صناعة العقول ببرشيد

برشيد نيوز : بقلم طهير الجيلالي 
تعتبر صناعة العقول أحد الوظائف التي تقوم بها الدولة بواسطة أجهزتها الايديولوجية كالمدرسة والأحزاب والإعلام، الخ( لويس ألتوسير). 
فمن المسؤول عن صنع عقولنا الناقصة ديموقراطيا على هذا النحو؟ يقول الأستاذ عبد الله العروي في مؤلفه "الايديولوجية العربية المعاصرة": "إن النظرة الديموقراطية التي ما فتئت الجرائد المغربية، بجميع توجهاتها السياسية ، تقدمها للقارئ منذ سنة 1962 هي نفسها السائدة في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر" (ص:128). 
ويقول الأستاذ عمرو منير في مؤلفه " ترجمة وفاة القرن العشرين- محاولات عن المغرب-" بأننا لو أزلنا البوطاغاز عن المطبخ المغربي والبطاريات من الهاتف الجوال في بعض المناطق من البلاد لوجدنا أنفسنا لا زلنا نعيش في القرن التاسع عشر (ص:16). 
ملخص القول، لم يتغير أي شئ في جوهر الإنسان المغربي، ولم يطرأ أي تغيير مهم على أنماط التفكير الراكدة تحت المساحيق البراقة والطلاء الخارجي المستورد ببرشيد.... 
في تلك الحقبة التاريخية، كانت تامسنا، وهي الشاوية حاليا، أرضا سائبة تجوبها القبائل المتنقلة التي تعيش حياة الرعي. 
ولم تدخل التاريخ الحديث إلا في عهد السلطان المولى سليمان، لما قرر أولاد حريز الاعتراف بحكمه فعين عليهم صهره وابن عمه عبد المالك بن ادريس. غير أن قبيلة أولاد حريز بقيت تتأرجح بين حالة السيبة والخضوع للمخزن، تبحث باستمرار عن سلاطين الدمى كي يقاسمونها موارد مرسى الدار البيضاء. 
وأخيرا، عرفت القبيلة حالة الاستقرار والالتزام بطاعة السلطان المولى عبد الرحمان، بعد أن جعل منها إيالة قائمة الذات، عين عليها صهره القائد محمد برشيد العلالي. 
كانت الأرض السائبة من المنظور الفقهي تعتبر "بلاد الجاهلية"، لأنها كانت تستند على الأحكام العرفية في النزاعات بين الأفراد والجماعات عوض الشرع الاسلامي. 
حتى إذا جاء السلطان المولى عبد الرحمان، وبدأ الجزائريون وقتها يسمون المغرب ب " بلاد مولاي عبد الرحمان"، أمر عامله محمد برشيد أن يعين على رأس كل دوار " طالبا" ،بصفة قارة ودائمة، ليفصل بين الناس بالشرع ويعلم الأولاد القرءاة والكتابة و تعاليم الدين الاسلامي. 
ومنذ ذلك الوقت،أصبحت مؤسسة الفقيه آلية إيديولوجية للإدارة المخزنية، تسعى لتقوية المعتقدات الدينية والتنظيم السياسي المحلي بأولاد حريز. 
وبعد وفاة هؤلاء الفقهاء، ولأنهم كانوا حملة القرءان ومحاطين بالتبجيل، تحولت قبورهم إلى مزارات للتبرك والتوسل لشفاء المرضى وطلب الغيث. 
إن أهم ما ميز حقبة المولى عبد الرحمان القصيرة هو بداية الحياة المستقرة فوق أرض أولاد حريز. 
وكانت حالة جديدة فرضها توسيع الأراضي الزراعية على حساب المساحات الرعوية، من أجل تصدير الحبوب وتقوية الموارد الجمركية. وقد ظهرت التجارة الخارجية وقتها كشكل من أشكال التغلغل الأوروبي في مفاصل المجتمع التقليدي، إلى جانب التهديدات العسكرية والقروض المرتبطة ببرنامج الاصلاحات. 
بدا المجتمع المغربي، الخارج من الانغلاق المعاش طيلة فترة الحكم السليماني، غير مهيء للتعامل على قدر المساواة مع الأجنبي القادم من بعيد. 
فالحجاج المغاربة على سبيل المثال أصيبوا بالذهول وهم يرون ولأول مرة المسلمين في بلاد المشرق يلبسون ثيابا أوروبية واعتبرو لباسهم بدعة. 
وفي بلاد أولاد حريز نزل قنصل انكلترا ضيفا على القائد محمد برشيد فطلب منه هذا الأخير المشاركة أحد سباقات ركوب الخيل.
فاز القنصل الانكليزي بالسباق وقال بأن السر في فوزه يعود إلى تخلصه من الملابس الفضفاضة. فقد كان رجال المخزن يلبسون السلهام بينما كان عامة الناس بالشاوية يلبسون الحايك. 
لكن ركوب الخيل كان يقتصر على أصحاب السلهام الأثرياء، وحينما يأتي الطاعون ويحصد أرواحهم كانت تبقى خيولهم هائمة ، فيتملكها الناس البسطاء من أصحاب الحايك (الأغنياء الجدد)، ولا يعرفون كيف يركبونها لأنهم متعودين على " الفطحاء" (السير على الأرجل). 
يقال مثلا، في عهد الحماية، جاء أحد البسطاء لسوق اثنين برشيد مرتديا سلهاما، فصادره منه الشيخ أحمد بن الجيلالي، وقال له: " البس من سهمك".... وبعد أقل من نصف قرن، أي في مطلع القرن العشرين، جاءت قوات الاحتلال الأجنبي لتحتل مجال الشاوية عبر البحر، فأصيب المغاربة بالدهشة وهم يشاهدون البارجة الحربية تخترق عباب المحيط ، بينما كان الأوربيون يعرفون حينها أهم الاختراعات العلمية التي تفسر التقدم الحالي (عمرو منير). 
ولقد تردد سكان الشاوية سنوات طويلة في اللحاق بالسبل المؤدية إلى التقدم، وظلوا يمتنعون عن ارسال أبنائهم للمدارس العصرية، ويرفضون قبول الخدمات الأجنبية المعروضة عليهم في ميدان التعليم والتطبيب. 
بل ظل فقيه الدوار بالنسبة إليهم هو المعلم والطبيب وخياط الأكفان، وكل شيء في الحياة. وكانوا في غالبيتهم يلتزمون بالفتاوي الفقهية التي تدعو إلى مقاطعة المغاربة الدين يتعاملون مع التجار الكفار فيحرمون مصاحبتهم واستضافتهم والأكل عندهم ومصاهرتهم.
TAG


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *