-->

برشيد... كلمات متقاطعة

     

بقلم: الجيلالي طهير

ينبع تركيزنا على المكان من تحكم الجغرافية في التاريخ، وفي ذلك يقول الأستاذ عبد الله العروي،"الحدث يشير في آن واحد إلى الإنسان وإلى موطنه" ( مفهوم التاريخ، ص: 254). بنيت برشيد، المدينة الصغيرة، على شكل كلمات متقاطعة، مجزأة إلى عدة فضاءات متكاملة، تم تشييدها عبر مراحل متتالية، على أسس عرقية، سوسيولوجية، ووظيفية. يبدأ تاريخ المدينة الجميلة تحديدا مع دخول القوات الفرنسية أرض أولاد حريز وتحويل أطلال قصبة قائدهم المفقود إلى ثكنة عسكرية في يناير 1908.

كان حشد من التجار المتعودين على التنقل خلف الجنود يتبعونهم في كل مكان من أجل تزويدهم بالضروريات. هؤلاء نصبوا محلات مصنوعة بالألواح الخشبية شرق المعسكر، بينما أقام الجنود السنغاليون من اللواء الإفريقي في الهواء الطلق بالجهة الغربية. وعلى وجه السرعة، جلبت رائحة العزوبية بائعات الهوى للاستقرار بداخل أكواخ حقيرة في مكان غير بعيد بنفس الاتجاه. وهكذا، ودون سابق تخطيط، خرجت من رحم السهل الرتيب مدينة حربية صغيرة، منحتها القيادة العسكرية الفرنسية اسم برشيد كي يستعملها الجنود كعنوان في البريد المرسل إلى ذويهم.

لم يكن يخطر ببال التجار المتنقلين خلف الجنود بأن بقاءهم في برشيد سيستمر طويلا، بسبب موقف الدولة الألمانية المعارض لاحتلال الشاوية. لذلك اقتصروا على بناء أكواخ خشبية مؤقتة قابلة للزوال في أية لحظة. وفي سنة 1912، تم إبرام معاهدة الحماية فتبددت مخاوفهم، وشجعتهم الإدارة الفرنسية على الاستقرار الدائم، عن طريق أحداث تجزئة سكنية شمال قصبة برشيد، بين محطة السكة الحديدية العسكرية ومكتب المخابرات، حيث كانت تنتصب المحلات الخشبية للتجار. حملت التجزئة اسم الحي الأوربي، وكانت تضم مائة قطعة أرضية، مساحة الواحدة منها 400 متر مربع، بسعر 0.50 فرنك للمتر المربع.

حالت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) دون خروج التجزئة إلى حيز الوجود فور الإعلان عنها. وإلى حدود سنة 1929، كان كل ما هو مشيد فوق أرض برشيد لا يتعدى عمارتين سكنيتن و 3 منازل سكنية وفندق واحد مخصص للمعاملات التجارية، بالكاد تغطي حوالي 2950 مترًا مربعًا ، بقيمة 510 آلاف فرنك. لكن في نفس السنة، انطلقت الأشغال المتعلقة ببناء الملاح، وهو الحي اليهودي، فوق مساحة قدرها 1150 مترً مربعً، تضم أربع شقق و عشرون محلا تجاريا لبيع الأقمشة،وحمام، وفرن خباز. وهو ما يعني أن بعض الرياضيين الذين يحاجون بأن فريق " الكاب" ازداد سنة 1927 إنما يتكلمون عن فريق عسكري، موطنه الثكنة العسكرية.

كانت سياسة الماريشال ليوطي تمنع اختلاط السكان الأصليين بالسكان الأوروبيين في المدن المستحدثة. وكان يجب انتظار سنة 1929 ليتم الترخيص بإحداث تجزئة سكنية خاصة بالأهالي في برشيد، فوق ملك مخزني، قوامها 110 قطعة أرضية مخصصة للسكن والبعض منها للنشاط التجاري. هذه التجزئة ستشكل مع الحي اليهودي الذي سبقها إلى الوجود ما أصبح يعرف لاحقا بحي القيسارية. وخلال نفس السنة ، أي في سنة 1929، تم الترخيص للمعمر آرلو، وهو عامل سككي، ببناء تجزئة للسكن الاقتصادي تحمل اسمه. والحالة هذه، فإن إطلاق اسم الحي العتيق على درب آرلو من طرف بعض الجمعيات يجب إعادة النظر فيه لأنه ليس فيه.

تلك كانت هي النواة الأولى لبرشيد المدينة الصغيرة، وذلك بغض النظر عن مدن الصفيح التي تم زرعها سنة 1926، على شكل بيوت من القش (النوايل)، قبل أن تسرح وتتمدد كالإخطبوط ، بالتزامن مع بناء درب جديد وما تلاه من أحياء أخرى، مع بداية الخمسينات.

كان الحي الأوروبي المجهز على الطريقة العصرية، تمشيا مع نمط عيش المعمرين، يختلف اختلافا جذريا عن حي القيسارية بروائحه، وصراخ ساكنته، وفصيلة كلابه. وإلى الآن، وعلى الرغم من التغيير الطارئ على المنظر العام، فكلاهما يجر وراءه رواسب الماضي البعيد. "إن الزمن الاجتماعي المتحول يتحرك ببطء خلف الحدث والزمن الآني"، يكتب بروديل صاحب هذه النظرية. إنها روائح المطاعم وضجيج ودخان السيارات المتناثر في أجواء حي لاكار تقابله روائح الطماطم ونهيق وروث دواب الجائلين الذي يملأ أزقة القيسارية. قد يقول قائل، انظروا إلى البناية التاريخية التي أغضبكم هدمها، نحن أعدناها لكم أفضل.

هو صحيح، لكن، وكما يقول محمود درويش عن العودة المستحيلة: " إن أعادوا لك المقاهي، فمن يعيد لك الرفاق؟

 

 

عرضأخفاءالتعليقات
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية