الدروة تحتضن ندوة تربوية حول (تخليق الحياة المدرسية) بمقاربات تشاركية تجمع البعد القيمي والنفسي والإعلامي
برشيد نيوز: متابعة
احتضنت مدينة الدروة، بعد زوال أمس السبت 16 ماي الجاري ، لندوة تربوية علمية تحت عنوان (تخليق الحياة المدرسية: مقاربات تشاركية)، نظمتها جمعية آباء وأمهات و أولياء تلميذات وتلاميذ الثانوية التأهيلية طارق بن زياد بالدروة، بشراكة مع إدارة المؤسسة والمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية ببرشيد، وذلك بحضور عدد من الشخصيات المهتمة بالشان العام و التربوي وقد كان من بين الحضور النائب البرلماني محمد البوعمري، إلى جانب ثلة من الأطر التربوية والفاعلين في مجالات التربية والإعلام والإرشاد النفسي والديني و المجتمع المدني و بعض أولياء التلاميذ.
واستُهلت أشغال الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبها أداء النشيد الوطني، في أجواء طبعتها روح المسؤولية والانخراط الجماعي في مناقشة التحديات الأخلاقية والسلوكية التي أصبحت تواجه المدرسة المغربية.
وشهدت الندوة مشاركة نخبة من المتدخلين، من بينهم الدكتور عبد المغيث بصير رئيس المجلس العلمي الإقليمي ببرشيد، والدكتور هشام زيزان رئيس مصلحة الشؤون التربوية بالمديرية الإقليمية، والدكتور محمد الملوكي أستاذ بجامعة محمد الخامس، والأخصائية النفسية خديجة حسين، والأستاذ عبد العزيز أيت الحاج عن فيدرالية جمعيات آباء وأمهات التلاميذ بالمغرب قادما من مدينة مراكش، إلى جانب الأستاذ محمد خجلي الإطار التربوي السابق والإعلامي ورئيس جمعية الصفوة، فضلا عن رئيس الجمعية المنظمة أحمد فنان.
وفي مداخلته، أكد الدكتور عبد المغيث بصير أن المدرسة لم تعد مطالبة فقط بتلقين المعارف، بل أصبحت مطالبة كذلك ببناء الإنسان المتوازن أخلاقيا وسلوكيا، مشددا على أهمية استثمار البعد الروحي في تهذيب السلوك، وبناء الحصانة الذاتية للمتعلمين عبر التزكية الأخلاقية والدعم النفسي والروحي. كما دعا إلى تحسيس الأسر بمسؤوليتها التربوية، والتعامل بجدية مع مظاهر الاختلالات السلوكية داخل الوسط المدرسي.
من جهته، أبرز الدكتور هشام زيزان أن تخليق الحياة المدرسية ينطلق أساسا من ترسيخ منظومة القيم والسلوك المدني، مذكرا بانخراط مصلحة الشؤون التربوية والمديرية الإقليمية في بناء شراكات متينة مع الأسر وجمعيات الآباء وفعاليات المجتمع المدني والإعلام، بهدف توحيد الخطاب التربوي بين الأسرة والمدرسة، باعتباره مدخلا أساسيا لمعالجة عدد من الظواهر السلبية.
أما الدكتور محمد الملوكي، فقد تناول في مداخلته موضوع “الأسرة وبناء القيم”، متوقفا عند مفهومي الاستقامة والنزاهة باعتبارهما أساسا لتخليق الحياة المدرسية، مشددا على أهمية القدوة والنموذج السلوكي في التربية، بدل الاقتصار على الخطاب الوعظي، مع الدعوة إلى اعتماد الحوار والإقناع بدل اللغة الآمرة.
وفي الجانب النفسي، قدمت الأخصائية خديجة حسين قراءة تحليلية للسلوك المنحرف داخل الوسط المدرسي، مبرزة البواعث النفسية التي تفسر بعض الاختلالات السلوكية، مع الاستشهاد بعدد من المقاربات السيكولوجية المساعدة على فهم هذه الظواهر وسبل معالجتها.
بدوره، شدد الأستاذ عبد العزيز أيت الحاج، ممثل فيدرالية جمعيات آباء وأمهات التلاميذ بالمغرب، على ضرورة الانتقال من علاقة يسودها ضعف التواصل بين الأسرة والمدرسة إلى علاقة قائمة على الثقة والتكامل، داعيا إلى اعتماد ميثاق تربوي وأخلاقي يحدد الواجبات والالتزامات المتبادلة بين مختلف الأطراف المتدخلة في العملية التربوية.
أما الإعلامي محمد خجلي، فقد تطرق إلى مظاهر وأسباب السلوكات المنحرفة بالوسط المدرسي، مبرزا العلاقة بين الإعلام وتخليق الحياة المدرسية، ومحذرا من خطورة بعض المضامين الرقمية ووسائط التواصل الاجتماعي في التأثير على الناشئة، معتبرا أن الإعلام يمكن أن يكون أداة للبناء والتوجيه كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لنشر السلوكيات المنحرفة إذا لم يتم التعامل معه بوعي ومسؤولية.
وفي كلمة مؤثرة، أكد أحمد فنان، رئيس جمعية آباء وأمهات وأولياء أمور التلاميذ بمؤسسة طارق بن زياد، أن تنظيم هذه الندوة (ليس ترفا فكريا، بل استجابة لمرارة الممارسة وشروخ الواقع)، مقدما مجموعة من الإحصائيات والمعطيات التي تعكس عمق الاختلالات السلوكية داخل الوسط المدرسي، مع التشديد على ضرورة صياغة ميثاق أخلاقي يعيد الاعتبار لمنظومة القيم داخل المدرسة.
كما لم يُخفِ الصوت الحقوقي خلال الندوة حجم المسؤولية التي يتحملها الفاعل السياسي تجاه مختلف مظاهر الإخفاق أو الإصلاح داخل المجتمع، باعتبار أن قضايا التربية والقيم والسلوك ليست معزولة عن طبيعة الاختيارات والسياسات العمومية المعتمدة.
وأكد المتدخل أن واقع المدرسة والمجتمع يظل رهينا بنوعية وتوجه الفاعل السياسي، وبالقدرة على إنتاج سياسات تربوية وثقافية واجتماعية قادرة على مواكبة التحولات والتحديات الراهنة، دون إغفال مسؤولية المثقفين وفعاليات المجتمع بصفة عامة، خاصة خلال المحطات الانتخابية الديمقراطية التي تُفرز الجهات والأشخاص الذين يتولون تحديد التوجهات الكبرى والسياسة العامة طيلة الولايات الحكومية.
وقد تميزت الندوة بتفاعل كبير من طرف الحضور، من خلال مداخلات وأسئلة أثنى عليها المؤطرون، حيث انصب النقاش بشكل كبير حول مسؤولية الأسرة والمجتمع في مواكبة الناشئة، وأهمية استحضار المقاربة الروحية والنفسية والأخلاقية في معالجة التحديات التي تواجه المدرسة المغربية، دون إغفال التأثير المتزايد للإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، خاصة عبر الهواتف الذكية، وما تفرضه من ضرورة التعامل الواعي والمسؤول مع الفضاء الرقمي حماية للأجيال الصاعدة.
واختُتمت أشغال هذه الندوة العلمية بتوزيع شواهد تقديرية على الشخصيات والأطر التي ساهمت في تأطير وإنجاح هذا اللقاء التربوي، اعترافا بمجهوداتهم وإسهاماتهم في إثراء النقاش حول تخليق الحياة المدرسية، قبل أن تُختتم الندوة بأخذ صورة جماعية جمعت المؤطرين والمنظمين وبعض الحضور، في أجواء عكست روح التعاون والشراكة خدمة للمدرسة العمومية وترسيخا لقيم المواطنة والأخلاق داخل الفضاء المدرسي، ليُختتم هذا الموعد التربوي والعلمي بحفل شاي أُقيم على شرف الحضور، شكّل مناسبة لمواصلة النقاش وتبادل الآراء في أجواء أخوية وتواصلية.



