بقلم الجيلالي طهير : بالأمس، انتخابات سب تمبر 2015

بقلم: برشيد نيوز/ الجيلالي طهير
يطلق على السياسة المحلية المتبعة في البلديات والجماعات القروية تسمية السياسة الصغيرة، يمارسها سياسيون صغار يحتمون بساسة كبار يبيعونهم التزكية الحزبية من أجل خوض الانتخابات الجماعية. في شهر سبتمبر 2015 ترشح عدد من السياسيين الصغار للانتخابات البلدية بمدينة برشيد، فاز منهم 39 متباريا، ينتمون لأربع لوائح حزبية. ذهبت إلى السيد عبد الرحيم كاميلي، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة، بعد  فوز لائحته ب 18 مقعدا، وتحالفه  مع  ثمانية منتخبين من حزب الاستقلال/ شباط.  واضطر 08 منتخبون من حزب العدالة والتنمية   إلى الركون إلى المعارضة، صحبة خمسة من مرشحي حزب التجمع الوطني للأحرار. 
السياسة والمال توأمان، وفي السياسة المال غاية الأمر ومنتهاه.  لذلك تحالف الرئيس الحالي عبد الرحيم كاميلي مع  الرئيس السابق محمد بن الشيب، وأدار ظهره لحزب  العدالة والتنمية الذي كان يتمتع بصلاحيات واسعة  في عهد هذا الأخير. " الأقوياء لديهم ما يجمعهم حتى ولو كانوا أعداء. وممارسة الحكم مع أعداء رأسماليين خير لك من أن تمارسه رجال دين أصدقاء" (*).
 تخلف عن الكوكبة وكلاء 11 لائحة حزبية، لم يبلغوا العتبة المطلوبة لتوزيع المقاعد،  وهو ما يذل على القطيعة بين هذه الأحزاب والهيئة الناخبة.  الشيء الوحيد الذي يلفت انتباه الناخبين إلى الأحزاب الصغيرة هو تواضع شخصية المرشحين الذين يمثلونها. والأمر المزعج عند هؤلاء  هو أن لا أحد يجاهرهم بحقيقة أنهم عديمو الجدوى. لذلك يتصرف بعضهم على أنهم سياسيون كبار" (*). على الرغم من الافتقار  للدعم الجماهيري، والنسبة المرتفعة المقاطعين للانتخابات، فقد نزل لفيف منهم إلى ساحة العيطة، قبالة مقر العمالة،  للاحتجاج على استعمال المال في العملية الانتخابية، مرددين  بمكبر الصوت:  " ارحل".  المجتمع المدني له حق الشارع، والمجتمع السياسي جزء من اللعبة،  ولا يجب الخلط بينهما. كتب يوسف بناش عن البوق والسياسة: " السياسة الصغيرة مثل التبول عند الرجال، لا تحتاج منك سوى يديك وعضوك. السياسي الحقيقي يصمت أكثر من مرة قبل أن يفكر" (*).
تبقى السياسة في برشيد صراع على السلطة، ونقصد بالسلطة قدرة مجموعات محظوظة على فرض إرادتها على إرادة مجموعات غير محظوظة. نبتعد هنا عن  التعريف الذي أعطاه  ماكس فيبر لمفهوم السلطة ، وهو إدارة الشأن العام من أجل صالح المواطنين. " السياسي الشريف مثل اللص الشريف لا وجود له،  والمواطنون الشرفاء لا يقبلون على السياسة،  لأنهم يستطيعون التكسب من شيء آخر.  لو كانت سمعتك طيبة وزجوا بك في الانتخابات، بعد دخولك لعالم السياسة سوف تفقد سمعتك الطيبة".  صورة الأستاذ محمد بوشنيف  في أذهان الكثيرين، خارج حزبه،  ليس هي  نفسها ما كانت عليه  قبل الانتخابات (*).  
عندما أدركت الوفاة أحزاب اليسار التي كانت تبيع الأمل لفقراء مدن القصدير، أصبح من الشروط لكي يصبح الإنسان ذا شأن سياسي أن يكون من أصحاب الأملاك.  ليس من الضروري أن تكون أملاكا كبيرة ، ويكفي أن تكون قابلة للتنمية، بفضل التسهيلات البنكية المساعدة على بناء وبيع الشقق الممتازة. 
إن الدور التقليدي للأبناك، والمتمثل في تحويل ودائع المدخرين ذات المدي القصير إلى استثمارات مربحة على المدى الطويل أصبحت  من التاريخ، نتيجة  استقلال الشأن المالي على الشأن الاقتصادي الذي أملته ديكتاتورية الربح السريع. من أخطاء  التسيير التي ارتكبها  سياسي صغير ورأسمالي كبير  في حجم  الرئيس السابق محمد بن الشيب  هو  تورطه في  بناء قيسارية برشيد التي بقيت أطلالا. لم  يفهم  بأن سياسة  بنك الجماعات المحلية ( صندوق التجهيز الجماعي) أصبحت منذ  اعتلائه  الحكم  تسير في ظل الأبناك العالمية . قالها أيضا علال القادوس: " بعض السياسيين صغار إلى درجة أنهم آخر من يعلم أن الأمطار بدأت في السقوط" (*).
كل الطرق المؤدية  إلى السياسة الصغيرة، قبل وبعد سبتمبر 2015، متوفرة ببرشيد، وهي كالتالي:
أن تملك أموالا فتؤسس حزبا خاصا بك، وتسميه الحزب الديموقراطي الوطني؛
 أن لا تملك أموالا فتفكك حزبا عتيدا، اسمه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛
أن تملك أموالا فتدخل في حزب قائم وتدفع بنفسك إلى منصب رئيس المجلس البلدي، مثل محمد بن الشيب وعبد الرحيم كاميلي، مع حفظ الألقاب؛
أن لا تملك أموالا، فتطلب التزكية من حزب صغير، أو من حزب كبير على مشارف الموت،  على أمل أن تبيع صوتك لمن يدفع أكثر عند تشكيل مكتب الرئاسة؛
تعرف شخصية ذات نفوذ في حزب سياسي كبير، تعينك  فيما يسمى بالجهاز التنفيذي للحزب، مثل الأستاذ  فؤاد قديري؛
تحظى بثقة رفاقك في حزب جد منظم، يمنحونك الزعامة بطريقة ديموقراطية. يؤكد التاريخ أن الأحزاب غير الشرعية  كانت دائما قوية ومتماسكة. ولا يزال  حزب العدالة والتنمية  كذلك على الرغم من خروجه  من السرية للشرعية، إذ لم يفقد قدرته على التكيف مع المستجدات السياسية، ولكل عهد جديد، زعيم جديد. يقولون عن أنفسهم : وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين.
 أتيت من حزب صغير لا يحقق لك ما تطمح إليه، فتلتحق بحزب أكبر  يضمن لك النجاح ، مثل  الوافد الجديد،  طارق قديري، مشروع رئيس عند حزب الاستقلال.
أتيت من حزب هوائي/ ميزان حطم طموحاتك على مستوى بلدية برشيد، فتلتحق بحزب هوائي/حمامة كي يعطيك قيمة أكبر، ولو على مستوى وصيف المرشح الأول للبرلمان. شيء طبيعي أن تختار الكائنات الهوائية بين الارتقاء وبين النزول.  هاجر سعيد طابي من المكي ، حيث عاصر  تدشين مقبرة الرضوان، إلى المدينة التي شهد بها  دشين مسجد غزوة أحد ، ثم عاد إلى المكي  يحمل راية  الجهاد الأكبر في المعرض الدولي للحبوب. الحمام مسالم لا مخالب له، يعيش حياة المحبة  الكاملة، لا يأكل فوق طاقته ولا يختزن الطعام.    (*). 
////
(*) اقتباسات من كتاب " أغبياء في السياسة (مذكرات سياسي ساخر)" . تأليف يوسف بناش، وترجمة خالد البلتاجي ( بتصرف).

TAG


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *