-->

بقلم الجيلالي طهير : من الصفحات المغلقة للمقاومة ببرشيد

 برشيد نيوز: بقلم الجيلالي طهير
لم يكد يمر شهر واحد على نفي السلطان محمد الخامس، من طرف السلطات الفرنسية، إلى جزيرة مدغشقر في غشت 1953، حتى انطلقت الشرارة الأولى للمقاومة المسلحة في الدار البيضاء وامتدت نحو الضواحي المجاورة لها.  سيكون من المبالغة القول بأن برشيد، البعيدة عن الدار البيضاء بحوالي أربعين كيلومتر، كانت تمثل مركزًا رئيسيا للمقاومة النشطة والمنظمة ضد المحتل. فهي كانت لا تزال قرية صغيرة حيث السكان يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن بعضهم البعض. ولكن، كما في أي مكان يعيش تحت الاحتلال، كان بها أبطال غامضون، يستضيفون أشخاصا غامضين، يخفونهم عن أعين العملاء والمخبرين.
أصبح السكان سجناء بيوتهم بعد الغروب بسبب حالة الطوارئ وحظر التجول المفروض عليهم. بينما كانت أحياء الصفيح تمثل بؤرة سوداء بالنسبة للمحتل، يسكنها الناس مؤقتا، فيبتون هنا ويصبحون هناك. وفي  أحد الليالي،  وبينما  دورية المراقبة  تقوم  بالتجول بدوار الحاج عمرو، صحبة المقدم بوشعيب ولد بوعلي،  لفت انتباه رجال الدرك الفرنسيين نزول  أحد الأشخاص إلى حفرة  يرمي فيها  السكان الأزبال. توقفت سيارة الجيب بجانب الحفرة، وأسرع  الجندرمية  يركضون  شاهرين مسدساتهم وسط الظلام، معتقدين بأنهم عثروا  مقاوم  يريد الاختباء.  لكن الرجل كان قاصدا الحفرة من أجل قضاء حاجته، فأصيب بالذعر، واندلقت أمعاؤه دفعة واحدة. وقف منتصبا على ركبتيه، وهو في حالة يرثى لها، ومقراج الوضوء في يديه، وأخذ يستغيث :" وحق سيدي على بن براهيم عا خرجت نتوضا".  كان الجندرمية يتفرسون فيه أكثر مما يصغون إليه،  فاعتقدوا  بأنه يعترف لهم بوجود  شخص آخر  يختبئ معه في الحفرة اسمه ابراهيم.  قال له أحدهم  وهو يواصل الاقتراب منه، حاملا المسدس بيمناه،  والمصباح يضيء حواشي الحفرة المظلمة بيسراه: " هو ليمان ، هو ليمان، وي إيلي براهيم، وي إيلي براهيم؟".  

وفي يوم آخر، انتشر خبر اغتيال شاب كان يركب دراجة هوائية بالشارع المؤدي إلى مكتب الاستعلامات. كان القتيل كثير التردد على بيت الضابط الفرنسي الذي  يستخدمه للسخرة، ومن هنا تضاربت الشائعات حول تصفيته. ردد المسئولون الفرنسيون أسطوانة القاتل المجهول، أي «الإرهابي" الذي يختفي كخيط الدخان دون أن يترك خلفه أي أثر. ومن ثمة ألقوا القُبض على نحو سبعين شخصا مشتبها بهم، وهم يعرفون مسبقا بأن شكوكهم باطلة.  ربما كانوا يريدون من وراء ذلك استعراض قوتهم. من بين هؤلاء المعتقلين الفقيه بن لولو، رجل أعور،  يبصر بعين واحدة دون الأخرى. لما أطلقوا سراحه،  قال عن التعذيب الذي تعرض له في سجنه: " بقاو يضربو فيا حتى عدت نشوف بعينيا بجوج". وهو تعبير عن الخوف الذي عندما يصل إلى الأقاصي ينقلب إلى حالة بياض يتساوى فيها كل شيء. وفي الجهة المقابلة، كان الأهالي يتحدثون عن عملية فدائية بطولية،  يتخيلونها استهدفت عميلا، عوقب على علاقته المشبوهة مع السلطة الاستعمارية.  في سياق اللحظة، لم يكن لأحد أن يفسر الأشياء بغير تلك الطريقة، خصوصا وأن بعض المتعاونين ألقوا القبض على شخص ذو "سوابق عدلية" ، وربطوه على شجرة بالطريق العام. وبالفعل، كان المشتبه به محكوما بالسجن، أنهى على التو  10 سنوات من الحكم  بالنفي، قضاها خارج برشيد، بسبب تورطه في قضية عبد السلام برشيد قاتل الجندرمي فابير سنة 1943. وبعيدا عن كل هذا، كان الأعوان الذين يشتغلون  مع الإدارة الفرنسية، يتحدثون همسا عن الجريمة العاطفية le crime passionnel ، ويقولون بأن  العربي، الشاب الوسيم، كانت تربطه علاقة  غرامية  مع زوجة الضابط الفرنسي الذي  أطلق عليه النار بدافع الغيرة، وغطى على فعلته  باختراع أسطورة القاتل الإرهابي المجهول. 
تحولت برشيد إلى سجن كبير مسيج  بالعيون المارقة وخفافيش الليل. ومع ذلك، عرفت بواديها بعض عمليات التخريب الصغيرة التي نفذها أبطال مجهولون، لم يتعرف عليهم أحد،  قطعوا  الأسلاك الهاتفية، وأحرقوا  المحاصيل الزراعية  بالضيعات الفلاحية للمعمرين ، وأتلفوا  خط السكة الحديدي الرابط بين سطات والدار البيضاء، وقاموا بسرقة وتهريب السلاح الخفيف  من القاعدة الجوية الأمريكية بالنواصر.  لم يكن ذلك ليحصل بسهولة،  لأن بعض أعوان السلطة كانوا يختارون شبانا يفرضون عليهم القيام بالحراسة الليلية لخط السكة الحديدي والأعمدة الحاملة للأسلاك الهاتفية. ففي دواوير  الزوارة وأولاد سعيد امحمد مثلا، حيث كان المقدم الراوي والمقدم الكياف يتعاطفان مع أبناء  جلدتهم  ويغطيان على الأطفال الذين يرمون السيارات بالحجارة، اختارت السلطة الفرنسية مقدم من دوار  التشايش للقيام بمسؤولية مراقبة أعمدة الهاتف المحادية لطريق مديونة، على الرغم من وجودها خارج نفوذه الترابي. هذا الأخير، كان يأتي كل صباح إلى  الدواوير المذكورة على ظهر حمارته، ويحدد لكل شاب يختاره عشرة أعمدة، يفرض عليهم حراستها ليلا في  الخلاء، تحت المطر والبرد القارس.  وماذا عن "المتعاونين"؟ كما هو الحال في جميع البلدان الخاضعة لقانون الأقوى، كان يوجد أشخاص خائفون يهادنون السلطة الجديدة من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية؛ وأشخاص ضعفاء النفوس مستعدين للقيام بأي شيء من أجل المال.  
ومما لاشك فيه فإن العمليات الجريئة التي نفذها رجال شجعان ينتمون لأولاد حريز ، جرت بمدينة الدار البيضاء، على يد مناراة  مضيئة في درب المقاومة، على رأسهم: الشهيد  إدريس بن محمد الحريزي  الفقري،الملقب بمجيديل؛ الشهيد المصطفى بن علي المعاني الحبشي، الملقب  بولد الزو؛ الشهيد المكي بن ​​الحاج محمد لطيف القبلي، الملقب بالطرزي؛ الشهيد بوشعيب بن الحاج مقداد لحريزي؛ عمرو  الحريزي؛ محمد ين منصور  الحبشي، الملقب بالنجار؛ شاهيد المكي؛ صالح بن بوشعيب، الملقب بلمخنت، المصطفى بارجو؛ محمد حكيم؛ ادريس ولد بوعنان الحبشي؛ عبد القادر رستم الفقري؛ عبد الله فردوس؛ الخ.
بعد الإعلان عن استقلال المغرب، وقع ما يقع في كل دولة حديثة تسعى إلى احتكار العنف المشروع للخروج من دائرة الفوضى. لقد تمت مطالبة قادة المقاومة بتسليم أسلحتهم إلى أجهزة الدولة الوليدة، فامتثل البعض، وامتنع البعض الآخر، مما أدى إلى  اندلاع مسلسل التصفيات المتبادلة بين المقاومين الذين اختلفوا على مشروع الدولة.  فقد تم اختطاف محمد بن عبد القادر الحريزي، وصالح الحريزي، وقديري محمد بن الحاج الجيلالي الحريزي، ولم يظهر لهم أثر. هذا الأخير، حفيد الولي سيدي الجيلالي العميري، كان يلقب بميشال الحريزي، وكان حائزا على الإجازة في جامعة السوربون بفرنسا، اختفى مع زوجته السويسرية  سنة 1959، في ظروف يلفها الكثير من الغموض. وكان لابد من انتظار وصول رفيقه عبد الرحمان اليوسفي للوزارة الأولى كي يوقع شهادة الاعتراف باختطافه، قدمتها عائلته لهيئة الإنصاف والمصالحة. بينما طال الاغتيال، خنقا بواسطة الحبل، المقاوم  عمرو  أم بحرو الذي عثر عليه جثة هامدة بجانب الطريق المؤدية إلى السوالم. ولأن المدينة الصغيرة لم تكن تتوفر على سيارة إسعاف،  أو لسبب آخر، فقد تم نقل جثته هذا إلى مقبرة سيدي زاكور على متن شاحنة الأشغال البلدية، بكيفية لا تليق بالمقام. كانت الفوضى هي عنوان مرحلة ما بعد الاستقلال، وكان المثقفون، على أعلى مستوى، بجميع اتجاهاتهم الفكرية، يتجاهلون ثقافة حقوق الإنسان. وفي تلك الأجواء المحمومة، كتب الحاج الحريزي بنزروال، الطالب الجامعي بدولة العراق، إلى أخيه الأكبر عبد القادر  بن زروال  ببرشيد، رسالة بتاريخ  2 فبراير 1956،  يقول فيها: " جاءتني رسالة من ... وقد أخبرني عن موت عمرو بحرو  زعيم الشردمة الثورية. كما حدثني عن زيارة عبد الحميد الزموري. أنا لا أفهم عبد الحميد هذا، وما هي المناسبة، ولماذا جاء الى برشيد وبأي مناسبة؟". على المستوى الرسمي، كان عبد الحميد الزموري، المنتمي لأسرة المقاومة،  قد جاء برشيد كأول عامل تم تعيينه  على إقليم الدار البيضاء التابع لها قيادة أولاد حريز. وبالنسبة المواطنين العاديين، كانوا يحتاطون في الكلام مع الغرباء، خشية تعرضهم للانتقام من طرف هذه الجهة أو تلك. حدث في  أحد  حوانيت القيسارية أن  جلس الطويل، مول الفندق، بين يدي لمعلم عبد الله الحجام يكرط له رأسه بالموسى. وفجأة، دخل عليهم زبون غريب وأخذ يتحدث عن الاغتيالات الواقعة بالدار البيضاء. تظاهر الطويل بأنه لم يسمع شيئا، وتوجه بالكلام إلى الحجام قائلا: " وا.. لمعلم كي جاوك دوك الدجيجات اللي جابو ليك". والمعنى واضح في حكمة الحكماء، يذل على أنهما غير مهتمين، ويخلدان إلى النوم مع غروب الشمس مثل الدجاج.
 حدد ظهير 11 مارس 1959 الشروط اللازمة للحصول على صفة مقاوم،  ومنها كل الذين شاركوا في أنشطة المقاومة لهدف تحرير الوطن واستعادة سيادته.  وفي غشت 1960، صدر ظهير بإحداث المكتب الوطني للمقاومين، واشتد الطلب على بطاقات المقاومة  نظرا للامتيازات العديدة التي أصبحت تمنحها، حتى صارت تجارة مربحة من الوجهتين التجارية والسياسية، كما أشار إليه  جان واتيربوري في مؤلفه " أمير المؤمنين". وهل من الضروري إضافة التجاوزات التي طالت بعض المقاومين الذين لم تعترف لهم السلطة الرسمية بهذه الصفة؟  كان المرحوم محمد بن المعطي بن الحاج محمد  ضريف،  من سكان دوار بوهالة بساحل أولاد حريز، عاملا فلاحيا  بضيعة "لابيسا" المملوكة لمعمر فرنسي بضواحي بوسكورة.  ذات يوم، اتفق مع  زملائة، وعددهم إحدى عشرة، على إضرام  النار في المحصول الزراعي  للضيعة. ألقى رجال الدرك  القبض عليهم، وأودعوا سجن عين البرجة بالدار البيضاء،  قبل أن يطلق سراحهم مع  العودة المظفرة للملك محمد الخامس من المنفى، ويحصلون على صفة مقاوم. باستثناء محمد بن المعطي ضريف الذي غادر السجن مصابا بالتهاب رئوي، تسببت فيه رطوبة الزنزانة، ألزمه  الحجر الصحي  بمستشفى داء السل  بمدينة ابن أحمد.  بعد تماثله للشفاء، تقدم بملفه إلى الجهاز المختص، متضمنا الوثائق المطلوبة، لكنه قوبل بالرفض بحجة عدم التزامه بالمواعيد المقررة. أحد الأشخاص طلب منه مقابلا ماديا، فلم يعره اهتماما، وغادر المكان دون رجعة. تسأله ما هي المقاومة بالنسبة إليه، فيجيبك: " عا النفس، مرضيناش بالنصراني". وتسأله، لماذا لم يلح في المطالبة بحقه، فيجيبك: "في سبيل الله".
ابتداء من الأسابيع الأولى من الاستقلال، أصبح العديد من المقاومين قواد أو خلفاء أو شيوخ ومقدمين، وكان على رأسهم العامل محمد منصور، القائد أحمد حريزي، الخليفة ادريس بوعنان، الشيخ قديري صالح، الخ.  وبصفته الحزب الوحيد في البلاد، استبدل حزب الاستقلال أعوان السلطة التابعين لنظام الحماية بأشخاص يدينون له بالولاء.  كما حرم التدخين، وسمح لرجاله "الوطنيين" بتولي مهمة القبض على المدخنين واقتيادهم إلى مقر الحزب عوض مقر القيادة لتطبيق الأحكام.  في دوار الحاج عمرو، كان الشاب السعداوي عبد الكبير، متعلم جزار، قوي البنية، من الشبيبة الاستقلالية، كلما صادف شخصا يدخن ارتمى عليه، وأدخل له علبة السجائر في فمه بالقوة وأجبره على ابتلاعها.  وبدوار الشيخ صالح، أراد شخص أن يدخن بعيدا عن عيون حزب الاستقلال، فركب حمارته واتجه بها نحو الحقول خلف ضيعة موينيني ( تجزئة سيدي عمرو حاليا).  هناك، التفت يمينا وشمالا، ولما تبين له بأن المكان خال، لا يراه فيه أحد، نزل وتظاهر بأنه يريد أن يقضي حاجيته.  وبينما هو جالس القرفصاء يدخن، وينفث الدخان بداخل جلبابه كي لا  تنتشر  الرائحة في الهواء، تألمت الدابة الواقفة وراءه  من لسعة حشرة النعرة، فقفزت في الهواء  ونزلت عليه بردحة على الظهر. قال لها متحسرا: " حتى أنت وطنية يا بنت لحرام".
عرضأخفاءالتعليقات
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية
طريقة تفعيل هذه الاضافة :- اضغط علي المربع اسفل كلمة مرئي لتفعيل علامة ( √ ) صح وبهذا تكون قد الغيت الخاصية