الحريري.. سيرة التزام ومسؤولية في خدمة مدينة برشيد
بقلم: سعيد العتماني
يأتي الحديث عن الأستاذ العربي بن مسعود الحريري في سياق استحضار نماذج من رجالات أولاد احريز الذين اختاروا، عن وعي وقناعة، أن يجعلوا من الالتزام قيمة مركزية في مسارهم، ومن خدمة الشأن العام مسؤولية يومية لا ترتبط بالظرف ولا تخضع لمنطق الواجهة. هو من الأسماء التي لم تبحث عن الأضواء، لكنها حضرت بقوة في تفاصيل الحياة المحلية بمدينة برشيد، عبر مسار طويل جمع بين التربية، والعمل الجمعوي، وتحمل المسؤولية الجماعية بروح هادئة ومسؤولة.
وُلد الأستاذ العربي بن مسعود الحريري بمدينة برشيد، ومنها انطلق في مسار تشكّل فيه الوعي المبكر بالانتماء إلى المكان والناس. تابع دراسته الابتدائية بمدينة الدار البيضاء، في مرحلة كان فيها التعليم يشكل إحدى أهم دعائم بناء الشخصية، قبل أن يعود إلى مدينته برشيد لمتابعة دراسته الثانوية، محافظاً على صلته الوثيقة بجذوره وبيئته الأولى. هذا المسار الدراسي المتنوع أسهم في توسيع أفقه، ومنحه قدرة أكبر على فهم التحولات الاجتماعية والتعامل معها بوعي ومسؤولية.
التحق بسلك التدريس سنة 1964، في زمن كان فيه الأستاذ يُعد مرجعاً تربوياً وأخلاقياً داخل المجتمع. مارس مهنة التعليم بروح المربي الملتزم، مؤمناً بأن المدرسة فضاء لغرس القيم قبل نقل المعارف، وظل وفياً لهذه الرسالة سنوات طويلة إلى أن أُحيل على التقاعد بعد مسار مهني اتسم بالجدية والانضباط وحسن أداء الواجب.
وبموازاة مع عمله التربوي، انخرط الأستاذ العربي بن مسعود الحريري في العمل الجمعوي، إيماناً منه بأن التنمية لا تُبنى فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل أيضاً من خلال مبادرات المجتمع المدني والقرب من قضايا الناس اليومية. لم يكن حضوره الجمعوي شكلياً، بل نابعاً من إحساس صادق بالمسؤولية، ورغبة في الإسهام العملي في معالجة الإشكالات الاجتماعية ضمن ما تسمح به الإمكانات المتاحة.
هذا الرصيد التربوي والإنساني مهّد الطريق لانخراطه في العمل الجماعي المحلي، حيث انتُخب عضواً في المجلس الجماعي لمدينة برشيد ابتداءً من سنة 1982، واستمر في تحمل هذه المسؤولية إلى غاية سنة 2015. وهي فترة طويلة تعكس ثقة الساكنة فيه، كما تعكس حجم المسؤولية التي اضطلع بها في مرحلة عرفت تحولات عميقة على مستوى المدينة، سواء من حيث التوسع العمراني أو تنامي الحاجيات الاجتماعية والخدماتية. وخلال هذه السنوات، ساهم في عدد من القرارات التي همّت تنمية مدينة برشيد، وفق رؤية تقوم على التدرج والتوازن وربط التنمية بحاجيات المواطن اليومية.
وقد تزامن حضوره داخل المجلس الجماعي مع مرحلة دقيقة من تاريخ مدينة برشيد، اتسمت بتحولات عمرانية واجتماعية متسارعة. انتقلت المدينة خلالها من طابعها شبه القروي إلى فضاء حضري أكثر تعقيداً، تتداخل فيه رهانات التخطيط، والتجهيز، وتدبير القرب. وفي هذا السياق، كان الوعي بضرورة مواكبة التحول مع الحفاظ على البعد الاجتماعي حاضراً في النقاشات والاختيارات.
ومن أبرز التحولات التي عرفتها المدينة خلال هذه المرحلة، القضاء بصفة نهائية على مدن الصفيح، وهو ورش اجتماعي وإنساني كبير أنهى سنوات من الهشاشة والمعاناة لعدد من الأسر، وأسهم في إعادة إدماجها في النسيج الحضري في ظروف أكثر كرامة. وقد شكّل هذا الإنجاز محطة مفصلية في تاريخ برشيد الحديث، لما له من أثر مباشر على الاستقرار الاجتماعي وتحسين شروط العيش، وكان ثمرة عمل جماعي وتراكم مؤسساتي استحضر البعد الإنساني إلى جانب التخطيط العمراني.
وفي الإطار نفسه، عرفت المدينة إعادة تصور عدد من محاورها الطرقية الكبرى، وعلى رأسها تصميم شارع محمد الخامس، الذي يُعد اليوم من بين أحسن شوارع المغرب من حيث الهندسة الحضرية والتنظيم والجمالية. شارع أصبح واجهة حضرية لمدينة برشيد، ورمزاً لتحولها إلى حاضرة إقليمية تسعى إلى التحديث المتوازن. وقد بلغ هذا المشروع من الرمزية حدّ أن الوالي السابق لإقليم سطات السيد محمد العظمي حيث أطلق عليه تسمية “شارع حقول أولاد احريز”
Boulevard des Champs d’Ouled Hriz، في إحالة دالة على الامتداد المجالي والتاريخي، وعلى التحول الذي جعل من الحقول بالأمس شرياناً حضرياً نابضاً اليوم.
غير أن ما منح تجربة الأستاذ العربي بن مسعود الحريري قيمتها الحقيقية هو علاقته بالساكنة. فقد عُرف عنه الوقوف الدائم إلى جانب المواطنين، وبالأخص ساكنة دائرته الانتخابية، التي كان يعتبر شؤونها جزءاً من مسؤوليته المباشرة. وبشهادة هذه الساكنة، ظل قريباً منهم، يُقصد في مختلف الأوقات، نهاراً وليلاً، دون تردد أو تأخير عن أداء الواجب. كان حاضراً في الأفراح، ومتقاسماً للأحزان، ومتابعاً للتفاصيل الصغيرة التي غالباً ما تشكل جوهر معاناة الناس.
لقد جسّد الأستاذ العربي بن مسعود الحريري نموذج المسؤول الذي يفهم أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن الموقع الجماعي وسيلة لخدمة الصالح العام لا غاية في حد ذاته. اتسم أداؤه بالهدوء، والإنصات، والتواضع، بعيداً عن منطق الاستعراض، واضعاً مصلحة المدينة وساكنتها فوق كل اعتبار.
وفي ختام هذه السيرة، يظل الأستاذ العربي بن مسعود الحريري واحداً من رجالات أولاد احريز الذين تركوا أثراً صامتاً لكنه عميق في تاريخ مدينة برشيد. إنها سيرة التزام ومسؤولية، تُمارس بتواضع وإخلاص، وتستحق أن تُوثق وأن تبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية، إنصافاً لمسار اختار خدمة الناس طريقاً له، ووفاءً لمدينة أعطاها الكثير بصمت واستقامة.

