آخر الأخبار

يا الوزاني، قم، انهض، انهم يخربقون ( الجزء الاول)

         

بقلم: الجيلالي طهير

يمكن أن نختلف مع بعض الأشخاص بسبب انتماءاتهم الطبقية إن لم يكن بسبب اتجاهاتهم الفكرية التي نراها من وجهة نظرنا رجعية. ولكن العقل المنفتح لا يمنع بأن نخصهم بالاحترام، ونعترف لهم بأدوارهم الريادية والمتقدمة كلٌ في مجاله الخاص. يقول ميشال ساردو في أغنية جميلة، يجمع فيها بين النقد والإعجاب بشخصية تاريخية كانت ولا تزال مثار جدل بين الرأسماليين والاشتراكيين: " يا لينين، انهض، قم، فقد أصبحوا مجانين". 

هذه الجملة الشهيرة وظفها العديد من الكتاب في مقالاتهم الصحفية. واقتبسها شاعر عربي وهو يعبر عن الحضيض الذي وصل إليه التعبير الأدبي عند مجانين اللغة، فيقول : " حمو رابي يا النبي العربي، مات صهيل الحكمة والشعر واندثر النثر، وانتحر القمر، وحل العهر. يا ويحنا لم يعد أمثالهم في حينا". 

لو كتب الله البعث للمرحوم محمد الوزاني، أحد حكماء عصره ممن يتبعون قواعد التحدي في الخطاب اللغوي لأصحاب الجاه، لراقته أشياء ولم تعجبه أخرى. ينتمي الرجل لطبقة الأشياخ، ورث مشيخة تاعلاوت عن والده الشيخ العائدي ولد احساين المتوفى سنة 1939، وكان الأخير ورثها بدوره عن أسلافه المتعاقبين عليها منذ غابر الدهر. 

لم يأت لقب الوزاني من سلالة وزانية، وإنما عن طريق تأثيرات روحية لشرفاء وزان عندما كان هؤلاء يتمتعون بامتيازات مخزنية في تحصيل مداخيل مرسى الدار البيضاء. هو من نسل قدماء المهاجرين من دكالة، جاؤوا من منطقة القواسم شرق مدينة الجديدة، لتعمير قبيلة أولاد حريز، عندما كانت الأرض قفرا بلقعا كما خلق الله الكون لأول مرة. بعد اعتلائه المشيخة أصبح محمد الوزاني عضوا في مجلس الجمعية الأهلية لمؤازرة الفلاحين ابتداء من سنة 1947 ( القرض الفلاحي حاليا). وفي سنة 1952 ، حاز على شهادة التقدير الشرفية التي تمنحها وزارة الفلاحة الفرنسية للمزارعين الذين يتميزون عن غيرهم بالسبق في عصرنة القطاع الزراعي وتطوير الإنتاج.

سيفاخر محمد الوزاني، في بعثه الافتراضي، بابنه الأستاذ حسن الوزاني أحد جهابذة القانون الدولي الخاص، وبحفيدته اكرام القباج التي تزين منحوتاتها الصخرية وقطعها الفنية بعض ساحات وشوارع المملكة، وكانت اختارت لوضع قطعة فنية لها بمدخل الطريق السيار الرابطة بين الدار البيضاء والمطار الدولي. تاريخيا، في سنة 1906، الذي يتزامن وتاريخ ميلاد محمد الوزاني، كانت الطريق السيار بين الدار البيضاء وبرشيد عبارة عن مريرة صنعتها قوائم الدواب على البسيطة. وفي سنة 1908، سيتم استغلال مسارها لتثبيت خط السكة الحديدية المخصصة لأغراض عسكرية. 

سيظل الثقل في تنقلات العربات والسيارات بين الدار البيضاء وبرشيد يرتكز على طريق مديونة المستحدثة. وفي سنة 1959 سيتم الشروع في تهيئة طريق بوسكورة، غير أن هذه الأخيرة ستبقى طريقا مهجورة لمدة طويلة، لا تسير فيها غير سيارة محمد الوزاني الكلاسيكية. والسبب، السيارات والعربات الميكانيكية التي تجوب الطرقات كان عددها قليل جدا. ففي سنة 1938، قدم السيد جاكوبي، مسير أوراش بمكتب الأشغال العمومية ببرشيد، تقريرا عن معدل السيارات والعربات التي تقطع مركز برشيد يوميا حددها في 115 عربة نقل بضائع بالمحرك؛ و114 عربة نقل مسافرين بالمحرك؛ و202 سيارة خصوصية؛ و5 دراجات نارية؛ و24 عربة بضائع مجرورة بالدواب؛ و24 عربة نقل مسافرين مجرورة بالدواب.

يحكي لنا شاهد عصره، فيقول: " كنت شابا صغيراً، وكنت أمر بجانب طريق بوسكورة عندما توقفت سيارة الشيخ الوزاني، بسبب عطب ميكانيكي، وكان لا يمر منها أحد سواه. أطلقت ساقي للريح وغدوت أجري هارباً من شدة الخوف. عندما قطعت مسافة طويلة بيني ويينه التفتت، فرأيته يشير إلي بيده كي أعود نحوه. ذلك ما فعلت بعد تردد، وأنا ارتعش . عند الوصول، ركب الشيخ سيارته وطلب مني المساعدة بالدفع، فاشتغل المحرك. قال لي اركب، فركبت المعقد الخلفي وأنا اتساءل مع نفسي أين هو ذاهبٌ بي. لقد كنت أتضور جوعاً، ولو كان في بطني قليل من الطعام لأفرغت امعاءي في السيارة. عندما وصل إلى داره بدوار التوامة، طلب من الخادمة أن تقدم لي شيئا آكله. جاءتني بكأس شبري (طول الكاس شبر) من القهوة والحليب الساخن، فأحسست بالقوة في جسدي. كانت تلك اول مرة في حياتي أعرف مذاق القهوة . 

عندما عدنا الى برشيد، توقف الشيخ بسيارته في المكان الذي كان يحكم فيه والده الشيخ العايدي بالسوق القديم، قبالة هري اولاد الستي. ثم أعطاني قطعة نقدية، وقال لي "تبرع مع راسك". فرحت كثيراً وصرت أقلب القطعة النقدية مراراً وتكراراً بين يدي. أول ما تبادر إلى ذهني هو الذهاب لمولاي بوشعيب (أزمور)، فركبت الحافلة مع المسافرين فوق سطحها مع الباكاج وذهبت إلى هناك. أكلت، وشربت، وقصرت، ورجعت الى برشيد، وبقيت في جيبي بعض الموزونات".

يتبع....

.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء