أخر الأخبار

بقلم الباحث التهامي حبشي : من التنمية المعطوبة...إلى التنمية المطلوبة...

من التنمية المعطوبة...إلى التنمية المطلوبة...
مساهمة في بلورة
مشروع نموذج تنموي جديد...
بقلم الباحث: التهامي حبشي.
" كل ما تقومون به من أجلي، وبدوني، فهو ضدي."
ــ المهاتما غاندي ــ
إضاءة أولية:
يوم 13 اكتوبر 2017، وبمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، صدح جلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي بقبة البرلمان، أمام نواب الأمة وممثلي وسائل الإعلام، مشددا على ضرورة: " إعادة النظر في نموذجنا التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد، وفق رؤية مندمجة لهذا النموذج كفيلة بإعطائه نفسا جديدا، وتجاوز العراقيل التي تعيق تطوره، ومعالجة نقط الضعف والاختلالات التي أبانت عنها التجربة..."، داعيا في هذا الصدد، إلى " اعتماد نهج المقاربة التشاركية..، مناشدا الجميع، من حكومة وبرلمان و مختلف المؤسسات والهيئات المعنية، وكفاءات وطنية وفعاليات جادة ، وجميع القوى الحية، كل في مجال اختصاصه، لإعادة النظر في نموذجنا التنموي، واعتماد حلول مبتكرة وشجاعة، من أجل بلورة مشروع نموذج تنموي جديد...، وإعمال وقفة وطنية جماعية، قصد الانكباب على القضايا والمشاكل التي تشغل المغاربة، والمساهمة في نشر الوعي بضرورة تغيير العقليات، التي تقف حاجزا أمام تحقيق التقدم الشامل، الذي نطمح إليه...وملائمة السياسات العمومية لتستجيب لانشغالات المواطنين، حسب حاجيات و خصوصيات كل منطقة.".
استلهاما بهذه التوصيات السامية، ومساهمة منا في تخصيب القوة الاقتراحية التنموية، وفي تفعيل النقاش العمومي، حول ضرورة نهج مقاربة تشاركية مندمجة، لتجديد أو "تثوير" نموذجنا التنموي الوطني، نقدم للمهتمين والمتتبعين والباحثين، سلسلة مقالات تحليلية مطولة، تقترح مجموعة من المفاهيم والمقولات، والنماذج والمنهجيات، والأنماط والمقاربات، وليدة عدة تجارب وخبرات وطنية ودولية في مختلف ميادين ومجالات التنمية البشرية المندمجة والمستدامة، والتي يمكن الاستئناس بها، أو استثمارها بشكل تفاعلي ودينامي، في مختلف عمليات أو مراحل إعداد وتدبير البرامج والمشاريع التنموية، على مستوى مختلف سلاليم الجماعات الترابية، المحلية منها، والإقليمية والجهوية، للدفع قدما بتجارب وأوراش التنمية الترابية أو المحلية، في أفق تعزيز وتقوية نسيج التنمية الوطنية، في إطار المشروع المجتمعي الحداثي والديمقراطي، المواكب لتحولات وتحديات العولمة الكاسحة، ولرهانات ومدارات القرية الكونية الشاملة.
1ــ التنمية: من الماكرو اقتصادي إلى الميكروسوسيولوجي:
من الصعب جدا حصر تحديد شامل، أو إيجاد تعريف جامع ومانع، لمفهوم التنمية. فالتعاريف على هذا المستوى، جد متنوعة ومتعددة، وتصطدم أحيانا بتأويلات مفتوحة ولا نهائية. ولهذا يمكن القول إن التنمية (Le développement)، بشكل عام، مفهوم فضفاض وتعويمي، ولكنه، مع ذلك، مفهوم حركي ودينامي. بحيث أن تتبع أصل ونشأة هذا المصطلح، وكذا تطورات استعمالاته وتوظيفاته، يبين لنا أن لفظة (التنمية) ظهرت لأول مرة في حقل البيولوجيا ( علم الإحياء) ، لتشير إلى النمو والتطور، أي لنمو الكائن العضوي من خلال التغذية، وانتقاله من مرحلة الولادة إلى مرحلة الشيخوخة، عبر مراحل الطفولة والمراهقة والشباب والكهولة. وقريبا من حقل الإحياء، سيرد استعمال لفظة (تنمية) في الأوساط المجتمعية، للدلالة على تلك المبادرات أو العمليات من المساعدة الغذائية ، التي كان يقدمها بعض أفراد الطبقات الغنية، لفائدة بعض الفئات الاجتماعية المسحوقة، من ضحايا المعارك الطاحنة للحرب العالمية الثانية، وخاصة منهم الأطفال والمراهقين والشباب، لمساعدتهم على النمو البدني أو العضوي، البيولوجي والفيزيولوجي والسيكولوجي. و من هنا، كانت المساعدة المادية أو المساهمة العينية في نمو/ تنمية الفقراء، هي الوجه الآخر للميدالية عند الأغنياء. يقول أروسينا الخبير الدولي في التنمية: "إن الذين اقترحوا استعمال هذا المفهوم (التنمية)، اعتبروا أنفسهم نامين ومتطورين، بمعنى أنهم ينتمون إلى مجتمعات بلغت مرحلة سن النضج، وبالتالي فعليهم إمداد فوائد البلوغ أو الرشد إلى كل بقاع المعمور".(َArocena.J. L’avenir des régions et la problématique sociale, Conférence de l’Association de Sciences régionales de langue Française, Montevideo ,Uryguay,2002)
وبهذه الحمولة النفسية والاجتماعية، التي تخفي بين طياتها نزعة متمركزة حول الذات (Egocentrisme) في استعمال المفهوم وتوظيفاته المتعددة، ستنتقل لفظة (تنمية) إلى الاستعمال في حقل الاقتصاد (السياسي) خلال الخمسينيات من القرن الماضي، لترتبط بمفهوم النمو الاقتصادي (La croissance économique) الذي يقاس به تطور المجتمعات البشرية في إطار نظريات التنمية اللامتكافئة، وما استتبعها من تصنيفات ما كرو اقتصادية متمركزة حول الذات أيضا، لدول العالم، إلى دول المركز المتطور والنامي، ودول المحيط أو الهامش المتخلف، أو دول العالم الثالث السائرة في طريق النمو. ( نظريات التنمية والتخلف، والمركز والمحيط، مع غندر فرانك وسمير أمين على سبيل المثال لا الحصر.).
إلا أن النظريات الكلاسيكية للتنمية أو النمو الاقتصادي، ستتعرض إلى نقد جذري، وخاصة مع بروز حقل الاقتصاد الاجتماعي أو الاقتصاد التضامني(L’Economie Solidaire)، الذي سيركز على مفهوم التنمية الاجتماعية (Le développement sociale) بدل الاقتصار على مفهوم التنمية الاقتصادية، وذلك، على اعتبار أن المقياس الحقيقي لتحقيق النمو الاقتصادي ، هو الرفع من مؤشرات عيش الناس، وخاصة الفقراء منهم، لأن الغاية من النمو هي تنمية المجتمع ككل، وليس فئات محظوظة ومحدودة. ومن هنا أعيد النظر في تصنيف الدول على مقياس النمو، وبدأ الحديث عن التعاون شمال جنوب أو غرب شرق، لبلوغ التنمية الاجتماعية التي تستهدف تنمية فئات اجتماعية مستهدفة بدقة، من طرف مخططات وبرامج ومشاريع التنمية، الوطنية منها والقطاعية، تأتي في مقدمتها الفئات الهشة، كسكان المناطق أو المجالات الترابية الفقيرة، وسكان الأحياء العشوائية والدواوير المهمشة، وفئات الأطفال والنساء والشيوخ في وضعيات صعبة...ففي نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين، سيظهر مفهوم التنمية التشاركية (Le développement participatif) في إطار استراتيجيات التنمية لمدة عقد من الزمن (10 سنوات). وذلك على أساس المقاربة التشاركية، أي من منظور جديد للتنمية يعطي مكانة أساسية ومتميزة لمشاركة وانخراط السكان في تحديد المشاكل المحلية، وفي تشخيص الحلول المرتبطة بها، من أجل ضخ المزيد من الفعالية والجدوى في البرامج والمشاريع التنموية، المتعلقة بتلبية الحاجيات والأولويات الأساسية للساكنة. وقد جاءت هذه المقاربة لتجاوز المقاربات التنموية الأحادية الرؤية، أو المقاربات المتمركزة والعمودية للتنمية التي لم تترك أي حظ أو موقع لمشاركة الساكنة في عمليات اتخاذ القرارات التنموية، بأن وضعت الدولة نفسها في موقع صاحبة القرار الوحيد في تقدير وتحديد حاجيات السكان، وفي وضع برامج ومشاريع التنمية السكانية، متجاهلة أن " الوسيلة الوحيدة لإنجاح سياسة أو استراتيجية تنموية ما هي أن نوكل تحقيقها إلى أولئك الذين لهم المصلحة أو المنفعة في نجاحها" ( Muller,1992). ومن منظور أكثر شمولية، ترى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (L’OCED) بأن " التنمية التشاركية تقتضي الديمقراطية أولا، وإعطاء الدور الكبير للمنظمات المحلية، ومنح استقلالية كبرى للإدارات اللاممركزة، واحترام حقوق الأفراد والجماعات، بما فيها المنظمات القانونية الفعالة والممكن الوصول إليها."
و سيرا على هذا النهج التشاركي في التنمية، سيظهر، في نهاية الثمانينيات ، مفهوم التنمية المستدامة،(Le développement durable) الذي سيكون موضوع أول تعريف له في تقرير منجز بطلب من الأمم المتحدة سنة 1987 من طرف اللجنة العالمية للبيئة والتنمية. وهي تضم خبراء دوليين برئاسة الوزير الأول النرويجي كرو هارلم بريندتلاند(Gro Harlem Brundtland)، و المعروف أكثر، بتقرير بريندتلاند (Rapport Brundtland,1987). وقد جاء فيه ما يلي: " التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي حاجيات الحاضر بدون أن تؤثر في قدرة الأجيال المستقبلية على تلبية حاجياتها". بمعنى أن التنمية المستدامة هنا هي التي تدمج بين مختلف مجالات الاقتصاد والبيئة بغية ضمان التوزيع العادل للموارد والثروات بين الأجيال وبين دول الجنوب والشمال. فالاستدامة التنموية هنا، تكاد تكون شرطا واقفا أمام مختلف الأنشطة الاقتصادية البشرية، حتى تراعي الشروط أو الحدود البيئية، لضمان الحفاظ على الموارد الإيكولوجية، استجابة لحاجيات ومتطلبات الحياة بالنسبة للأجيال المستقبلية أو القادمة...
وقريبا من مفهوم التنمية المستدامة، بل وفي إطار علاقة تشارطية معه، سيبرز مفهوم التنمية المندمجة، أو بالأحرى مقاربة التدبير المندمج(L’approche de gestion intégrée) لبرامج ومشاريع التنمية البشرية. فحسب موريز، التنمية المندمجة هي " تنمية منطقية وعقلانية تستهدف، بغرض تحقيق النمو، كل المظاهر التابعة لبعضها البعض، بالكيفية التي لا ننسى معها كل شرط من الشروط الضرورية للتنمية"(Morize ,1992). فالتنمية المندمجة، بهذا المعنى، هي التي تقوم على نظرة شمولية ومنتظمة في المقاربات والتدخلات، على عكس المقاربة العمودية أو القطاعية. إنها التنمية المندمجة الشاملة والنسقية التي تعتبر وسط أو حقل أو مجال التدخل كنسق متفاعل ومتكامل، أي كمجموعة من العناصر المتفاعلة، المنتظمة والمتكاملة بشكل نهائي. وبناء عليه، فإن الأخذ بعين الاعتبارــ بالنسبة القائمين بالتنمية ــ لهذه العناصر ككل لا يتجزأ في المقاربات والتدخلات، يسمح بالتقليص من احتمالات أخطار فشل إنجاز المشاريع وبلوغ الأهداف المتوخاة من مختلف عمليات وتدخلات التنمية. وبالتالي، فعلى الأعمال والجهود التشاركية والتعاونية في التنمية أن تحدد المبادئ الأساسية التي تتيح للتدخلات أن تستجيب للهموم والاهتمامات الحقيقية للسكان، الذين هم وحدهم القادرون على التعبير عن حاجياتهم وأولوياتهم التنموية بكل دقة وموضوعية..
وسيتجه البحث في التنمية الاجتماعية ليصير شيئا فشيئا، أكثر انسانية، ,اكثر التصاقا بقضايا تنمية الإنسان، كيفما وأينما كان...من منظور إنساني أخلاقي، ووفق مؤشرات موضوعية تقيس درجة العوز او الرفاه في أي مجتمع كان. وهنا سندرج مفهوم التنمية الإنسانية، أو بالأحرى التنمية البشرية (Le développement Humain). الذي ستعتمده هيئة الأمم المتحدة ، ابتداء من سنة 1990 ، وستشرع في اعتماده، بناء على مؤشر التنمية البشرية (IHD) الذي يشير إلى قياس مستوى الرفاه والرعاية الاجتماعية لدى شعوب العالم، بغرض تنمية الدول الضعيفة بتحسين أوضاع عيش المواطنين بها. ويتعلق الأمر وفق هذا المؤشر الذي ابتكره عالم الاقتصاد الباكستاني محبوب الحق بمساعدة العالم الاقتصادي الهندي أمارتيا سين(ََََAmarta Seen) الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لسنة 1998، بقياس مستوى عمر المواطن ومستويات التعليم والصحة والعيش. لقد حصل هنا ما يشبه ثورة جديدة في مفهوم التنمية الاجتماعية، من خلال إدخال القيم الأخلاقية والإنسانية ونظرية الاختيار الاجتماعي، في معالجة قضايا الفقر والهشاشة الاجتماعية، في علاقتها بالمساواة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. بما يعني الاستناد إلى آراء واختيارات ومصالح وتفضيلات الأفراد والجماعات، للوصول إلى قرارات تنموية جماعية، تراعي حاجيات وأولويات الساكنة أو الفئات المستهدفة من برامج أو مشاريع العمليات التنموية. ومن هنا غدت التنمية (البشرية) هي تنمية الإنسان، بالإنسان، ولفائدة الإنسان. فمن أولويات فرضية التنمية البشرية، أنه لا يمكن اختزال مفهوم التنمية في مستوى الدخل، بل لا بد من إدخال مبدأ العدالة السوسيومجالية، أي التوزيع العادل، اجتماعيا ومجاليا، للثروات المادية/ الاقتصادية والمعرفية والرمزية (الرأسمال المادي + الرأسمال الرمزي). وضمن هذا المنظور، يعتبر الفقر المتعلق بالدخل أو الفقر المالي، مجرد عنصر من عناصر الحرمان الذي يطال القدرات البشرية. وبالتالي، تصبح التنمية البشرية تنبني على مفاهيم الفرص والقدرات البشرية، من خلال سعي الأفراد والجماعات إلى توسيع اختياراتهم وحرياتهم، من خلال العمل على تجاوز الحريات السلبية أو الشكلية، نحو تبني الحريات الإيجابية أو الفعلية، كالحقوق السياسية والمدنية، المرتبطة بالديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان ( الحق في التصويت، في التعبير، وفي المشاركة)، بوصفها أساسيات أولية في العيش البشري أو التنمية البشرية، التي يمكن تعريفها بأنها عملية توسيع الخيارات المتعددة للإنسان، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، والمعرفية والثقافية، في اتجاه تحقيق التنمية الإنسانية. فالتنمية البشرية، تتسم بالربط بين الأوجه الكمية لمنطق التنمية الاقتصادية والمالية، والأوجه الكيفية للعيش الاجتماعي، ويتعين عليها أن تتيح لكافة الفئات الاجتماعية، وخاصة منها الفئات الأكثر فقرا، الولوج السهل إلى الخدمات الأساسية، المتعلقة بالتغذية والصحة، والتربية، والتعليم...وكل ذلك، مع مراعاة البيئة السليمة واختيارات الاجيال الصاعدة (مبدأ الاستدامة).
وفي هذا الإطار، يشير تقرير الخمسينية حول التنمية البشرية بالمغرب، إلى ضرورة اعتماد مفهوم الإمكان البشري للسكان وتطويره على مستويات المكونات الديمغرافية والاجتماعية والطبيعية والثقافية، كما يشير إلى ضرورة تحرير الإمكان البشري للدولة والجماعات الترابية، من خلال تقوية البناء الديمقراطي، وتعزيز المسار المؤسساتي للدمقرطة، وتحديث آليات الحكامة الجيدة،...مع تثمين الإمكان البشري لحياة الناس، على مستوى الصحة والتربية والولوج إلى الخدمات الأساسية...علاوة على تعبئة الإمكان البشري، من حيث هو قوة عمل وإنتاج للثروات، من خلال دعم اقتصاد التعاونيات والفرص المدرة للشغل، دون إغفال تعبئة الإمكان المادي والطبيعي، كإطار ومورد للتنمية البشرية، من خلال حسن تدبير الموروث الطبيعي والمادي للمجال الترابي. ( راجع في هذا الصدد تقرير الخمسينية حول التنمية البشرية بالمغرب، سنة 2005).ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتبع.......
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق