-->

الطبقة المجهضة بإيالة القائد برشيد

الصورة: أقصى اليمين الشيخ الوزاني ولد الشيخ العائدي صحبة الباشا محمد بن عبد السلام برشيد بباريس

بقلم: الجيلالي طهير 

استفاد شيوخ القبائل العربية من إقطاعيات واسعة من ألأراضي منحها لهم السلاطين الموحدين والمرينيين، مقابل خدماتهم العسكرية، ولم يفكروا في خلق طبقة اجتماعية خاصة بهم، على غرار إحداث الفرسان الأوربيين للطبقة الفيودالية. لقد كانوا يعودون إلى حياة الترحال والتنقل المنتظم خلف القطعان، متى وضعت الحرب أوزارها، وحافظوا بذلك على التنظيم القبلي الذي ظل يطبع عيشهم منذ القدوم من صحراء الجزيرة العربية.

كان لابد من انتظار حقبه القرن التاسع عشر ليتغلغل الرأسمال الأجنبي في المجتمع المغربي ويحدث خلخلة في البنية القبلية، تمخض عنها بروز طبقة اجتماعية واعية بهويتها، تجاوزت نظرتها للحياة الأفق الضيق للعشيرة. ليست الهوية غير الإحساس بالذات أي من نحن ومن هم الآخرون. ومن هذا المنطلق، تميزت الطبقة الوليدة عن السواد الأعظم بامتلاكها الأراضي الشاسعة، وترف العيش خلف أسوار القصبات والقُطع المحصنة، وسط الخدم والحشم، وضوضاء المآدب وبريق القناديل.

كانت الطبقة تتكون من إخوة القائد والشيوخ الذين فسخوا ارتباطهم مع بني جلدتهم وأصبحوا يشكلون جزءا من المخزن، والمخالطون المحميون الذين خرجوا عن طوع القائد في مرحلة ارتباطه الملتبس بالرأسمال الأجنبي. كانوا جميعهم أسرع من غيرهم وأقدرهم على فهم الأرض وما تجلبه من ثروة، فسارعوا إلى امتلاكها والحصول عليها بأية طريقة، مما جعل بول باسكون يصفهم بأنهم كانوا سابقين لعصرهم. على العكس من ذلك، لم يكن للسواد الأعظم، وهم عامة الناس، هذا الإدراك المبكر والإمكانيات بالنسبة لامتلاك الأراضي، مما ولد فجوة بين الطبقتين، وأصبح عندنا ما يعرف بأصحاب الكوانين الكبيرة في مقابل الحامدين الشاكرين. لم يدم الأمر لأكثر من جيل واحد، وتحولت نواة هذه الطبقة إلى شظايا متفرقة، بسبب إفراط الكثير من الوارثين في المباهاة والإسراف في الإنفاق من غير مناسبة بواسطة الأموال التي كانوا يحصلون عليها عن طريق بيع الأراضي أو الاستدانة مقابل الرهن المفضي إلى الإفلاس، حتى أصبحوا الله كريم.

هكذا فقدت عائلات ميسورة أجزاء مهمة من أملاكها بإيالة برشيد بيعت في المزاد العلني، مثل ما حصل مع الحاج عمرو بن الطاهر السليماني، والجيلالي بن محمد المعيزي، وادريس بنصابر الكريزي، ومحمد بن الحاج محمد البيضوري، والحاج علي بنقاسم، وغيرهم كثيرون. وباع آخرون ما لا يحصى من الهكتارات للأجانب في رمشة عين ، مثل ادريس بن الصغير العلالي والفاطمي برشيد، وورثة الحاج حمو الذين باعوا كل واحد منهم قطعة مساحتها 1200 هكتار دفعة واحدة، وباع ورثة بلخدير 800 هكتار، وصالح الدقاقي 600 هكتار، واللائحة طويلة.

كانت بعض العائلات الميسورة قد وسعت نطاق علاقاتها عن طريق الزواج والمصاهرة مع عائلات أخرى ثرية من خارج القبيلة بحثا عن تقوية الجاه والنفوذ. أبناء هؤلاء تزوجوا بنات أولئك، وشكلوا بواسطة هذا الاندماج الأسروي تحالفات متينة تجاوزت الإطار الضيق للعشيرة، مثل النموذج العائلي التالي: تزوج الشيخ محمد الوزاني ولد الشيخ العائدي ولد احساين أمينة بنت محمد بن عبيد السالمي. وتربت في بيت جدها من أمها اسماعيل بن الحاج اسماعيل الحبشي الكرومي. الحاجة خدوج بنت الحاج بن اسماعيل الخليفة بن محمد بن عبيد السالمي. وتزوجت زهرة بنت الحاج بن اسماعيل الكرومي ثلاثة قياد هم من أولاد بوزيري هم على التوالي: القرشي الزيراوي، القائد التونسي البوزيري، القائد علي بن البهلول. من جهة أخرى، تزوج القائد التونسي رقية بنت قاضي مراكش العلامة عباس بن ابراهيم الطعارجي. وتزوجت فاطنة بنت علي بن حساين، عمة محمد الوزاني، من الباشا الحاج حمو. نجل هذا الأخير محمد ولد الحاج حمو تزوج رقية بنت بوشعيب بن علي بن حساين وأمينة بنت القائد عبد السلام برشيد. بينما تزوج الخليفة محمد برشيد فاطنة بنت البشير بن القائد التونسي البوزيري، والكومندار الكتاني أمينة بنت القائد محمد بن صالح الداودي، والد القائد الصغير. في حين تزوجت أختها زهرة من القاضي عباس بن ابراهيم الطعارجي. وتزوج ادريس بن موسي الدقوني العلجة بنت محمد برشيد، وأختها الغزال تزوجها العربي بن عبد الكريم بنمسيك خليفة باشا الدار البيضاء، الخ.

 

عرضأخفاءالتعليقات
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية