بقلم الجيلالي طهير : القيسارية ببرشيد والعودة المستحيلة

برشيد نيوز/ بقلم : الجيلالي طهير
كتب أمين معلوف، عن سقوط غرناطة، في روايته التاريخية  ليون الإفريقي الآتي: " الوطن المفقود كجثة أحد الأقرباء، ادفنها بإجلال وآمن بالخلود" (ص 98).  ونحن أيضا، قبل عشرين سنة، أي خلال سنة 1998، سقطت لنا  قيسارية برشيد العتيقة، ودفناها بقليل من الاحترام،  مؤمنين بأن الخلود لغير الله لا سبيل له. 
بعيدا عن مقهى بلفقيه، قريبا من طاحونة العيان، هرمت القيسارية  عندما أهملها أهلها، وطال عمرها،  وتحول إلى شيخوخة ثقيلة، جعلت  مظهرها مدعاة للرثاء. لو لم تسقط بفعل فاعل قرر إرسال تجارها إلى سوق " المسيرة الخضراء" بنظام وانتظام،  لسقطت من تلقاء نفسها بسبب التعب وعدم الصيانة. فهي لم تكن أبدا تابعة لوزارة الأوقاف التي تعودت على ترميم المسجد الأعظم، وتنسى هذه المرة إشهار قيمة الصفقة على سبورة الورشة. ولم يكن عندنا وقتها عمالة حسوكية، من لحم ودم  عمالة بن مسيك، تمارس علينا الوصاية، مثل التي سيجت ساحة محمد السادس بماكيطات، ترى فيها صور أشخاص من كوكب آخر، لا يشبهون  عشاق العيطة الحريزية ، وتنسى تعليق سبورة الورش التي تحمل اسم المهندس والمقاولة المكلفة بالأشغال، والمدة الزمنية المحددة لنهاية الأشغال، وتكلفة المشروع، ومصدر تمويله  فوق الملك البلدي، المسلوب من صاحبته المرحومة غنو بوقنيطير.
قبل السقوط، وهي تموت بالتقسيط، كان لسان حال القيسارية يردد قول الشاعر حافظ إبراهيم في حق  مصر متحدثة  عن نفسها  :
أنا إن قدر الإله مماتي؛ لا ترى "برشيد" ترفع الرأس بعدي.
في بعض الحالات، تأتي الموت هبة من الله ورحمة بالمعذبين في الأرض، وخلاصا للمحرومين والمهمشين في الظلام. ولربما أراد الله سبحانه  تعالى أن يخطف روح القيسارية قبل أن تموت خنقا،  على يد  جحافل الباعة الجائلين الذين نصبوا  متاريسهم  المتحركة  فوق الطرقات المؤدية إليها. إن كل ما في الكون يموت عدا الذكريات التي تشبه المقدسات. وهذه الأخيرة، كما هو معلوم،  لا تعيش في الجوامع والكنائس، ولا في قبب الأولياء ومقرات الأحزاب، ولكن في قلوب المؤمنين بها، وعند المتعصبين للأحزاب التي تسقيهم السم في العسل بجرائدها. وقياسا عليه، فمادام أصحاب الجيل الذي يحمل ذكريات القيسارية على قيد الحياة، فذكريات القيسارية تعيش فيهم، فإن هم اندثروا ، طمرت ذكريات قيساريتهم معهم، مثلما طمرت ذكريات  سافيدا، ومقهى اليوسفية، وضاية ضويس.  
الذكريات تتعايش مع الحاضر وتتحارب معه، وفيها نكهة من  حمص سي بيهي، وبيار عزيز، ومستملحات بلقرود، وقهوة العسكري، الخ.  فهي حكايات معلقة في الذاكرة بآهات وابتسامات، إن لم تكن محفوظة بأرشيف يحرسه القلب.  قال لي أحد الأصحاب وهو يحاورني بأن الثرثرات الجرداء،  في كل موسم انتخابي، عن عودة الروح  إلى  القيسارية  يذكرني  بقصة المهلهل بن ربيعة لما سئل عن فدية أخيه كليب. فقد وهبوا له النوق والأموال والأنفس، ولكن المهلهل قال لهم: " ارجعوا إلى كليبا". واشتعلت حرب البسوس 40 سنة كاملة لأن الموتى لا ينهضون من القبور. فكم ستدوم  الحرب الكلامية/ الانتخابية  من أجل عودة القيسارية المستحيلة إلى الحياة؟ 
سبق للقيدوم الحاج العربي الحريري أن صرح  في إحدى خرجاته الصحفية على صفحات "منبر الشاوية"، بأن موضوع القيسارية  يسكن البازار السياسي. والحالة هذه، فالسياسة امرأة لعوب تمتع الرجال العائمين في بحرها من دون خطيئة تحسب عليهم أو يحاسبون عليها. فيهم رجال يحملهم الماء إلى صفحته ويعودون إلى الشاطئ بسلام، لارتداء ملابسهم بعد متعة الاستحمام، وفيهم من يغرق ويجره الماء إلى قرارة البحر العميق.
 وهل ينبغي على الإنسان أن يمسخ ويتحول إلى بطة عوامة كي يتنفس تحت الماء،  ولا يغرق في بحر السياسة؟ في ذلك العهد الحجري القديم، أي في سنة 1999/1998، توفيت بطة  بقفص الدجاج الكبير الذي دشنه المجلس الاتحادي بحديقة المغرب العربي المجاورة للقيسارية.  كانت برشيد وقتها منقسمة على نفسها بين اتحاديين حجريين وديموقراطيين كاكيين، فوجه هؤلاء أصابع الاتهام لأولئك، تأسيسا على نظرية المؤامرة. أخطرت السلطة المحلية عمالة  إقليم سطات بالحادث، وسرعان ما تم إلقاء  القبض على  ولد عائشة، حارس الحديقة، لاستجوابه من طرف مفوضية الأمن الوطني. وفي الحين، جيء  بالبيطري أحمد وحيد، ولد الحاج ادريس ولد بحرية، رحم الله الجميع، من أجل تشريح الجثة لمعرفة أسباب الوفاة.  هل تعلم، في برشيد، يموت البط بالسياسة !
ما أنسى لا أنسى، في شبابي الذي لن يعود، وقوف فتية من حزب الاتحاد الاشتراكي  أمام  بائع الاسفنج بحوانيت سابول/ درب جديد وهم يتغزلون بمرشح الحزب، سعد الله صالح. نظر إلينا الرجل بشفقة، ثم أمسك قطعة من العجين وراح يدعكها بيديه حتى جعلها اسفنجة مستديرة. وقبل أن يرمي بها في المقلاة، دحا أصبعه في وسطها وأخرجه من الطرف الآخر، ورفعها  قائلا: " كاين عا لمخزن، ضاربو فينا حتى لهنا". الخطورة الكبيرة في السياسة هي أن يغرم شخص، أو مدينة بأكملها،  بحزب من الأحزاب. وكان عذابها غراما عند القيسارية، عاشقة الاتحاد الاشتراكي ، عندما  سكنها الخراب، مثلما سكن سابول/ درب اجديد، والبقية الباقية.  


TAG


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *