بقلم الجيلالي طهير : من ذكريات طبيبة بمستشفى برشيد

برشيد نيوز: بقلم الجيلالي طهير
برشيد هبة إلهية  أنبتها الله  فوق سهول  أولاد حريز  المعطرة  بمياه  السماء الطاهرة. لولا مستشفاها   العقلي الذي شيده الفرنسيون في مطلع القرن الماضي، لإيواء المجانين،  لتمكن هؤلاء من رفع رايتهم  في أرجاء البلاد. يقولون، عندما توفي الملك محمد الخامس، اجتمع سكان القيسارية أمام دار العربي ولد قنون ينتحبون، فمر أمامهم  أحمق وسأل أحد المنتحبين: " ما لهم؟".  جاءه  الجواب: " السلطان مات". زعق الأحمق، وصرخ في وجه مخاطبه: " سلطان ديالاش؟  واديالاش؟ ديال الغابة؟ ديال النحل؟ ديال بوجعران؟". مات السلطان محمد الخامس، قيل له، فأجاب: " كول ديال بنادم"، وتابع سيره من غير تأثر. عندما يفقد الإنسان عقله، ينسى وطنه، ويرفع عنه القلم.
 أصل المستشفى البائد قصبة بائدة، سكنها قائد غابر، لا يوجد أثر يذل على قبره،  ولا أي مبنى باق ليتحدث عن زمانه. من يوم بنائه ولزمن طويل تال، لم يكن يسمح لغير الأجانب بدخوله. ثم تغير الأمر، وصار مفتوحا في وجه الجميع، يستقبل النزلاء الأجانب والمغاربة على حد سواء. لقد كان دنيا كاملة، دقيق الصنع والتأنق،  حيث الجمال المنبت في كل مكان. وبعد أربعة عقود من الرخاء، ها هو اليوم يعاني الفاقة، بدون حديقة ولا أزهار، مثل أي مستوصف يرضع من جفاف وزارة الصحة العمومية. 
بدأ التدهور سنة 1973 عندما فقد المستشفى استقلاله المالي والمعنوي، بتزامن مع "سياسة المغربة"، ونهاية التعاون الفرنسي- المغربي في الميدان الصحي. وقتها، استورد المغرب أطباء  من رومانيا، مقابل تصدير الفوسفاط لبلاد الديكتاور تشاوسيسكو، فالتحقت طبية رومانية  للعمل، مع زوجها، بمستشفى الأمراض العقلية ببرشيد، وألفت  كتابا تسرد  فيه ذكرياتها، نلخص منه التالي:
تقول الطبيبة  مرينا أيلينا بيرت هاتو، بأن مستشفى برشيد للأمراض العقلية  كان يتوفر على 2000 سرير،  ويشغل  400  موظف. وكان يتميز بالتنظيم  المحكم، على الطريقة الأوروبية، بفضل الأطباء الفرنسيين، والطبيب المصري إسكندر الذي أعطى الكثير للمستشفى.  كان المستشفى يتوفر على صيدلية، ومكتبة، وقاعة لعرض الأفلام السينمائية. وكان يسمح للنزلاء المسالمين  بمشاهدة  الأفلام التي  يتولى  عرضها  المصور الخاص بالمستشفى، ومن مهام هذا الأخير  أيضا  إنجاز الصور الفتوغرافية التي تلصق بالملفات الطبية للمرضى.
خلال إقامتها  ببرشيد، استقرت الطبيبة الرومانية  بإحدى الفيلات  المتوفرة بالمستشفى، وكان يسكنها من قبل طبيب فرنسي لمدة عشرين سنة.  قبضت  تسبيقا ماليا من سفارة بلادها  قدره 50 ألف فرنك فرنسي. وفي اليوم الموالي، جاءت الشعيبية ، خادمة رب البيت السابق،  ووضعت نفسها رهن الإشارة  وطلبت 50 ألف فرنك فقط. أصيبت الطبيبة بالذهول، وأجفلت غير مصدقة، لأنها لم تكن تفرق بين الفرنك الفرنسي والفرنك المغربي. ذ
كان آخر نزيل أجنبي بالمستشفى، فرنسي الجنسية،  يسمى لويز. " رجل ثقة، فريد من نوعه ولا يمكن تعويضه"،  تقول صاحبة الكتاب. كان يشتغل ميكانيكي سيارات قبل  دخوله المستشفى، ولما جاءت عائلته لترحيله إلى فرنسا، رفض السفر  معها، وفضل البقاء في المستشفى. كان لويس يعتني بالحديقة، ويحرس الفيلا. وأثناء الليل، كان يسرح في آفاق بعيدة، ويتكلم مع القطط والكلاب، زاعما   بأن قطه الأحمر له علاقة مع البيت الأبيض الأمريكي.  كان  لويز يربي 20 دجاجة، سقطت منها 14 دجاجة فريسة الناهبين ، فأخد فأسا وحطم شجرة التين،  وهو يقول  بأن اللصوص يسكنون  جذور الشجرة. وأمام هذه السرقات، وزعت إدارة المستشفى   12 بندقية على الأطر الأجنبية بالمستشفى من أجل حماية ممتلكاتهم، ولم تطلب منهم في مقابل ذلك غير التوقيع على مطبوع خاص بسلم السلاح.  لما توفي  لويس سنة 1977، وعمره 74 سنة، كانت  كنيسة  برشيد مغلقة، فبقيت جثته محفوظة  في مستودع الأموات إلى أن  سمح قس كنيسة  مدينة الدار البيضاء  بدفنها بالمقبرة الأوروبية لبرشيد.
تقول صاحبة الكتاب بأن أحد المجانين سمح له الأطباء بمغادرة المستشفى في بداية الستينات، بعد التأكد من تماثله للشفاء. لكنه عاد  لينتقم  من الممرض الذي كان يسيء  معاملته، طعنه بسكين فقتله.  قرأ الفقيه على السكين، ودفنه بجوار قبر الضحية.
تقول الطبيبة بأنها كانت تلاحظ  إحدى بنات مدير المستشفى، براح، تتواجد دائما وبمحض الصدفة في ممرات الحديقة، في الوقت الذي يمر فيه زوجها من نفس المكان، وكتبت بخصوص ذلك:



TAG


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *