عاجل آخر الأخبار
مباشر
wb_sunny

خير عاجل

✍️جرة قلم✍️ الحلقة السادسة عشر: أحزمة الهامش،حين يتحول الإقصاء إلى سياسة صامتة..و من تركوا خارج التخطيط يدفعون قسرا إلى حافة الإنحراف

✍️جرة قلم✍️ الحلقة السادسة عشر: أحزمة الهامش،حين يتحول الإقصاء إلى سياسة صامتة..و من تركوا خارج التخطيط يدفعون قسرا إلى حافة الإنحراف

 


 برشيد نيوز: بقلم ذ. نجاة زين الدين

في هوامش المدن الكبرى، و على أطراف كل تمركز حضري بالمغرب تقريبا، تمتد أحياء عشوائية ليست طارئة على الجغرافيا، بل نتاج مباشر لسياسات تنموية معطوبة، و للهجرة القروية التي دفعت بفلاحين بسطاء، أنهكهم الجفاف و التهميش، إلى البحث عن الإستقرار و العمل القار، فوجدوا أنفسهم محاصرين بواقع أشد قسوة من الذي فروا منه مع كامل الأسف...

فهذه الأحزمة العشوائية، التي تحمل في تسمياتها دلالات ثقيلة و موحية بالعنف و التدمر و اليأس و الإحباط و إستعمال القوة أو الأصل القبلي و المجالي مثلا:

درب دراع، دوار القوة، دوار الخيط، دوار عبدة، دوار مزاب، دوار الصخر، دوار المخزن، دوار الحلفة….الخ...

ليست مجرد أسماء بل هي إختزال رمزي لتاريخ من الإقصاء، و لشعور جمعي يصدح بأن الإنتماء هنا بهذه المواقع لا يبنى على المواطنة، بل على منطق البقاء بالقوة أو بالتحايل أو بالإستسلام لمسلسل التهجين أو التهميش المطبوخ في الغرف المظلمة للسياسات الإقصائية للمسؤولين و لمدبري الشأن الترابي بوطننا العزيز الذين حددوا السياق العام لصيغة إدارة و تدبير هذه الأحياء...

1)من التهميش إلى الإنفجار الإجتماعي الصامت:

إلى متى سيستمر التجهيل المقصود الناتج عن بعد المؤسسات التعليمية، و غياب دور الشباب، و ندرة الفضاءات الثقافية و الرياضية الحاضنة؟؟؟ و إلى متى ستبقى المؤسسات التعليمية بدون خزانات أو مكتبات آوية؟؟؟

إلى متى سيبقى الطفل في هذه الأحياء محاصرا بين الأزبال، و الفراغ، و مافيات تجار المخدرات التي تتحين فرصة إسقاطه في شباكها في كل برهة و حين؟؟؟ و خاصة للعنف الرمزي و المادي، ليطلب منه لاحقا أن يكون “مواطنا صالحا”  يا للعجب؟؟؟

إن هذه المناطق، التي تترك دون بنى تحتية حقيقية، تتحول بفعل الإهمال المتراكم إلى بؤر سوداء و مستنقعات للجريمة و للإفتراس المتبادل،   ليس لأن ساكنتها أرادت ذلك، بل لأن الدولة و المجتمع السياسي بأحزابه اللامفعلة قررا- صراحة أو ضمنيا أن يؤجل إنصافها إلى أجل غير مسمى...

و هنا تتكشف المفارقة الخطيرة:

فهذه الأحياء توصم بالإنحراف، بينما هي في الواقع ضحية منظومة منطق الإقصاء و التسويف و التماطل في حل أسباب هذا البؤس و هذا الفقر المسبب له، فهذه الأحياء تتهم بأنها حاضنة للجريمة، في حين أنها مستهدفة من مافيات المخدرات التي تستغل الفراغ، و الفقر، و غياب الدولة الإجتماعية و الأمنية المفعلة، ليتحول أبناءها إلى وقود سهل و إلى أرقام عددية ضمن لائحة المستهلكين و  الضحايا بكل إستسلام و يأس أو تحت طائلة هذا الأخير (اليأس)و إحباطاته إلى أحد تجاره و بيادقة تسويقه، بحثا عن إثبات الوجود بمنطق القوة و إنتقاما من مجتمع الإقصاء و التهميش الذي كان ضحيته...

2)مسؤولية مشتركة أكيد… لكن قرار الفصل بيد من يملكون السلطة:

لا يمكن إنكار مسؤولية بعض المواطنين، و لا التغاضي عن الإختلالات الذاتية و لا إغفال الهشاشة النفسية لمواطني  هذه الأحياء، لكن الخطأ الأكبر هو تحميل الضحية كامل الوزر، في حين أن:

السلطات المحلية بدورها تعاني خصاصا حادا في الموارد البشرية و الأمنية و الإرادة الحقيقية لإحقاق التغيير...فالأجهزة الأمنية، سواء الأمن الوطني أو الدرك الملكي، لا يمكنها تغطية المجال بالنجاعة المطلوبة بسبب نذرة العدد، و إن كان منسوب البطالة  يطرح أكثر من إلحاحية الحل الإستعجالي لهذه النقطة بالضبط( على الدولة أن تفتح مباريات للتوظيف أمام أبناء الشعب)...

و الأحزاب السياسية بدورها تدير جماعاتها الترابية بمنطق إنتخابي ضيق و أناني، ليكرس التمييز بدل معالجته، بإبقائها  للوضع على علته بالتسويف في الإنجاز التنموي الموعود منذ عهود و عهود و عهود.

و بهذا، تتحول هذه المناطق إلى إحتياطي جماهيري إنتخابي موسمي فقط، يستدعى كل خمس أو ست سنوات، ليوظف كأصوات أو كبوق للبؤس لتتغدى عليه الوعود الكاذبة المؤجلة و المحينة لهذه الأحزاب الحاضرة/الغائبة في ظل برامج الإستحقاقات التشريعية فقط،  ليعاد إلى الهامش من جديد بمجرد إنطفاء أضواء الحملة مع كامل الأسف: واقع مهين و حقيقة مرة...

3)السين التي لا تتحقق سنفعل… سننجز… سنغير...:

كم مرة سمع سكان هذه الأحياء تلك السين الثقيلة؟

سننجز… سنوفر… سنقضي…لكي لا يتحقق سوى شيء واحد:

بيع الأصوات بفتات مهين، 200 درهم (10 سنتيمات لليوم الواحد)مقابل صمت جديد، و تأجيل آخر للحلم عفوا الوعد عفوا التسويف...

و هنا يصبح السؤال أكثر إيلاما:

كيف نطلب من شاب نشأ وسط القهر و الفراغ و الفقر أن يؤمن بالسياسة و أن يثق من جديد في السياسيين الذين لا يرتادون تلك الأحياء إلا قبل الإستحقاقات بأسبوع عن طريق جمعيات الأحياء التي أصبحت بدورها دكاكين مصغرة لتلك الأحزاب السياسية( الدكان الكبير)؟؟؟

كيف ندين إنحراف هذا المراهق، و نحن من صادرنا طفولته و حقه في العيش الكريم؟؟؟

4)حين تتحول الأزبال إلى عنوان للتهميش الصارخ

دوار مزاب و تجزئة الحمد… كرامة منسية في قلب عمالة مديونة نموذجا:

ليست الأزبال المتراكمة بمطرح دوار مزاب و تجزئة الحمد مجرد نفايات صماء تتكدس في الحاويات لتفيض عنها، بل هي شهادة يومية على إختلال عميق في تدبير الشأن المحلي، و مرآة تعكس بوضوح فجوة صارخة بين ما يرفع من شعارات حول العدالة المجالية، و ما يعيشه المواطن البسيط في الهامش المنسي من واقع قاس و مؤذي للكرامة و ساحق للأمل.

ففي هذه الرقعة التابعة ترابيا لعمالة مـــديـــونــــة مثلا، تقبع الحاويات ممتلئة طيلة الأسبوع، دون رفع منتظم، و دون إعتبار لما تخلفه من مخاطر صحية و بيئية، و كأن صحة الساكنة تفصيل ثانوي في معادلة التدبير، أو عبء زائد لا يستحق الإستعجال.

 5)حين تصبح الأزبال خطرا صحيا لا يرى:

إن إستمرار تراكم النفايات المنزلية في فضاءات سكنية مكتظة، و تركها  تتعفن تحت الشمس، في هذه الأيام الماطرة، التي تعد فرصة سانحة للتخلص من أوساخ الأزقة و الأحياء بسهولة، ليس فقط مظهرا من مظاهر الإهمال، بل تهديدا مباشر للصحة العامة: روائح كريهة، حشرات، قوارض، تكاثر الجراثيم، و إحتمال إنتشار أمراض تنفسية و جلدية مخيفة و معدية… كل ذلك يحدث في صمت، دون تدخل فعلي، و دون أدنى إحترام لحق المواطن في بيئة سليمة، و هو حق يكفله الدستور قبل أن تنص عليه المواثيق الدولية.

و الأدهى من كل هذا و ذاك أن هذه الوضعية تطال فئات تعيش أصلا الهشاشة الإجتماعية بكل تجلياتها: فقر، بطالة، غياب المرافق الأساسية، و ندرة البنيات التحتية التي تشكل الحد الأدنى للحياة الكريمة و تجارة المخدرات التي  أتت على الأخضر و اليابس في هذا الوطن الحبيب، حتى لم يعد لأبنائنا القدرة لا على العمل و لا على تحمل المسؤوليات الأسرية.

6)التهميش المركب: حين تجتمع كل أوجه الإقصاء:

فدوار مزاب و تجزئة الحمد ليسا إستثناءا، بل نموذجا صارخا لما يمكن تسميته بـالتهميش المركب:

تهميش في التخطيط،

تهميش في الخدمات،

تهميش في الإنصات،

و تهميش في تحديد الأولويات.

فالحديث عن التنمية يفقد معناه حين يترك المواطن محاطا بالأزبال، محروما من طرق لائقة، و من صرف صحي فعال، و من فضاءات خضراء، و من أبسط شروط العيش الآدمي الكريم...فكيف يمكن إقناع المواطن بالإنخراط في الشأن العام، و هو يرى أن صوته لا يغير حتى موعد رفع الأزبال؟؟؟؟

7)سؤال المسؤولية: من يحاسب؟؟؟

إن تدبير النفايات ليس ترفا، و لا خدمة ثانوية، و لا منحة تصدق، بل إنه مؤشر حضاري يقاس به مدى جدية الجماعات الترابية و شركات التدبير المفوض، و من حق ساكنة هاته المناطق أن تتساءل:

أين الخلل؟؟؟

و من يراقب؟؟؟

و من سيحاسب حين يترك المواطن فريسة للأوساخ و الأمراض و مافيات تجار المخدرات؟؟؟ إن الصمت المؤسساتي أمام هذه الوضعية لا يمكن تبريره، لأن الكرامة لا تتجزأ، و لأن الحق في النظافة و البيئة السليمة لا يمنح حسب الجغرافيا و لا حسب الإنتماء الإجتماعي.

8)نحو إنصاف حقيقي لا شعاراتي:

إن إنصاف دوار مزاب و تجزئة الحمد على غرار الكثير من المواقع بخريطة وطننا الحبيب لا يحتاج إلى خطابات مطولة، بل إلى إرادة سياسية محلية، و جدولة واضحة لرفع النفايات، و مراقبة صارمة لشركات التدبير، و إشراك الساكنة في تتبع الإختلالات الحقيقية بدل سياسة الإلهاء و الترقيع الممنهج، و بذلك سيتأتى ربط المسؤولية بالمحاسبة لمنح الفرص للكفاءات الجادة و الواعية من الأحياء نفسها بتمثيل نفسها و الدفاع عن مصالحها التنموية لتتحقق فعلا و لكي لا تبقى حبيسة رفوف المكاتب و مسجونة بين حيطان الجماعات و العمالات...

فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ الثقة، لا يمكنها أن تغض الطرف عن أكوام الأزبال، لأن الإهمال حين يستقر، يتحول إلى عنف مادي و نفسي صامت يمارس يوميا ضد المواطنين. فالأزبال ليست قدرا يجب الإذعان له، و

ما يحدث بدوار مزاب و تجزئة الحمد على غرار الكثييييير من أحياء الهامش بعموم بلدنا المغرب ليس قدرا محتوما، بل نتيجة خيارات و تقصير و إهمال و إستهتار بالمسؤولية فالساكنة لا تطالب بإمتيازات، بل حقا بديهيا: فقط أن تعيش في فضاء نظيف، آمن، يحترم إنسانيتها، فإما أن ترفع الأزبال…

أو ستبقى شاهدة على أن التهميش ما زال سياسة خطيرة إزاء مواطن.

9)أسئلة حارقة و وضع مخيف:

فإلى متى سيستمر هذا النزيف؟؟؟

و إلى متى ستترك هذه الأحياء وقودا للفقر، و مسرحا للتفاهة، و مرتعا لمافيات المخدرات التي تشتغل في العلن دون خوف؟؟؟ و إلى متى سيبقى تجار المخدرات بهذه الأحياء بمثابة تلك الشجرة التي تخفي الــغــابة الكبــيـــرة؟؟؟

 و إلى متى سيحرم المغرب من أبنائه، من طاقاته، من أبطاله المحتملين، الذين كانوا سيكونون علماء، و مهندسين، و مبدعين، و لاعبي كرة القدم ليرفعوا الراية الوطنية كأبطالنا بمونديال قطر و بالكأس الإفريقي الذين أبانوا فيه عن تحضر نموذجي و مثالي؟؟؟، لو فقط وفرت لهم شروط البداية العادلة و نفس الحظوظ و نفس الفرص لكانوا كذلك؟؟؟

إن حماية الطفل و المراهق في هذه الأحياء ليست حلما إجتماعيا صعب المنال، بل قضية أمن إستراتيجي، و قضية أخلاق وطنية و تمثلات مبدئية، من باب الواجب إدراجها في قائمة الأولويات الحقيقية و الرئيسية لهذا الوطن، كفانا إستهتارا و كفانا ظلما...

فالإستثمار في الإنسان هو السد المنيع الحقيقي في وجه الجريمة العشوائية و المنظمة، و التطرف، و الإنهيار القيمي...

فهلا فعلتم يا مسؤولي البلاد أدواركم و أوقفتم نزيف الأرواح التي تزهق يوميا بسبب آليات القتل الصامت( الإهمال و المخدرات) لننتصر جميعا لهذا الوطن: وطن يسع الجميع و يخطط له بكل ضمير لتحقيق تقدمه و إزدهاره؟؟؟

 إلى أين المسير يا بلادي؟؟؟

فهذه الأحياء لم تختر واقعها، بل فرض عليها بؤسها...

و المغاربة القاطنون فيها ليسوا أقل وطنية و لا أقل قيمة...إنهم فقط أُقصوا طويلا، فدفعوا إلى حافة اليأس... ليبقى السؤال معلقا، موجها لكل من يملك القرار و ذرة ضمير:

إلى أين المسير يا بلادي؟؟؟

و هل سنمتلك الشجاعة لإضاءة الغرف السوداء، أم سنواصل التخطيط في الظلام، حتى ينفجر الهامش في وجه المركز ذات يوم حينها لن ينفع البكاء؟؟؟

Tags

المتابعة عبر البريد

اشترك في القائمة البريدية الخاصة بنا للتوصل بكل الاخبار الحصرية