آخر الأخبار

القيسارية، بين مراوغة التاريخ ومكر التاريخ

بقلم: الجيلالي طهير
الكلام عن القيسارية متعدد الذلالات ومتنوع الثراء. هي ليست مجرد مساحة بقدر ما هي جسد يستوعب سيولة الزمن. إنها نقطة وجود ورحيل في آن، كونٌ صغير قائم بذاته، يرمز إلى التحولات الاجتماعية والسيكولوجية والمعمارية التي شهد تها المدينة منذ نهاية القرن الماضي. ليس الكلام عنها غير حديث مختصر عن التاريخ بداخل التاريخ، وعن سياسات بداخل السياسة، اختلف بشأنها رجال الحاضر.

فأي قيسارية نعني وعن أي قيسارية نتكلم؟ هل الفضاء الذي كان يسوده الهدوء التام خلال أيام السبت، عطلة اليهود الذين زرعوا بدور التجارة في المكان؟ أم القيسارية التي أصبحت لا تنتهي فيها الضوضاء على عهد الباعة المتجولين؟
كانت القيسارية منطقة تجارية مرتبة، كل نشاط حرفي وتجاري يحتل جزءا من المكان يتمركز فيه. في وسط بناية القيسارية، قلب المنطقة ومركزها، كان الخضارة يصطفون متقابلين. وبالخارج، الجزارون، والمقاهي الشعبية، ومختلفات. على الشمال، حوانيت باعة الأقمشة . وجنوبا، العطارون وتجار الحبوب، الخ. وفجأة، اختل هذا الترتيب بسبب خضوع المدينة للتغيير الأزلي الناجم عن ارتفاع وتيرة النمو السكاني.

اختفت المباني القديمة، التي تتكون من طوابق سفلية بدون أسطح، وظهرت محلها العمارات المتالفة من عدة طوابق علوية. أهرية الحبوب الفسيحة، والفنادق العمومية، والمقاهي الشعبية توارت ولم يعد لها وجود.

وحدها مقهى بلفقيه صمدت في وجه الرياح العاتية، ولو انها ودعت عصر الروندة واسطوانات بوسيفون، واستسلمت للتلفزيون والهواتف النقالة. لم يعد روادها يسمعون صوت طاحونة العيان المجاورة، ولم يعد باستطاعة المارة تأمل تحليقات أسراب الحمام وهي تغدو وتروح بين أهرية الحبوب والمسجد الأعظم. لعل عواء الباعة المتجولين أفزعها، وقد غطى على أنين الطاحونة المتقطع....  
انحنت بناية القيسارية المحادية لمقهى بلفقيه، وطال سجودها لغير الله نحو ثلاثين سنة. بعض الأشخاص الذين كانوا ينتقدون الرئيس الذي أسقطها أرضا أصابهم الخرس، لما بقيت عارية على عهد خلفه، يتحرش فيها المشردون بالمشردات. هل الرضاعة ولو بالتقطير من ثذي البقرة الحلوب تنسي مرارة الحنظل؟! احيانا تكون الفكرة في بعض المشاريع جيدة ولكن يأتي الفشل من التطبيق.

وأما في حالة القيسارية، فقد كانت فكرة الهدم خاطئة من الأساس، وأسباب التأخير في إعادة البناء خطأ آخر. عندما يتأخر المواطن في القيام بواجباته تجاه الجماعة فهو يتعرض للعقوبات الزجرية، بينما لا يوجد من يعاقب الجماعة عن التأخير في انجاز المشاريع التي يطالب بها المواطن ( فكرة مقتبسة عن غرامشي حول العلاقة بين المواطن والدولة).

وحتى نكون منصفين على قدر المستطاع، نقول بأن الرئيس الأول اصطدم ب" مكر التاريخ"، بينما الرئيس الثاني كان ضحية " مراوغة التاريخ"، بتعبير فريديريك هيجل. لقد تقمص الرئيس محمد طربوز دور دانكيشوت، في قتاله لطواحين الهواء، مع نضال وهمي من صنع الخيال. "مكر التاريخ" الذي اصطدم به يعني أن التاريخ لا يصنعه الأفراد، بل هو من يتحكم فيهم ويقودهم. ان التاريخ هو صانع كل شيء، والانسان الذي يسعى إلى تحقيق مجد ما، لا يعي أنه مجرد مطية، يقول هيجل.

وأما الرئيس بن الشيب وإن تكن نيته صادقة، في محاولته تخليد اسمه في التاريخ عبر الاسراع في انجاز المشروع، فقد راوغه التاريخ. "مراوغة التاريخ" في الاصطلاح الهيجلي تعني بّأن التاريخ لا يمكن أن يسير دائما في خط مستقيم، وبطريقة ميكانيكية، لأنه ينطوي على كثير من المفاجاءات تجعل من يواجهها يفقد صوابه، أو يقف مدهوشا، أو يعلن عن عجزه.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء