✍️جرة قلم ✍️ الحلقة الخامسة عشر: طرقات تنزف…و وطن يسأل: إلى متى؟
برشيد نيوز: بقلم ذ.نجاة زين الدين
إن الطرقات ليست مجرد إسفلت يمتد بين نقطتين على الخريطة، بل هي شرايين الحياة، و عصب التنمية، و مرآة صدق الدولة في وعودها للمواطن، و حين تتحول الطريق إلى فخاخ من الحفر، و مصائد للهشاشة، و مسرح يومي للمخاطر، فإن السؤال لا يعود تقنيا ولا عابرا، بل يصبح سؤالا أخلاقيا و سياسيا بإمتياز:
من المسؤول عن هذا النزيف الصامت؟؟؟و من سيتكفل بمحاسبة المسؤولين عن هذه المأساة؟
1)طرق في مطب النسيان:
و أنا أعبر اليوم الطريق الثانوية الرابطة بين مدينة البئر الجديد و حد أولاد فرج عبر سد بن معاشو، إنفطر القلب قبل أن تتعثر العجلات، طريق لم تعرف في عمومها إصلاحا جذريا منذ أيام الإستعمار، و كأن الزمن توقف هنا، و كأن هذه الجغرافيا كتب عليها أن تبقى خارج خرائط الإهتمام، و خارج دفاتر الميزانيات، و خارج ضمير التدبير العمومي...
2)هشاشة قاتلة… و إهمال لا يقتل بالصدفة:
لا يمكن تغيير وضع المأساة المتراكمة في طرقات مغربنا الحبيب إلا بالقرار الحاسم لإستئصال
الحفر المتناسلة، و التشققات العميقة، و وضع علامات التشوير، و توسيع المسالك، و محاربة رداءة التهيئة، لأن ذلك ليس مجرد أعطاب تقنية، بل جرائم إهمال ترتكب ببطء، لتحصد ضحاياها من الفلاحين، و الطلبة، و العمال، و المرضى، و وسائل النقل، لتتعطل عجلة الإقتصاد المحلي برمته.
هي هشاشة قاتلة؛ لأن كل حفرة إحتمال مستقبلي لمأساة مرتقبة، و كل متر مهمل وعد مكسور، و كل تأخير في الإصلاح و الإنجاز مشاركة غير مباشرة في الخطر و تواطؤ مع الإستهتار...
أين ذهبت الميزانيات المخصصة ببرمجة سنوية لتأهيل البنيات التحتية بالبلاد؟؟؟ و لماذا يرمم المركز دائما و ينسى الهامش؟؟؟
تتدفق الأسئلة، و لا تجد غير الصمت جوابا:
أليست هذه الطرق جزءا من الشبكة الوطنية، و جزءا من حق المواطن في التنقل الآمن؟؟؟؟
متى تتحقق العدالة الإجتماعية و المجالية، لا كشعار إنتخابي، بل كسياسة عمومية ملموسة و مجسدة و منزلة على أرض الواقع؟؟؟؟
إن إستمرار هذا الوضع يكرس مغرب السرعتين: مغرب معبد مضاء و مخضر كأنه يسقى بالماء المعدني، و مغرب آخر يتعثر في الحفر، و يشيخ قبل أوانه، و يطالب بالصبر بدل الحق...لدرجة أن الصبر سئم من صبره!!!
فالعدالة المجالية ليست ترفا… بل شرط الوطن الحقيقي الذي يحترم مواطنيه، و عليه فإنه
لا يمكن الحديث عن وطن يسع الجميع، دون طرق تؤمن تنقل هذا الجميع في سلامة و أمن و أمان.
و لا معنى للتنمية إذا توقفت عند أسوار المدن الكبرى...
فالعدالة المجالية ليست منة و لا إمتيازا، بل حق دستوري، و أساس الإستقرار، و مفتاح الكرامة... و حين تهمل الطرق، تهمش المناطق، و حين تهمش المناطق، يهمش الإنسان، و تزرع بذور الغضب الصامت...
3)صرخة في وجه مسؤولي الجماعات الترابية: تحملوا الأمانة:
إلى مسؤولي الجماعات الترابية، و إلى المنتخبين، و إلى من بيدهم القرار:
أوقفوا مسلسل الفساد، و أخرجوا من منطق الترقيع الموسمي، و تحملوا مسؤولياتكم بضمير حي... فالطريق ليست صفقة، و لا مناسبة لإقتسام الكعكة، بل أمانة حياة...و مظهر وطن...
4)مقترحات عملية لتسهيل الإنجاز و تحويل الغضب إلى فعل:
و لأن الصرخة لا تكتمل دون أفق، فإن الخروج من هذا الوضع الكارثي يمر عبر إجراءات واضحة و قابلة للتنفيذ:
*)جرد شامل و شفاف لحالة الطرق الثانوية و القروية، مع نشر المعطيات بكل صدق و شفافية للرأي العام.
*)برمجة على مدار كل السنوات، لإعادة التأهيل، بدل الإصلاحات الظرفية و الترقيعية.
*)ربط المسؤولية بالمحاسبة في كل صفقة أشغال عمومية بلجن مختصة، تسهر على التحقق من الدراسة إلى الإنجاز...
*)إشراك الساكنة و المجتمع المدني في تتبع المشاريع و مراقبة جودة تنزيلها على أرض الواقع.
*)إحداث آلية مستقلة للمراقبة التقنية تمنع تسليم الطرق قبل إستيفاء المعايير القانونية الساري بها العمل.
*)توجيه جزء قار من الميزانيات الجهوية حصريا للطرق الثانوية المهمشة.
*)إعتماد مقاربة العدالة المجالية كمعيار إلزامي في توزيع الإعتمادات.
*)القطع مع منطق المركزية و تمكين الجماعات القروية من صلاحيات حقيقية و موارد مالية كافية.
لهذا و عليه فالطريق إلى الكرامة يبدأ من حفرة تردم...و من تغطية شاملة لكل الخريطة الوطنية بنفس نبض المسؤولية و الحرص و الضمير...
هذه ليست كتابة غضب عابر، بل شهادة وجع، و نداء ضمير، و رسالة وفاء لوطن لا نريده مقسما بين من يحق لهم العيش بسلام، و من يطالبون بالصبر على الخطر.
فالطريق التي تصلح، تنقذ حياة، و تفتح أملا، و تؤكد على أن الوطن ليس خريطة، بل عدالة إجتماعية و مجالية تصان فيها كرامة كل المواطنين بدون تمييز و لا إقصاء.
كفى إهمالا… كفى صمتا… فالطرقات تنزف، و الوطن ينتظر من يضمد جراحه بالفعل لا بالوعود الكاذبة و لا بالإجتماعات الجوفاء...
نريد مغربا يعتنق كل شبر من أرضه بحب و فخر و إعتزاز...
نريد منتخبا مسؤولا يحكمه الضمير قبل مصالحه الذاتية و أجنداته الحزبية المملاة...
نريد وطنا يسع كل أبنائه من الشمال إلى الجنوب و من الشرق إلى الغرب...


