بقلم الباحث التهامي حبشي : من التنمية المحلية إلى التنمية الترابية (الحلقة الثالثة)

من التنمية المعطوبة...إلى التنمية المطلوبة (الحلقة الثالثة)
بقلم الباحث: التهامي حبشي.
3ـــ من التنمية المحلية إلى التنمية الترابية
3ــ1ــ في مفهوم التنمية المحلية: تولد مفهوم التنمية المحلية على إثر عدم جدوى وفعالية   السياسات الماكرو اقتصادية والمخططات القطاعية الوطنية، في حل المشاكل اليومية المطروحة على المستويات المحلية والجهوية، في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فإذا كانت فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، قد تميزن بهاجس الانخراط في ركب التنمية، فإنه منذ الثمانينيات تقريبا، أصبحت الأضواء مسلطة، أكثر فأكثر، على التنمية المحلية من طرف الباحثين والساسة والمخططين، وذلك نظرا لاتساع هوة الفوارق السوسيومجالية بين المركز والمحيط/ الهامش، ومن تمة بات الإدراك بأن التنمية  الحقيقية لا تتحقق إلا انطلاقا من الجماعات المحلية، التي تتوفر على مؤهلات ذاتية، وقادرة على استقطاب المشاريع الإنمائية، * ــ نجيب المصمودي، التسويق الترابي ورهان التنمية المحلية المندمجة بالمغرب: المقومات، التحديات، الرهانات، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، ماستر تدبير الشأن العام المحلي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة عبد المالك السعدي، طنجة، السنة الجامعية 2012ـ2013، منشور بمجلة جغرافية المغرب ـــ. ولهذا سنجد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سيعرف التنمية المحلية بكونها " ثمرة إنجاز يهدف إلى تحسين ظروف عيش السكان القاطنين بمجال معين، وذلك بكيفية مستديمة على المستويات المؤسساتية والجغرافية والثقافية" ، وقريبا من هذا التعريف، يرى الباحث غزافيي غريف، بأن التنمية المحلية هي " عملية تنويع وإغناء الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، فوق مجال ترابي معين، من خلال تعبئة وتنسيق موارده وطاقاته"ـــ أنظر في هذا الصدد الموقع الإلكتروني التالي::www.tanmia.ma 
  ولذلك، فمن المنطقي جدا أن يرى فاشون أن مقاربة التنمية المحلية هي المقاربة الأصلية، لأنها تسمح بإثارة وتعبئة العناصر الدينامية وموارد الجماعات الترابية، من أجل طرح أو اقتراح مشاريع جديدة ومواكبة للسيرورات الفردية والجماعية، في عمليات التغيير والتنمية*. فنبض التنمية، حسب فاشون، لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل، ولهذا الغرض ينبغي التضافر والانخراط  في مجموعة من الأنشطة المتنوعة، لجعل التراب ينمو ويتطور، انطلاقا من توليد المبادرات الخلاقة في مجالات الشغل والإنتاج* 2001 . فالتنمية المحلية تقوم أساسا على تعبئة وتثمين إمكانيات وموارد الوسط/ التراب، الذي يرفض الانتكاسة و الإقصاء، ويميل إلى إيجاد حلول لعدم الاستقرار، وللفقر و البطالة والأمية، رافعا تحديات التشغيل والتحديث والتنمية. وهنا يكون العمل التنموي  قائما على الإمكانيات المحلية، من موارد وأنشطة ومنظمات سكانية. ومن هذا المنظور، يرى الباحث زانا أن " تعبئة الموارد المحلية ينبغي لها أن تسبق كل طعن في عملية دعم المانحين الخارجيين"*. ومعنى ذلك أن التركيز على التنمية المحلية ، لا ينبغي له يقصي المساعدة الخارجية أو الآتية من فوق، أي تلك المعونات الآتية من الدولة/ الحكومة، أو من المنظمات الدولية، الحكومية منها وغير الحكومية. بل إن التكامل ضروري بين السند الخارجي والسند الداخلي في التنمية المحلية. فالسند الأول (الخارجي) له دوره على مستوى تحسيس وتعبئة السكان وإثارة الابتكار أو الأفكار الخلاقة، وصياغة المشاريع وتوفير  وتقدير الموارد الضرورية، وتقوية وتعزيز الإرادة والقدرة على الفعل، بينما السند الثاني (الداخلي) يتلقى المساعدات في شكل استثمارات مهيكلة على مستوىات التمويل والتكوين، وإدماج التقنية وتعلم التفاوض والتشاور واتخاذ القرار. ومن هنا تكون التنمية المحلية هي مجال التقاء بين ما ينبع من القاعدة السفلى وما ينزل من الجهات العليا.
  إن مفهوم التنمية المحلية ينحدر من نظرية التنمية الخارجية المشيدة من طرف كل من جون فريدمان ووالتر ستوهر ، و التي تم تطويرها منذ منتصف القرن العشرين، وهي نظرية تقوم على مكتسبات معرفية وعملية متعددة المحتديات أو التخصصات العلمية، ترى في مجملها أن تصرفات وأعمال الأفراد والمجموعات تميل إلى الاقتراب من هيئات المجتمع المدني والحكومات المحلية، و بالتالي فإن التنمية المحلية يجب أن تكون عملية تعلم جماعي وممارسة جماعية منظمة وفق عدة طرق ومنهجيات تحرك بشكل عام، في المجتمع المحلي،  ثلاثة عناصر أساسية هي:
ــ صياغة وسائل وأدوات إنتاج المعارف والمعلومات من أجل تحديد وتشخيص مختلف موارد المجال ( كما في عملية التشخيص الترابي للوسط أو المجال)
ــ وضع آليات وأدوات التشاور والتعبئة والتعاون بين مختلف الفاعلين الساعين إلى تحسين موارد المجال الترابي، من خلال تنظيم ملتقيات، وأيام دراسية، ومجموعات للعمل، ومجالس للتنمية المحلية...
ــ صياغة وتنفيذ المشاريع وفق نسق أو نظام مبني ومصاغ من أجل اتخاذ القرار و التدبير والتتبع والتقييم ( كما في مصفوفات الإطار المنطقي للمشاريع التنموية)*.
3ــ2ــ في مفهوم التنمية الترابية:
    يعتبر مفهوم التنمية الترابية ( ) آخر إنتاج في الأدبيات المرتبطة بتاريخ تحولات استعمالات مفهوم التنمية ككل، ــ المصمودي ــ وهو مفهوم ينهض، على غرار مفهوم التنمية المحلية، على أساس تجاوز أو تقويم السلبيات المرتبطة بمخططات التنمية الوطنية أو القطاعية، العمودية والأحادية الرؤية والاستراتيجية، ليشير إلى أن مضمون التنمية الترابية ينبع من مبادئ أساسية تتضمن الاهتمام بجميع المجالات الترابية للدولة الواحدة واعتبارها أجزاء مترابطة، إذا نما الجزء منها انتعش الكل. فالتنمية الترابية بهذا المعنى، هي التنمية التي تنطلق من خصوصيات الوسط الترابي وفق رؤية ترابية متكاملة، لا تتم بواسطة تدخل فاعل محلي دون آخر، وإنما تتم بواسطة سياسات متكاملة ومندمجة، تأخذ بعين الاعتبار مكونات المحيط والاعتبارات السوسيو اقتصادية و الخصوصيات الثقافية والتاريخية للوسط، وكذا الاختلالات السوسيو مجالية، وذلك في إطار من التكامل والتشارك بين مختلف المتدخلين في عملية إنماء التراب. ولذلك تركز التنمية الترابية على اعتماد المقاربة المندمجة والمقاربة التشاركية باعتبارهما آليتين تسمحان بتعدد الفاعلين وتدخلاتهم وفقا للتشخيص التشاركي لحاجيات الساكنة المحلية ــ  منير الحجاجي، التنمية المحلية التشاركية، مقاربة لدور المشاركة في إحداث التنمية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، وحدة تدبير الإدارة المحلية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الأول، سطات، السنة الجامعية 2006/2007،ص.42.ــ وبعبارة أخرى، فإن التنمية الترابية هي عملية مركبة تهدف إلى الرفع من المستوى المعيشي للسكان في مجال ترابي معين، وذلك عبر تنويع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بواسطة تفعيل وتنسيق موارد وطاقات هذا المجال الترابي، وبذلك فهي عملية ليست عفوية، بل منظمة ومخططة، تهدف إلى الانتقال من وضعية صعبة إلى وضعية أحسن، باستحضار خمسة أبعاد أساسية هي: المرتكز الترابي، المحدد في خصوصيات وموارد وقدرات وطاقات التراب المحلي، المرتكز  المؤسساتي، المتمثل في الجماعة الترابية كتنظيم إداري لامركزي مستقل قادر على إنتاج حكامة محلية جيدة تعمل وفق مبادئ التشاور والمبادرة، و التنسيق و الالتقائية، و التعاون والشراكة. و والمرتكز التاريخي، المتمثل في العناصر المشتركة بين الساكنة القروية، كالتقاليد والأعراف والثقافة المحلية والهوية الاجتماعية والبعد التبادلي أو التنافسي، ذلك أن أية جماعة ترابية لا يمكن لها أن تنمو دون أن تأخذ بعين الاعتبار الجماعات الترابية المحيطة بها، وكذا المحيط السوسيو سياسي أو الجغرافي أو الجهوي الذي تنتمي إليه، وبالتالي فالتنمية الترابية تفرض التفاعل والتبادل، والتنافس و التكامل، والتشارك والاندماج الشامل. وأخيرا البعد المندمج والمستدام، والمتمثل في الاندماج بين أهداف التنمية الترابية على مستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإنساني والبيئي ( التنمية المندمجة والمستدامة).ــ يونس سلامي، الشراكة قطاع عام ـ قطاع خاص، (التوجه المغربي على ضوء التجارب المقارنة)، مطبعة طوب بريس، الطبعة 1، مراكش، 1995،ص.7.
  فعلى نقيض المقاربة القطاعية للتنمية، التي كانت تنظر سلفا إلى المجال كإطار جغرافي معزول أو محايد، بدأ النزوع تدريجيا إلى توظيف مفهوم التنمية الترابية في البرامج والمشاريع التنموية باستحضار وإدماج مختلف الأبعاد المجالية والاجتماعية والإيكولوجية في  أنماط واستراتيجيات وأهداف التنمية المحلية، من أجل ضمان الفعالية و النجاعة والاستدامة في السبرورة التنموية. ــ موساوي محمد، تحولات العالم القروي....ص.1. 
   لقد أصبحت مسألة العودة إلى التراب المحلي كإقرار بأهمية مقاربة إشكالات التنمية بالمجالات الترابية المغربية ــ جنان لحسن،ص.14) أمرا  مطروحا بإلحاح من طرف أصحاب الفكر والسياسة والتخطيط،. فأمام التراجع التدريجي للدولة المغربية عن أدوارها التقليدية المتمثلة في المراقبة والضبط، إلى أدوار الشراكة والتحكيم، أصبح ينظر ، من قبل الأكاديميين ومختلف الفاعلين المكلفين بتدبير وتهيئة وإعداد وتنمية التراب، إلى الخصوصيات السوسيو مجالية على أنها فرص حقيقية للتنمية ولمواجهة أو منافسة تحديات العولمة الكاسحة، وبالتالي انصب الاهتمام على إمكان تعبئة الموارد والمؤهلات الذاتية للحيازات الترابية من أجل ضمان الاندماج الإيجابي والفعال في الأنساق الشمولية. ــ  حسن الكتمور،ص.27. وهكذا تم تفويض صلاحيات جديدة للجماعات الترابية في إطار توسيع الحقل الديمقراطي ومجال اللامركزية، مما سمح بظهور فاعلين محليين جدد إلى جانب آخرين قدماء لتدبير المجالات الترابية، وبالتالي بروز مقاربات جديدة للتنمية والتهيئة الترابية، قوامها بلورة استراتيجيات محلية قائمة على الثمين المنسق للموارد الخاصة بكل حيز ترابي، وتعبئة الفاعلين المحليين والجهويين حول مشاريع متقاسمة ومتفاوض حولها وهي المقاربة الترابية. ــ صديق عبد النور، التنمية الترابية وإعداد المجال بالمناطق السهوبية....ص.45. .
  لقد أصبحت المؤسسات الرسمية منذ مطلع الألفية الثالثة، بما في ذلك الجماعات المحلية مطالبة بإعداد وتنفيذ وتتبع وتقييم مخططات أو برامج عمل جماعية مبنية على أسس وقواعد ومنهجيات المقاربة الترابية التي تراعي مبادئ التشاركية والمساواة بين النوع الاجتماعي، وتحقق الالتقائية والتكامل والاندماج بين المشاريع التي تقبل عليها الجماعات الترابية ومختلف القطاعات الحكومية فوق تراب الجماعة ـــ جنان لحسن،ص.29..
 و عموما، إذا كان منطق التنمية الترابية إذن، هو تبني مبدأ البناء من الأسفل، وذلك بجعل تنمية الجماعات الترابية نقطة الانطلاق الأساسية لتنمية شاملة مستدامة ومندمجة ــ  انظر الرابط الإلكتروني....، فإن الأمر يتطلب في عمليات إعداد وتدبير وتقييم برامج ومشاريع التنمية الترابية، الارتكاز أعلى جملة من المقاربات والمنهجيات والآليات، منها: المقاربة التشاركية ومقاربة التدبير المندمج والمستدام لبرنامج العمل المحلي أو المشروع الترابي، و التواصل الترابي والتسويق الترابي، والنوع الترابي، والذكاء الترابي، والتاريخ الترابي/ الهوية المجالية، الروح الحضرية، وأماكن الذاكرة الجماعية، والتشبيك الترابي (الشبكات الترابية)، والتناغم الترابي، والتضامن الترابي/المجالي، والاستتراب التنموي، والمشروع الترابي. وكلها مفاهيم جديدة تبلورت في حقول وميادين التنمية الترابية.:
  إن المقاربة الترابية هي "تصور يهدف إلى إحداث الالتقائية في التدخلات من أجل مواجهة تحديات التنمية" ــ وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية....ــ ويتم ذلك فوق حيز ترابي محدد عن طريق مقاربة أفقية تقوم على تنسيق أهداف وتدخلات الفاعلين، وعلى التعبئة المتكاملة والشاملة لموارد هذا الحيز الترابي ــ  حسن الكتمور،ص.27.
لإعادة قراءة الحلقات السابقة اليكم الروابط


TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *