آخر الأخبار

تاريخ أولاد حريز الشاوية المسكوت عنه ( الجزء الثاني)

 

بقلم: الجيلالي طهير

فلنبدأ من 1906 ومنها ننتهي. في علم سياسة النزاعات، وهو أحد فروع العلوم السياسية التي تجمع بين التاريخ والعلوم الاجتماعية، يقول رائد هذه المدرسة شارل تيلي Charles Telly بأن التدخلات الأجنبية لا تحدث بسبب مؤامرات خارجية، بل أن الخطط الخارجية تشتغل على نيران مشتعلة بالداخل. بعد وفاة السلطان المولى الحسن، عمت الفوضى سائر الشاوية، وتضاعفت وثيرة الاضطرابات بعد هزيمة المحلة العزيزية في حربها ضد الطامع بوحمارة. ومن هنا جاء توقيع معاهدة الجزيرة الخضراء سنة 1906، التي جعلت من المغرب ساحة مفتوحة، على مصراعيها، أمام التدخلات الأجنبية.

هناك بديهية تاريخية، عندما يحدث خلل بين المستوى الاقتصادي ومستوى النظام السياسي، تذرك الفئات الاجتماعية المتطورة بأن السلطة الحاكمة تحول دون انطلاق طاقتها الكامنة، وبالتالي فهي تسعى إلى التخلص منها. من السهل، بعد مرور الزمن، أن تغيب عن ذاكرتنا الجماعية بأن أولاد حريز كانوا في أصلهم من البدو المائلين إلى الحرب وحياة الغزو والنهب. ثم تغيرت أحوالهم الاجتماعية تدريجيا، في العادات والاستهلاك والمأكولات، عند إعادة فتح ميناء الدار البيضاء، ابتداء من عهد المولى عبد الرحمان. 

أصبح تعاطيهم للتجارة الفلاحية يدر عليهم أرباحا تفوق ما كانوا يحصلون عليه من الغنائم المنهوبة، وتجاوزت نظرتهم للحياة الأفق الضيق للقبيلة. لكن القائد عبد السلام برشيد الحريزي كان يقف حجرة عثرة أمام طموحاتهم، وظل يتربص بهم، ويتحين الفرص لمصادرة ممتلكاتهم. في تلك الأجواء المضطربة، أحس هو نفسه باقتراب ساعته، فأمر بحفر خندق عريض، حول أسوار قصبته لحماية نفسه وعرضه. وبعد مصرعه في الحرب ضد بوحمارة، اخترق المتمردون الخندق وحولوا القصبة إلى حطام (1905.(

في ظل تلك الاختلالات، أحكمت فرنسا قبضتها على إدارة الجمارك بالميناء، بموجب تطبيق اتفاقية الجزيرة الخضراء، وتأثرت أرباح أولاد حريز من التضييق على معاملاتهم الخارجية. وفي لوحة الصراع برز اسم الحاج محمد ولد الحاج حمو، كشخصية قوية، قادرة على استقطاب رؤوس المحاربين، وتوجيههم نحو أهدافه ومشروعه: السيطرة على قيادة أولاد حريز وعمالة الدار البيضاء. نادى إلى الجهاد ضد الكفار، فاجتاح مناصروه الدار البيضاء ونهبوا الملاح، وقتلوا عمالا أوروبيين كانوا يشتغلون على توسعة الميناء.

على إثر ذلك، أنزلت فرنسا ترسانتها الحربية الهائلة عن طريق البحر، لكن مقاتلي الشاوية، المسلحين ببنادق ألمانية الصنع، ظلوا يحاصرون الجنرال درود ويمنعونه من الابتعاد بعيدا عن أسوار المدينة، لمدة من الزمن. خلال تلك الفترة، صادر الجنرال درود منزل الحاج اسماعيل الحبشي الحريزي، الكائن بباب مراكش، وحوله إلى مقر لإيواء جنوده. وفي شهر سبتمبر 1907 ، باغت الحنرال فرسان أولاد حريز وأولاد بوزيري الذين كانوا يعسكرون بمنطقة تادارت، واختار الوقت المناسب للهجوم تحت جنح الظلام الملبد بالضباب الكثيف. سقط في تلك الواقعة نحو 150 فارسا من أولاد حريز، ومثلهم من أولاد بوزيري، أبرزهم الحاج عيسى ولد الحسين الجدودي (والد جمال الدين سي خليفة)، والشيخ المنصر الحبشي. ونجا بأعجوبة الحاج بن السالمية (عم المرحوم بوعزة ولد السالمية) الذي حمل صديقا له أصيب بجروح بليغة، وأوصله على جواده إلى مسقط رأسه بأولاد بوزيري. 

بعد مدة، سيقول بعض أعيان أولاد حريز ، ممن تم احتجازهم بدار المخزن، كضمانة على عدم مواصلة القتال، لعناصر من الكوم الجزائريين الذين استضافوهم لتناول الكسكس معهم: " كان ينزل علينا الرش ديال لميترايوز من السما بحال التبرور ".

باستثناء العلامة عبد الكبير الكتاني، كان علماء القرويين يعتبرون القتال الذي يشنه رجال الشاوية على القوات الفرنسية سيبة رعاع همجيين (عبد الله العري/ الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية). 

وعلى سبيل المقارنة، يقول غرامشيGramci متحدثا عن إيطاليا بأن الكنسية يمثلون النموذج الأصل لفئات المثقفين الذين يحتكرون الإيدولوجية المدينية. وتوجد وحدة جغرافية حضرية إيديولوجية ضد الريف تقابلها كراهية الريف للمدينة، نابعة من تباين الرؤى الفكرية والثقافية. (أنطونيو غرامشي/ رسائل السجن). إن الجانب الثقافي كان نقطة ضعف أولاد حريز، والماضي لا يزال يظل معهم. الإيدلوجية ليست مجرد وهم، بل تَمظهُر مصالحِ مادية وصراعات قديمة قائمة بين البدو والخضر.

احتلت القوات الفرنسية قصبة برشيد في منتصف يناير 1908، وألقت القبض على اثنين من المحميين الألمان بسطات وسلمتهم للقنصل الألماني. لكن هذا الأخير أخلى سبيلهم في الحال، مما دفع بالجنرال داماد إلى اتخاذ قرار تطبيق العقوبات بنفسه على المعتقلين. في هذا السياق، القي القبض على محمد ولد التازية العبوبي، من أولاد حجاج، بدعوى إهانته لرجل المخابرات الفرنسية. 

وفي 08 فبراير 1908، وقعت معركة سيدي المكي التي سقط فيها عدد من الضباط والجنود الفرنسيين. خلال نفس الشهر، وأثناء تفريغ حمولة قافلة جمال بقصبة برشيد، وضع جندي فرنسي يده، عن طريق الصدفة، على صندوق من الأسلحة. كما ألقي القبض بجوار القصبة على شخص يحمل سلة البيض مملوءة بالخراطيش الأوروبية الصنع. وبأحد الدواوير، بضاحية برشيد، عثر على أربعة وستون خرطوشة ذات أغلفة نحاسية خاصة بالبنادق السريعة. وفي مارس 1908، تم اعتراض جمل هارب ببرشيد يحمل مدفعا من صنع ألماني، فتسارعت عمليات التفتيش العشوائي، والبحث عن الأسلحة المخبأة. 

أوقفت القوات الفرنسية قافلة محمد بنقدور الرياحي، المتجهة إلى مديونة، وقافلة دحمان بن عمرو المزمزي المتجهة لأولاد سعيد، وتم التنكيل بمرافقيها، وتجريدهم من ملابسهم، من أجل الترهيب وإحباط المعنويات. لقد تقرر ملاحقة المحميين الألمان حيثما وجدوا، وإحراق محاصيلهم الزراعية، ومصادرة مواشيهم، وإفراغ مطاميرهم من الزرع. 

وفي خضم ذلك، استهدفت عمليات الاغتيال كبار القادة، رموز الصف الأول، وعلى رأسهم الحاج سليمان خريبش الذي تمت تصفيته بسطات، والحاج بوشعيب بن على بن احسين التعلاوتي الذي اغتيل في الرباط، وكان حكم على ولد الحاج حمو الفقري بالسجن المؤبد ولفظ أنفاسه بسجن وجدة، في ظروف يلفها الغموض. في ظل تلك الأزمة احتدم الصراع بين مركزين للسلطة، جيشان متحاربان، ومناطق منقسمة بين المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ. إن الأزمة، كما يعرفها غرامشي، تتشكل حين يكون القديم في احتضار والجديد لا يستطيع أن يولد. 

لكن انتصار الجديد لا يعني حلا للأزمة التي قد تطفو على السطح في وقت لاحق. مال وجهاء أولاد حريز إلى جانب المولى حفيظ وانهار عالم العناصر الوفية للمولى عبد العزيز التي أصبحت خارج التأثير. وكما هو معروف، تمثل الأزمات والفوضى فرصة لإنتاج اصطفافات جديدة ووجوه جديدة تتصدر المشهد. لا يتعلق الأمر هنا بتجديد النخب عن طريق ضخ دماء جديدة( la circulation des élites). بل بتدوير وجوه قديمة بقناع جديد، تنتمي للمؤسسة المخزنية نفسها، ولم تأت من خارجها.

وفي أبريل 1908 وبينما القوات الفرنسية تضع موطأ قدم لها في مجال مكارطو، وتحتل دار الفكاك بمزاب، عبر المولى عبد الحفيظ نهر أم الربيع قاصدا فاس لملاقاة علماء القرويين. عند معبر النهر، استقبله وفد من أولاد حريز، ومزاب، والزيادة، والمذاكرة، ومعهم مونة 250 رأس من الغنم. حثوه على القتال إلى جانبهم وعلى طرد الغزاة الفرنسيين، وبعد الأخذ برأي مستشاريه الدينيين والعسكريين صرفهم، وطلب منهم إبرام هدنة مع القوات الفرنسية، تمشيا مع التقاليد الإسلامية عندما لا يكون المسلمون في موقع قوة. 

بعد أشهر قليلة، تبين للمتفائلين المفرطين في تفاؤلهم أنهم كانوا يحاكون الوجدان، من دون إدراكهم للوسائل والأبعاد والزوايا. لقد كانت البلاد مفلسة، وتم الاعتراف بمعاهدة الجزيرة، وكانت العودة إلى الصفر.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء