آخر الأخبار

يا الوزاني، قم ، انهض، إنهم يخربقون ( تابع/ الجزء الثاني)

                     

بقلم: الجيلالي طهير

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وقبل انطلاق المسلسل الديموقراطي، كانت مهام ضابط الحالة المدنية من اختصاص رجل السلطة، يمارسها بالمركز المستقل لبرشيد الخليفة العلمي، بتفويض من رئيسه المباشر الباشا محمد بن عبد السلام برشيد. جاءه الشيخ محمد الوزاني يطلب نسخة موجزة من عقد الازدياد بالفرنسية، في اسم أحد ابنائه، فماطله ولم يحسن معاملته، وكأنه كان يريد منه الحصول على مقابل. ذهب الوزاني إلى مقهى فرنسا واحتسى كأسين من الويسكي ثم عاد وقد خلع عنه ثوب اللباقة، وأمطر الخليفة بسيل من الشتائم، مستعملا اللغة الفرنسية كوسيلة للتعبير. 

لماذا الفرنسية عوض العربية في هذا العنف اللفظي؟ ولماذا لم يتوجه المعني بشكواه الى الأصيل، أي الباشا، كي ينصفه من الوكيل المكلف بمهمة؟ التأويل الأنتربولوجي لسلوكيات وطرائق التعبير عند الأعيان، كما يشرحه رايمون جاموس، في مؤلفه "الشرف والبركة" Raymond Jamous/ Honneur et Baraka، يقول بأن ذوي الجاه لا يشتكون من صغار الشأن، لأن الشكوى تجلب إليهم العار، ويعتبر ذلك اعترافا منهم بأنهم ضعفاء. الشكوى في نظرهم تقلل من شأنهم وتجعلهم تحت حماية من يعتبرونهم أدني منهم مرتبة.

لايتصرف صغار الشأن بوقاحة مع كبار القوم من تلقاء أنفسهم، وهم مجرد أدوات بيد رؤسائهم الذين يوعزون لهم بالنيل ممن ينافسونهم الجاه. في بعض الأحيان ايضا، يكون هؤلاء الصغار من المتبجحين les fanfarons الذين يطمحون الى لعب دور الكبار دون التدرج في المراحل التي تؤهلهم لذلك. فبأي لغة يجب مخاطبتهم وشتمهم إذا كانوا لا يفهمون العربية ويدارون بالعصا وليس بالأصبع؟ من القواعد المتعامل بها لذى الأعيان تفادي النزول إلى مستوى صغار القوم وتجاهلهم، وإن اقتضى الأمر فيجب الرد عليهم بالطريقة الملائمة. 

إن انتقال خطاب الشيخ الوزاني من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية يحمل في طياته مجموعة من الشيفرات والذلالات نستذل عليها بتغيير القبعات في مسرحية "الثعلبة والقبعات" للمبذع أحسن تليلاني. كل استبدال لقبعة بأخرى في هذه المسرحية-المونولوج يصاحبه تغيير نفسي، فكري، اجتماعي، وايديولوجي معين. يبدأ البطل غالب الله بارتداء العمامة، قائلا: "ليس أحسن من العمامة الأصيلة. 

إنها لغة التاريخ والثراث، وفيها طلعة الأجداد". وعندما تسقط العمامة من رأسه يعلق على ذلك بالقول: "الثراث يلزمه قراءة عميقة ليتبث في مواجهة تحديات العصر. إذا سقطت العمامة تحتاج لوقت طويل لإعادتها بشكل سليم". ثم يضع البطل القبعة الإيطالية على رأسه، ويقول:"العالم ملعب، فإما أن تلعب أو تكون كرة تتقادفها الأرجل. سأختار اللعب مع الكبار، واتخذ من الصغار ساحة للعب. 

وحين يرتدي القبعة الفرنسية، يقول: "يمكن أن أنشىء حزباً سياسياً رِجله هنا، ورأسه في فٍرساي". وهو يعني بذلك استمرارية سلطة اللغة الفرنسية،المرتبطة بالحقبة الاستعمارية، على مستوى الوعي واللاوعي، يتم الانصياع اليها من طرف المتلقي بطريقة سحرية وغير منطقية. االمتبجحون les vantards أيضا لا يفهمون اللغة العربية عندما يكلمهم بها المواطنون. هؤلاء الصغار (الدراري) يؤمنون بشخصهم وليس بعملهم، لأنهم لا يعرفون رؤوسهم من أرجلهم، وهو ما يجعلهم أضحوكة وموضع سخرية. حدث ذلك مع الحكيم عمرو بلحبيب، من كبار الأعيان،استوقفه جندرمي في الطريق وهو راكب سيارته، من غير سبب. 

أعطاه عمرو بلحبيب أوراق السيارة وقال له: " وقف ليا وليدي شي نصراني يقرا لك هاد لوراق". من باب التسرع الإدعاء بأننا ندافع عن لغة الاستعمار، إنها ملاحظات انتربولوجية. نذكر أيضا أن الشيخ الوزاني سبق له أن صفع المعمر الأجنبي المسيو بصاراص أمام أنظار الجميع، وفي حانة هذا الأخير، لمجرد أنه طلب منه عدم الإتكاء على الباب. إنهم كبار الأعيان بحق، وليس بالاسم، كانت لهم هيبة تمثل أساس وجودهم وكينونيهم. بدون الهيبة، يعتبرون أنفسهم لا شيء.  

لابد من القول كذلك بأن التافهين، الذين غالبا ما يتبجحون بالوطنية، هم الذين يتباهون باستعراض جوازاتهم وتأشيرات دخولهم الى بلدان اجنبية. قال الولد: أنا لا آكل البطاطس. قالت الام للعصا: اضرب الولد، وقالت العصا: أنا لا أضرب الولد. وجهت للشيخ الوزاني تهمة إهانة رجل سلطة أثناء تأدية مهامه، وحرر بشأنه محضر تم إرساله من طرف الباشا الى عمالة اقليم سطات. هذه الأخيرة ارسلته بدورها الى المحكمة، لكن الاخيرة أرجعته الى المرسل.  

هاتف رئيس المحكمة العامل، وقال له:" أنا لا أحكم على الوزاني". واستذرك العامل وقال إن مصالحه الادارية أخطأت في تفحص الملف، ولم تنتبه لهوية الشخص الوارد اسمه بالمحضر قبل الإرسال. قام العامل باستدعاء كل الباشا والشيخ الوزاني الى مكتبه، واصلح بينهما، وعادت المياه الى مجاريها الطبيعية.

يتبع.....

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء