا ولدي". نحن نتكلم عن الغيب، وأنت قد تعرف بدايات الانهيار وأسبابه، ولكنك لا تعرف تماماً ما سيتمخض عن الطلاق مع وقف التنفيذ، علما بأن الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ فيه رجعة، والأصعب ما زال في الانتظار. إنّها إشكالية عصرنا، بل كلّ العصور. هنا، أيضاً، يمكنك أن تسترشد بالماضي، وأن تعتبر أن ما نشهده هو تكرارٌ لمشهدٍ حَدث سابقاً، مع المرحوم الحاج محمد جمال الدين خليفة، الرئيس المؤسس الذي تركتْ بصماته الشخصية والمالية الأثر الأكبر على الفريق، قبل أن يقرر الابتعاد عن المشهد الرياضي الملون بالسياسة، والكف عن  معاشرة اليوسفية التي أدمنها وجعلها أولوية اهتماماته العامة. والمشكلةٌ كانت أن الحاج محمد جمال الدين خليفة يومها لم يكن حصراَ رئيسا لليوسفية، بل فِكر، وقِيادة، وشَخصية، ورمز معنوي بوصفه الأب المؤسس للفريق. المفارقة هي أنّ الذاكرة الجديدة ليست إلا وهْم الذاكرة القديمة، وما نعتقد أنه سيكون مستقبلا ليس إلا وهْماً لما كان عليه في الماضي. صالحةٌ للماضي، وللحاضر وللمستقبل هذه الكلمات: "الحب يا ولدي أًحلى الأقدار. وسترجع يوما يا ولدي مهزوما مكسور الوجدان، وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان". إن حُب اليوسفية  وهمٌ بمعنى من المعاني، ولكنه ليس سيئا   بالمطلق عندما  لا يكون لنا ملاذ غيره.  
كل من  يسكن برشيد يصبح من أهلِها. هذا ما يغفل عنه  البعض،  وتذكِرنا به اليوسفية  التي عرفت ثلاثة مراحل في حياتها الطويلة.  إنها عاشت المرحلة الاستعمارية التي شهدت تأسيس نادي "الكاب"، النواة الأُولى لليوسفية. ثم مرحلة  العيش في برشيد  الهادئة، كقرية عائلية، تأرجحت خلالها  الأخيرة  بين  الصعود إلى القسم الوطني الثاني والنزول إلى القسم الشرفي. وأخيرا، ها هي تعيش بداية الألفية الثالثة في مدينة  الضجيج، ومناخ الباعة الجائلين، مع الصعود إلى القسم الأول، وسياسة التعاقدات في البطولة الاحترافية. ليس جديداً في التاريخ أن تمر الفِرق الرياضية من هكذا مراحل عند التحولات الديموغرافية الكبرى وتحت ضغطها. ولكن الأهم هو المحافظة على تواصل الأندية مع بيئتها  الحاضنة، الوفية لها في السراء والضراء. نحن عندما نتحدث عن حاضنة نادي الرجاء البيضاوي نقول مرس السلطان والرمز الأب جيكو، ونقول الطاس فنقول الحي المحمدي والرمز العربي الزاولي. ولا ينكر  إلا جاهلٌ أو متعصبٌ تاريخ العلاقة الحميمية التي تربط درب آرلو بيوسفية برشيد ( انظر الجزء 2  حول المركب الرياضي القديم ودرب آرلو) والرمز الحاج محمد خليفة جمال الدين. لقد تأسست مدينة برشيد على قاعدة الانغلاق القبلي الذي يرفض الآخر ولا يعترف به.  وهي تشبهُ أي مجتمع تقليدي، منغلق على ذاته، جعل الكثيرين يعتبرون اللاعبين المنتدبين غرباء، أقل قيمة، غير مرغوب فيهم، دخلاء، لا يستحقون المبالغ التي تدفع لهم. هذه حقيقة قاسية جداً، لكنها حقيقة، حقيقة اجتماعية - ثقافية يجب أن ينتبه إليها  المسيرون  الحالمون بتحويل يوسفية برشيد إلى شركة رياضية. هذه  الخطوة الأخيرة،  أو الفكرة، تبدو هي الأفضل في ظل الانقسام السياسي الحاصل، ما دامت الأندية الأكثر نجاحاً فنياً وتسويقياً في عالم المستديرة، تتحول إلى شركات ذات أسهم ، أو تخلق  شراكةً وثيقة مع  الشركات، من أجل التخلص من الوصاية المالية  للسياسيين. وإلى ذلك الحين، يجب الاسترشاد بالحكمة الغيوانية الآتية: "قلال قلال حنا واش فينا ما يتقسم. عهدي بلوزيعة فلغنم خسرنا فيها كاملين". هنا ندخل في مشكلة الواقع المزدوج، حيث لا يعود النقاش حول ما إذا كنت ضد فلان  أو مع فلان، بل هل تريد بقاء اليوسفية في القسم الأول أصلا، أو تريد لها السقوط في قاع البئر. ربما كان يجب على المسيرين  امتصاص غضب المنتقدين والتشجيع على تغيير النمط  الاجتماعي- الثقافي للسلوك السائد، وذلك عن طريق احتواء الإعلام المحلي المعاكس، لأن كسب دعم الإعلام من الأمور الرئيسية اللازمة لإحداث تغييرات في المعايير الاجتماعية على صعيد المجتمعات المحلية. من جهة أخرى، من المفيد  إعداد برنامج  سنوي خاص بتكريم قدماء لاعبي اليوسفية، وإطلاق أسماء نجومهم، مثل ادريس باموس ومحمد العماري، على القاعة المغطاة وملعب الرازي. يقول الحكماء، اعمل المستطاع حتى تطاع.  وأما معاداة الصحافة والجمهور فهي لا تجدي نفعاً على الإطلاق، اسألوا مدرّب ريال مدريد السابق، وتوتنهام الحالي، جوزيه مورينيو. صحيح، وصحيح كثيرا أن اللاعبين المنتدبين لهم قيمة مادية. وهم  كسلعة تجارية صالحة للاستهلاك لمدة حياتهم التسويقية. وأما  قدماء اللاعبين الهواة فلهم قيمة معنوية، كرموز خالدة.  يغيب عن أذهان الكثيرين بأن العميد ادريس باموس مزداد بالفقرا، دوار أولاد العسري، وما أذراك ما أولاد العسري، الذين ينتمي إليهم المرحوم المصطفى شكري، بيتشو، نجم الرجاء البيضاوي. صحيح أيضا أن ادريس باموس تألق مع نادي الجيش الملكي، ولكن قلبه كان ينبض بحب يوسفية برشيد ونادي الرجاء البيضاوي. صحيح  جدا أن نجم يوسفية برشيد، اللاعب الأنيق جمال ولد السي خليفة، صاحب اللمسات السحرية المحفورة في ذهن كل محب وعاشق لليوسفية، كان من الممكن أن يتألق مع الرجاء البيضاوي الذي رغب في ضمه إلى صفوفه. لكن والده  السي خليفة الذي كان يرأس المكتب المسير لليوسفية قال للمبعوثين الرجاويين: " باغين تستمتعو  به في الرجاء، اللهم نستمتع به أن الأول في اليوسفية". قليلون هم الذين يعرفون بأن هذا الرجل العالم أدي مناسك الحج في صمت، بدون تطبيل ولا تزمير، وأحضر معه هدية واحدة فقط من بيت الله، قدمها لامرأة محتاجة تسكن بجاور بيته، ولم يحضر شيئا لأهله وأقاربه.
هكذا يكتب التاريخ نفسه، وهكذا يصححُ التاريخ نفسه. نبدأ بصعود  فريق يوسفية برشيد  إلى القسم الأول وننتهي إليه وفيه عندما كان يحمل اسم "الكاب". يكتب التاريخ الحديث أن صعود  الفريق إلى القسم الأول كلف ما يزيد على 760 مليون، ثم بلغت المصاريف خلال الموسم الفارط مليار و300 مليون، مقابل مليار و225 مليونا مداخيل، بفارق عجز قيمته 169 مليون. عندما أطل نادي "الكاب" برأسه إلى النور سنة 1921 لم يعمر أكثر من سنة واحدة، وتوارى عن الوجود في السنة الموالية، بسبب الضائقة المالية، وعدم القدرة عن دفع  واجبات الانخراط في عصبة الدار البيضاء لكرة القدم. وبعد مخاض عسير، جاءت ولادة  جديدة للنادي سنة 1927، وبقي ينزف مقاوما الموت، بسبب فراغ الخزينة، إلى مطلع الثلاثينات حيث تم تذليل العقبة المالية، بفضل اتفاق الساكنة الأوروبية على دفع واجب سنوي قدره 12 فرنك للفرد والتسجيل في أحد فروع النادي الأربعة، وهي: الرماية، التنس، ألعاب القوى، الكرة الحديدية. من أبرز الأشخاص الذين أسندت إليهم رئاسة النادي خلال  هذه الفترة، سيلفان موليني، وهو مقاول وصاحب ضيعة فلاحية؛ ماريا، مهندس الأشغال العمومية ببرشيد؛ وكونجو Conjeaud، ضابط متقاعد، ورب ضيعة بأولاد صالح، سبق  وأن شارك في عملية الإنزال العسكري الذي استهدف الإغارة على مدينة الدار البيضاء واحتلال الشاوية سنة 1908 ، وكتب مؤلفا  بعنوان : « Histoire militaire de la Chaouia, depuis 1894 » .  في سنة 1934، اعتذر السيد موليني، الرئيس المنتهية ولايته، للجمع العام عن الترشح من جديد للرئاسة، معللا قراره  بكثرة الأشغال التي لا تسمح له بأداء المهمة على أكمل وجه، بعد أن ترك في الصندوق  فائضا ماليا مهما.  وعلى إثر ذلك، تم انتخاب المهندس ماريا لتولي رئاسة النادي، وموليني نائبا للرئيس. خلال سنة 1934، دشن نادي "الكاب" المركب الرياضي  الأخضر في حفل كبير، ونظم  عملية "طامبولا" مكنته من تحصيل مداخيل محترمة. ومن جهة أخرى، قدم المقاول باتاكليا، الذي أشرف على بناء قباضة برشيد، دعما ماليا للنادي بقيمة 120 فرنك (اسم باتاكليا منقوش على لوحة رخامية بمدخل القباضة). كان  المهندس ماريا متخصصا في الهيدروليك، اشتغل في إدارة المياه والري بهانوي، الهند الصينية، وبجزر الأنتيل، وفي أشغال السد والمصانع الكهربائية بإيران.  وخلال الستة عشرة سنة من حياته المهنية التي قضاها بالمغرب، اشتغل على مشروع إمداد الدار البيضاء بالماء الصالح للشرب من مصادر وادي المالح، ثم انتقل للعمل بمراكش، ومنها إلى تادلة التي  أنجز بها تصميم قناة الري لسهل بني عمير . وفي سنة 1931، عين بمدينة  برشيد وأشرف على عملية أشغال الطرق العمومية بمنطقة الشاوية، إلى حين بلوغه التقاعد سنة 1936. إلى جانب الصفات المهنية التي  يتمتع بها ، كان المهندس ماريا يمارس لعبة التنس بتقنية كبيرة، عمل بنشاط على تنظيم دروس تدريبية في التنس، مكنته من تشكيل فريق متجانس بنادي "الكاب"،  شارك في عدة دوريات جهوية وأحرز عدة كؤوس. ساعدته في ذلك بنته الآنسة ماريا، بطلة المغرب للتنس ثلاث مرات.  في سنة 1935، أعيد انتخاب السيد موليني لرئاسة "الكاب"، وكان من بين الأشخاص الذين كان يشكلون عضوية المكاتب المسيرة المتعاقبة، بصفة مستمرة، السادة: لياندري، مولتو، بيجول، مات،مارياني، كارسيا، جاكوبي، دولاج...
عرضأخفاءالتعليقات
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية