22201702901846884
recent
أخبار ساخنة

أمي الداودية، قابلة دوار قبالة جماعة جاقمة إقليم برشيد

الخط
امرأة في الذاكرة
«مِّي الداودية قابلة الدوار»
أدوار إنسانية وصحية من أجل أبسط شروط العناية بالمرأة القروية خلال فترة المخاض والولادة
برشيد نيوز : بقلم شمس الدين ماية
المرحومة ''مِّي الداودية" بعد مشوار حافل تستحق تسليط الضوء على مسارها المتميز، حيث أشرفت بشكل فعلي على توليد العديد من نساء ساكنة دوار قبالة، الكائن بجماعة جاقمة بإقليم برشيد، و حسب بعض التصريحات فقد منحت لقب الأم الثانية لثلاثة آلاف وتسعمائة من أبناء وبنات المنطقة. و"مِّي الداودية" هي امرأة من الدوار، سخرت نفسها لخدمة ساكنته، خصوصا في القيام بدور القابلة وإشرافها على توليد النساء. عملت القابلة على رعاية نساء دوار قبالة المقبلات على الولادة خلال فترة الحمل، و عند المخاض والولادة. كما كان للسيدة الداودية دور هام في الرعاية الجيدة المتعلقة بالصحة الإنجابية،  اذ كانت تقوم بدور طبيبة النساء لحل كل اشكال لدى المرأة الحامل بالقبيلة. ولهذا فالقابلة الداودية رحمها الله، كانت تزاول مهنة إنسانية محترمة، معترف بها اجتماعيا، مكنتها من كسب رزقها، وسمو مكانتها عند  ساكنة الدوار.
الحاجة جد ملحة إلى القابلة في الدواوير النائية التي لا تتوفر على مستشفيات وتجهيزات للولادة. فساكنة الدوار ليس لهم اختيار إلا الولادة الطبيعية بمساعدة القابلة، خاصة النساء الأكثر فقراً اللواتي لا يستطعن تحمل نفقات التطبيب، اذ غالبا ما تكون خدمتها مجانية، بحيث تتنازل الأم الداودية عن أتعابها المادية بغية الأجر وعمل الخير.
فللأسف مهنة "القابلة" انقرضت بدوار قبالة بعدما وافت المنية الأم الداودية، وأجهض على جزء كبير ومهم من النظام الصحي للساكنة بالمنطقة.
لم تكن تجد "مِّي الداودية" من مصدر للعيش وسد الرمق، سوى ما تربحه من دراهم مقابل تعبها وكدها، و ما جادت به كفاءتها وخصائصها. فكانت تعرف على أنها محترفة على قدر كبير من الكفاءة والمسؤولية. وقد كانت ممارستها لعملها في أي زمان وأي مكان، وحتى ساعات متأخرة في المنازل وخارجها. فكانت رحمة الله عليها على درجة عالية من التدريب، كما كانت تشتغل لوحدها وبدون مساعدة. فكلما ازداد عمرها اكتسبت تجارب، وتم الاعتراف بها في مجال التقاليد الشعبية الطبية في القرية. حصلت "مِّي الداودية" على معارفها من مجموعة متنوعة من المصادر، كما صقلت موهبتها مع مرور الوقت.
أصابع "مِّي الداودية" نحيلة، وأظافرها قصيرة، مما يجعلها فنياً بارعة، عطوفة ويدها ناعمة لراحة كل من الأم والطفل.
كد وكفاح منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس بدرجة من التأهب لأي طارئ قد يحصل. رحلة كفاح تبدأها "مِّي الداودية" أثناء الاستعانة بها في عملية الولادة. تجلس القابلة في مواجهة الأم، تؤازرها وتشجعها أثناء الولادة، وتقدم تعليمات خاصة بالتنفس، والدفع، وفي بعض الأحيان تدلك فتحة المهبل وتدفع للأسفل بالضغط على الجزء العلوي من بطن الأم. فهي أول من يستقبل المولود، حيت تضعه في قطعة من القماش، وتقطع الحبل السري ثم تطهره وتنظفه.
بعد الولادة، تقوم القابلة "مِّي الداودية" بالإعلان الأولي إن كان المولود يتمتع بصحة جيدة وتتفقده بحثا عن التشوهات الخلقية المحتملة كما تختبر بكاءه لسماع ما إن كان عاديا أم لا.
فرغم الدور المهم الذي لعبته "مِّي الداودية" خاصة والقابلات عامة بالعالم القروي في حياة الوليد وأمه، يعتبرن من فئة النساء المهمشات والمغبونات، نتيجة للنظرة النمطية والتقليدية المسيطرة. وحاليا تتفاوت الرؤية المجتمعية للقابلات التقليديات، فهناك تبعيد أو تهميش لهن. ولكن ، وفي انتظار نظام طبي شامل للعالم القروي ببلادنا، فالكثير من مناطقنا –أبينا أم كرهنا-  لازالت المرأة تعتمد على القابلة التقليدية في الولادة، في الحمل، في تقديم المشورة والنصائح، فأمثال المرحومة "مِّي الداودية" ساعدن، يساعدن وسوف يساعدن شريحة كبيرة من النساء للعناية بأنفسهن قبل الحمل، أثناء الحمل والإنجاب وما بعد ذلك.
يُحصي المغرب أكثر من ثلاثة آلاف قابلة، تزاول مهنة توليد النساء. ورغم ذلك فهناك حاجة إلى مزيد من الجهد لأجل تفعيل دور القابلات في تقديم الرعاية للأم والطفل، كما أن هناك نقص في الوحدات الصحية بالبوادي خاصة في المناطق الريفية والعشوائية التي يسيطر عليها الفقر والجهل. وجدير بالذكرأن القابلات بالعالم القروي يقمن بأدوار تطبيبية وإنسانية غاية في الأهمية. فلنرد الاعتبار لهذه الفئة التي تعاني في صمت، بعد أن كانت القابلات يقمن بأدوار اجتماعية وصحية خصوصا بالعالم القروي الذي يفتقر إلى أبسط شروط العناية بالمرأة خلال فترة المخاض والولادة.
نتقدم بتحية إكرام واحترام لهؤلاء أو لتلك البطلات بدون مجد، اللواتي بالفعل يحملن رسالة إنسانية نبيلة تتعلق بحياة الأم ووليدها، فمن الواجب أن يكون هناك اعتبار لمسار هؤلاء النسوة اللواتي يشتغلن في الخفاء والمعاناة، أمثال "مِّي الداودية" من القابلات القرويات تم على أيديهن إنقاذ حياة أعداد كبيرة من النساء والأطفال بالدواوير النائية. فلنقبل أيادي كل القابلات القرويات بالخصوص، ولنعمل على تحسين الرؤية المجتمعية لاعتراف أكبر للقابلة، وإزالة التفاوتات بين قابلة الدوار والقابلات الأخريات.
فهذه شهادة من عدد كبير من سكان دوار قبالة في حق "مِّي الداودية"، هذه المرأة العصامية التي سخرت نفسها لخدمة المرأة القروية طيلة فترة زمنية تقارب "قرن" من الزمان. ودَّعت "مِّي الداودية" العالم، المرّأة التي عرفت بأخلاقها النبيلة في خدمة ساكنة الدوار، لم تطمح يوما في هجرته، ظلت متشبثة بالحوامل والأطفال، ورحلت وهي تدافع عن الحق في التطبيب في ظل غياب وحدات صحية في دوارها النائي.
بقلم شمس الدين ماية
نموذج الاتصال
الاسمبريد إلكترونيرسالة