22201702901846884
recent
أخبار ساخنة

بقلم الجيلالي طهيـر : عيد بالعسل وعيد بالحنظـل بأولاد حريز

الخط

برشيد نيوز/ بقلم: الجيلالي طهيـر
 يُعتبر التاريخ القصير الذي يعتمد على الحدث الصحفي، أو الخبر الشفهي، الأكثر خداعاً، يقول فرناد بروديل. أحياناً يقع حادث سريعٌ لا يتكرر مرة ثانية،  فتتناقله الألسن التي تضيف إليه ما ليس فيه، وتحوله إلى حقيقة زائفة، تُلصقها تعسفاٌ بالناس، مدعيةً أنها من طباعهم.  ففي عهد الحماية، احتفلت إحدى  العائلاتِ بدوار بئر الثور ودوار بني منيار مرة  واحده بعيد الفطر قبل أوانه، أي في اليوم الأخير من شهر الصيام، وذلك عن طريق  الخطأ غير المقصود.  لكن جرى تعميمُ الأمر، وتم التعامل معه  على أنه عرف سنوي يتبعه سكان تلك الدواوير.  
عيد بالعسل في بئر الثور
في ليلةٍ رمضانيةٍ سبقت عيد الفطر بيومين، وقف سكانُ بئر الثور يراقبون هلال العيد، مستعجلين مستهل شوال. كانت ليلةً مظلمة، سماؤها مقبطة الأسارير فيها عبوس وجهامة، يمد المرء بصره باحثاً في جنباتها عن الهلال فلا يجد غير ركام الغمام. سعوا جاهدين أن يعثروا  على  خيط  باهت من الضياء بين السحاب، وبعد طول تحديق في السماء،  توهم أحد منهم  أنه  يرى دفقة ضياء  تظهر وتخبو تحت الغمام. صاح :" راه راه، والله تراه"،   فسرت العدوى بين الحاضرين الذين  انطلقوا جميعهم  يرددون: " راه   راه  شويا منو بان،  راه كيمشي ويجي مع السحاب".  بقي فقيه الدوار  صامتاً،  ولما التفتوا إليه يأخذوا  يقينه، لم يخالف رأيهم، وقال: " هو هداك، خيط  منو يبان للأعمى".  أبطلوا السحور وتعشوا وناموا، ولما أصبح الصبح، كان المدهون في بيوتهم  يغري النظر  بالأكل حتى الشبع، والشاي الأخضر المنعنع  يحلب الريق إلى الارتواء. وفي جوٍ مشرقٍ وبهيج، خرج أطفالُ الدوار يحملون الأطباق والصواني، مفعمةً بأطيب الأكولات وأجود الحلويات  إلى دار الشيخ  بوشعيب بن الجيلالي، حيث يجتمع  الكبار كعادتهم  من أجل تبادل الطرائف والنكت المسلية.  جلس الشيخ بوشعيب وسط الجمع أنيقاً، وكأنه الطاووس يفرش جناحيه بين الأحباب، وتلفن لأخيه السي إدريس باشا سطات يبارك له الاحتفاء بالعيد السعيد. هذا الأخير، كان ينتمي لرجال المخزن السامي، متزوجاً ابنة الصدر الأعظم الحاج محمد المقري الذي عاصر خمس سلاطين، وأول من أدخل الكهرباء إلى بيته بفاس سنة 1906. تلقى الباشا السي ادريس التهنئة من عند أخيه باستغراب، وسارع إلى الاتصال عبر التلفون بالباشا  الحاج محمد ولد الرشيد بالقصبة الجديدة بأولاد علال،  وقال له: " أنت عندك دوار معيد، وما سايق خبار".  اتفق الرجلان على موعد يلتقيان فيه بعين المكان، وما هي إلا لحظات  حتى كانا واقفين  بسيارتيهما أم دار الشيخ بوشعيب. هناك، وجدا  الشيخ وإخوانه في غاية السرور، يتبادلون الأحاديث المستملحة  بين نكهة الشاي المشحر ولذة  المدهون بالسمن والعسل. بعد تبادل العناق المشفوع بالعتاب اللطيف، أمر  الباشا  الفاطرين بعدم  الخروج حتى لا ينتشر الخبر، فأجابه الفقية، وكانت له صحبة مع الباشا، ومتزوجا إحدى بنات الشيخ بوشعيب: لا شيء يدعونا الى الخروج، نحن ننتظر  كصعة الكسكس وفي قعرها أكوام اللحم  المغطية بأنواع الخضار. لابد من القول بأن المخزن المحلي كان يكيل بمكيالين، يوقر أصحاب المركز والجاه وينكل بما هم دون ذلك.  هذه المعاملة الاستثنائية التي خص بها الباشا ولد الرشيد الشيخ بوشعيب المستند على ركيزة من المخزن السامي، لم يطبقها  خليفته السي عبد السلام مع الطاهر ولد جعفر، مقدم دوار بني منيار، في قضية من نفس النوع. هذا الأخير، ولأنه بدون سند يرتكز عليه، لم يشفع له انتماؤه لأعوان المخزن، وتحول مذاق العسل في فمه إلى حنظل، بسبب الاحتفال بالعيد قبل أوانه، عن طريق خطأ غير مقصود.
2. عيد بالحنظل في دوار بني منيار
في يوم من أيام الصيف القائظة، وخلال ليلة رمضانية سبقت يوم عيد الفطر بومين، تأخر    ولد الطاهر بن جعفر، ابن مقدم دوار بني منيار، في العودة إلى خيمته، وبقي يتجول في  قيسارية برشيد مع صديقه  السلهومي.  وبالصدفة، مر أمام  دكان الحجام المجاور لحي الملاح، فصافحت أدناه مقطعا من أغنية دينية لأم كلثوم تتغنى فيها بالترحاب بالعيد: "يا ليلة العيد آنستينا". ابتهج الشاب وانطلق كالرمح إلى خيمة أبيه فرحا مسرورا، حاملا الخبر السعيد.  أبطل أهله السحور وتعشوا وناموا.  ومع شروق الشمس،  كان الشاي يكشكش في الكيسان والبطبوطة تنطح البطبوطة في خيمة المقدم الطاهر.  كان جميع أفراد الأسرة  حاضرين  حول المائدة باستثناء  عزري   كان يحرس  حقل الدرة  بالخلاء.  لما أرسلوا له الفطور إلى العشة، وقع بصر  جارهم الفيل، أمين البياضة، على  الماعون الخارج من الخيمة، فانتفخ كالديك المزهو بنفسه، ووجدها فرصة لتصفية حساب قديم مع المقدم، حول تصادم الاختصاص بين حرفة المقدم وحرفة الأمين. انطلق من ساعته إلى دار الخليفة  عبد السلام ولد الرشيد، وكان يدين له بتعيينه أميناً على البياضة، وقال له : " لا تسال لا تسول نعام آس،  الكويفر ديال المقيدم  الطاهر واكل رمضان، وبغا يوكل معاه الدوار نعام آس ". طلب الخليفة من المخازنية أن يخرجوا إلى دوار بني منيار، ويأتون له بجميع أفراد أسرة المقدم الطاهر في الحال. ذهب المخازنية  على خيولهم وساقوهم إليه  فردا فردا، رجالا ونساء وأطفالا، منتوشي الريش، مكسوري الجناح، والكلاب تتنابح علي فراقهم. لبثوا واقفين في برشيد طوال النهار أمام دار الخليفة والسي الفيل يتشفى فيهم.  لم يغادروا حتى سمح لهم مزاج الخليفة بذلك، وبعد أن دفعوا له فدية مالية عن كل رأس أكل مؤخر رمضان.  
غنيٌ عن الذكر بأن  لبني منيار أعلامهم وعلماؤهم، ومنهم: الفقيه الحاج خريبش، أول رجل تكلم  الانجليزية بطلاقة بأولاد حريز، حيث اشتغل كاتبا بالقنصلية الأمريكية في القرن التاسع عشر؛ والفقيه العلامة المفضل بن الحاج عمرو الغماري. لكننا هنا، نتحدث عن العوام الأميين في فترة الاستعمار. أثناء إعداد أطروحته الجامعية التي تحمل عنوان: "تمثل المجال عند الأمي المغربي"، طلب الباحث المغربي في علم الاجتماع، الأستاذ محمد بوغالي، من شريحة من سكان الجنوب المغربي أن يرسموا له خريطة العالم، فرسم  له أحدهم موقع  مكة المكرمة بالقرب من مدينة أكادير على الخريطة. عندما يتجاوز المقدس محيط المدينة أو القرية التي يعيش فيها الإنسان الأمي المندمج مع هذا المقدس، تصبح حدوده غامضة ومجردة، مبنية على تخيلات وتصورات ذهنية لا علاقة بها بالواقع. في الفقه الإسلامي أيضاً، يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية"، ولو أن نبي الإسلام أجاز الصوم في حال رؤية الهلال من طرف البدوي. نترك التفسير والتأويل لمن يهمهم الأمر، من الفقهاء الأجلاء المختصين. ما لا نقاش فيه، هو أن البدو الأميين،  في زمن من الأزمنة، كانوا لا ينقلون الشهادة على النحو المستقيم.

نموذج الاتصال
الاسمبريد إلكترونيرسالة