بقلم الجيلالي طهير : السياسي والموظف ببلدية برشيد، أية علاقة؟

برشيد نيوز: بقلم الجيلالي طهير
أولا: خلف أسوار البلدية.
أيها المار أمام مقرات البلديات، ما أجهلك بما يتخذ خلف جدرانها من قرارات ومقررات، ما يصرف من حوالات ويبرم من صفقات. ليتك تعلم بأن العمل فيها  يعلمك استنشاق رائحة المؤامرات عن بعد، ولا يستطيع أن يبعدك عن الأحلام بحياة نظيفة. ليست بلدية برشيد مجرد عمارة فقط، بنيت على أنقاض سجن قديم، كي يتم تعريفها ماديا كتحديد عيني. إنها  أيضا بناء اجتماعي  ينتج ثقافة تنظيمية، أي أفكارا وعادات، تحدد سلوك الموظفين التي يتفاعلون مع المنتخبين، ويؤثرون  في بعضهم البعض. 
نحن هنا نطرق  باب سوسيولوجية التنظيم، وهو فرع من فروع علم الاجتماع، يعتبر بأن سلوك الإنسان ليس فرديا فحسب، تفسره الجوانب الذاتية، بل جماعيا أيضا، يحدده انتماؤهم إلى التنظيم الذي  يندمجون فيه، ومن ثمة يفرض عليهم  قيمه وقوانينه، أعرافه وتقاليده (1).  في هذا السياق، تشتغل بلدية برشيد على ورشتين متنافرتين، تحت سقف بناية  مشتركة،  تؤثران وتتأثران ببعضهما البعض. إحداهما ورشة سياسية يمثلها المنتخبون الذين يرسمون المشاريع ويحددون نطاق الخدمات البلدية، والثانية ورشة إدارية يمثلها الموظفون الذين يشرفون على تحقيق هذه الأهداف وإبرازها إلى الوجود.

ثانيا: من الإقطاعية إلى المقاطعات الخمس.
تاريخيا،  انتقلت بلدية برشيد إلى بيت الطاعة فوق هودج  السلطة المحلية  التي تشبه آلهة  اليونان في إليادة هوميروس،  تتدخل في الحروب بن البشر، للتأثير على ميزان القوى بين الأطراف المتناحرة. هكذا تصرفت، خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي،  عندما أجبرت فتاتها المذللة على عقد قرانها الأول على الرئيس عبد الله القادري، وكان لها عاشق آخر، اسمه محمد بدري، أنشد وأطرب: " هل رأى الحب سكارى مثلنا". 
 كانت  برشيد لا تزال  مدينة صغيرة، تتوفر فيها الشروط الضرورية لتحويلها إلى  إقطاعية انتخابية،  لا تمييز فيها بين العلاقة مع الادارة وبين العلاقة مع العائلة (2).  فهل أصابت، أم أخطأت،  الباحثة المغربية منى الشرايبي بناني عندما  وضعت الحزب الوطني الديموقراطي في خانة الأحزاب، " من الصنف العتيق، لما قبل التاريخ، على رأسه شخصية ذات نفوذ، يتحلق حولها مجموعة من الزبناء"، تمشيا  منها مع التصنيفات التي أعطاها الفقيه الدستوري موريس ديفرجي للأحزاب السياسية؟ (3)
منذ ذلك الحين وإلى الآن،  تعاقب  أربعة رؤوس على حكم  بلدية برشيد، وتحَولت المدينة  من إقطاعية انتخابية، في مستوى مركز مستقل، إلى مدينة كبيرة تؤطرها عمالة إقليم،  لها  خمس مقاطعات حضرية، تزهو  وتمرح  فوق ترابها أحزاب متعددة، تنتمي لجميع  أنواع الطيف السياسي. ومع ذلك،  فإن الثقافة السياسية السائدة بها لا تزال هي نفسها ثقافة الولاء للزعيم،  مثل العهد القادري، كما هو الحال بالنسبة المجتمعات التقليدية، وثقافة الخضوع، مثل عهد محمد طربوز، كما هو الحال بالنسبة للمجتمعات السلطوية  (4). 
تأسيسا على التفاعل بين بلدية برشيد، كظاهرة اجتماعية، وبين محيطها الاجتماعي والسياسي، يمكن القول بأن تسيير هذا التنظيم لا يزال بعيدا كل البعد عن التصور البيروقراطي، العقلاني،  الذي يستمد شرعيته من القواعد والنصوص القانونية (5). فلا يزال منطق "الهبة"  يطغى على العلاقات التعاقدية بين البلدية  وزبائنها من أرباب المقاولات الخاصة ، في شكل هدايا متبادلة، على هامش قانون الصفقات والعمل بمبدأ الشفافية. مثلا: بناء نافورة بشارع مولاي اسماعيل، شقق عرصة الشاوية، التنازل عن أراضي عمومية  لبناء مرافق دينية، سياحية، تجارية، الخ. يقول مارسيل موس، صاحب نظرية الهبة، بأن تبادل الهدايا ( البولاتش) يتم نظريا بطريقة اختيارية ، ولكنها في حقيقة الأمر الزامية في المجتمعات البدائية.   وكذلك لا يزال منطق  "الشيخ والمريد"،  المتسلل للإدارة المغربية من الحقل الصوفي (نظرية  المفكر عبد الله حمودي) يتحكم في العلاقة  بين الموظفين  في تعاملهم مع الرؤساء، من خلال  مبالغة البعض في الطاعة العمياء، بهدف الالتفاف على مكاسب مادية غير مستحقة. ومن المؤكد أنه كلما اقترب عدد الانتهازيين من قمة الهرم إلا وقل عدد المجتهدين، واختفت المعرفة والكفاءة خلف منطق الشيخ والمريد.

ثالثا:  تصنيف المصالح البلدية .
يمكن تجميع المصالح البلدية، بحسب درجة خضوعها لتدخلات  المنتخبين في الفعل الاداري، إلى أربعة محاور رئيسية، كالتالي:
ـ مصالح  غير معنية  بتقديم خدمات مباشرة للمواطنين،  وهي المصالح الداخلية التي تعمل بالتنسيق مع بعضها البعض، في شكل تبادل معلومات ووثائق، مثل: مكتب الضبط، المحاسبة، الصفقات، شؤون الموظفين، الممتلكات،  المعلوميات، الكتابة الخاصة للمجلس. 
ـ مصالح تقدم خدمات إدارية للمواطنين من خلف الشبابيك، مثل: الحالة المدنية، تصحيح الإمضاء، أو الخدمات الصحية التي تشكل خطورة على الأعوان الجماعيين، كمحاربة الكلاب المسعورة، ورش المبيدات على الحشرات المضرة والسامة، الخ. 
ـ مصالح ذات طابع تقني ومالي، مثل : وكالة المداخيل، تسليم رخص البناء والسكن، الدراسات الهندسية، المناطق الخضراء، الإنارة العمومية، الطرقات، الخ.
ـ مصالح التدخل في الشؤون الثقافية (المهرجانات، أنشطة المجتمع المدني، دور الشباب)، والرياضية ( القاعة المغطاة، مسبح بلدي)، والاجتماعية (توزيع أدوية، خيمة العزاء، نقل الأموات المسلمين )، الخ.
 تشتغل المصالح من الصنف الأول والثاني على تطبيق النصوص  واللوائح، ويتحمل العاملون بها المسؤولية الشخصية عن ارتكاب الخطأ  المهني.  عادة، يأخذ المنتخبون مسافة بينهم وبين هذه المصالح، وكل تدخل فيها يعتبر زيادة في إرهاق الموظفين، الذين سيطلبون وساطتهم أثناء توزيع التعويضات عن ساعات العمل الإضافية. وخروجا عن المألوف، أثار بعض المنتخبين في مجلس الرئيس محمد بن الشيب ضجة، في دورة المجلس البلدي، ضد الأعوان العاملين في الخدمات الصحية الخطرة، بسبب تلقيهم حوافز مادية، منحتهم إياها  إحدى الجماعات القروية، التي وضعوا رهن إشارتها من أجل المساعدة في محاربة الكلاب المسعورة. 
وعلى العكس من ذلك، يسيل  لعاب المنتخبين أمام  رؤساء المصالح ذات الطابع التقني والمالي، لارتباط هذه الأخيرة  بقطاع العقار الذي يوفر لأصحابه أرباحا مهمة،  ويخضع  لمجموعة من الرسوم  التي تزيد في كلفة  المشاريع (الأراضي العارية، التقسيم والتجزئة،  البناء والسكن، احتلال الملك العمومي،  الخ.  ويجب التمييز في هذا المضمار بين  الأعوان التقنيين وبين الأطر  التقنية العليا. التي لا  تخضع هذه الفئة  الأخيرة  لمنطق الشيخ والمريد، لأنها تتوفر على هامش  المناورة للتخلص من تدخلات السياسيين، سيما وأن تخصصاتها التقنية تجعل المهندسين يرسمون خرائطهم في أدمغتهم، فوق القدرة الاستيعابية  للمنتخبين العاديين. 
في السنوات الأخيرة، تراجع  تدخل  المستشارين  في أشغال المصالح التقنية، على إثر سحب عملية مراقبة أوراش البناء من دائرة اختصاصات المجلس البلدي  وجعلها حكرا على المصالح التقنية التابعة  للسلطة المحلية.  وبالموازاة مع ذلك، لم يعد  بإمكان  المنتخبين التدخل   في توظيف  الأطر العليا من المهندسين والأطباء،  بعد أن تم  إلغاء العمل بما  يسمى ب " لجنة الانتقاء"  المكونة من رئيس المجلس، مقرر الميزانية، والسلطة المحلية، القابض المحلي. 
عندما يتسلل عدم الرضا الوظيفي إلى الأطر التقنية والطبية، يضطر البعض إلى ترك العمل والتوجه إلى القطاع الخاص الذي يفتح أمامهم متسعا من الآفاق. غادر بلدية برشيد، في  إطار هذا الحراك المهني، كل من المهندسين: الهاشمي براهيم، بعلا الحسين، شكري، عبد الرحيم البارد، سعيد لمزوق، بندريوش، محمد ماهر، رشيد لعبيزي، عبد الصمد النوحي؛ ومن الدكاترة: نجم الدين، أيت اشن زكريا، أحمد خلفي، سعاد بوضبيب،  القرفاني. هذا الأخير، عبر عن تذمره في إحدى الجلسات العمومية، أيام حكم المجلس الاتحادي، قائلا: " لا يشرفني العمل في مجلس بلدي اسمه المجلس البلدي لمدينة برشيد".  سألت ذات مرة، إطارا تقنيا عن معنوياته،  بعد تغيير التشكيلة السياسية للمجلس البلدي، فأجاب:  " نحن صرنا مثل المرأة التي تعودت على الطلاق والزواج، ولم تعد تفكر في  السعادة الزوجية".
وتبقى وكالة المداخيل المصلحة الأكثر تحملا  لتدخلات المنتخبين من مختلق الألوان، ظلت إلى عهد قريب تشتغل بمنتهى اللباقة والديبلوماسية، مع السياسيين من منتخبي حزب العدالة والتنمية، لكي لا يتهجمون عليها أثناء مناقشة الحساب الإداري، ولكي تحول دون تعامل بعض الأعوان مع المنتخبين من راء ظهر رئيس المصلحة. حتما تقود المرونة إلى الاسترخاء الذي قد ينال من الحدس المهني الرادع لهفوات المأمورين المتلاعبين، ناهيك عن رواسب التحمل المتراكمة التي تنهك الأحوال الصحية لمن يقوم   بأعمال " حانوتية" مملة ومرهقة، طوال حياته المهنية.
وأخيرا، تكون مصالح التدخل الاجتماعي والثقافي والرياضي هي الأكثر  تسيسا، واختراقا من طرف المنتخبين، يلجؤون إليها للمساعدة في تلميع صورتهم، وظهورهم بمظهر  أصحاب النفوذ  في شتى المناسبات.  تتميز الموارد البشرية العاملة بمصالح التدخل الاجتماعي، والمنتمية للسلاليم الدنيا على الخصوص، بقدرتها على التكيف السريع مع التقلبات السياسية الطارئة، والانتقال من نقابة عمالية لأخرى، وبمنتهى السلاسة . 
 يعتبر محمد طربوز،  قطب المعارضة الاتحادية، في الولاية الثانية  للرئيس عبد الله القادري،  المهندس الحقيقي للحركة النقابية ببلدية برشيد، عندما كان يواظب على الحضور إلى القصر البلدي لأجل ربط الاتصال بالأعوان الجماعيين، في محاولة  لتنظيمهم وتوجيههم. إن الأشياء الفردية عندما تتحول إلى اجتماعية  تصبح سياسية.  هذه المقولة مكنت النقابي محمد طربوز من كسب تعاطف أقرباء وعائلات الموظفين الجماعيين الذين أوصلوه إلى قمة الهرم السياسي عن طريق الانتخابات المحلية والتشريعية. اختلط ما هو سياسي بما هو إداري بمجرد  وصول السيد محمد طربوز إلى سدة الرئاسة، وجرى زواج كاثوليكي  بين الحزب الحاكم وأول نقابة  للأعوان والموظفين شجع  على تأسيسها الرئيس المنتخب.  وقتها، عمل مؤسس النقابة على تلقين المنخرطين فيها مبادئ ضدية  تحذر من الاحتكاك بأنصار الحزب الوطني الديموقراطي، ومن الحياديين، ومن المناضلين الاتحاديين  المنتقدين له، على حد سواء ، على اعتبارهم جميعا  من الجواسيس والخونة الذين يشتغلون لحساب السلطة المحلية.  وتجلت قمة الانقسام  في خلق جمعيتين  لرعاية الشؤون الاجتماعية للأعوان والموظفين، من قلب البيت الاتحادي  الواحد،  الأولى  من صنع الموظفين (فهري، بلبودالي، الخ) ، والثانية من صنع الرئيس، بعد  إغلاقه  لمقصف جمعوي خاص بالموظفين، حتى أصبح ما يعتبره البعض نضالا، يعتبره  المغضوب عليهم من طرف الرئيس "تمعميعا"  وطعنا في الظهر. ما يهمنا هنا ليس التاريخ النقابي، وإنما  بروز ثقافة  جديدة  تسللت إلى التنظيم، أنتجها المنتخبون الذين يوجهون سلوك الموظفين. والآن، نحن في مرحلة  يتوفر فيها الأعوان والموظفون الجماعيون على جمعية وحيدة، ويستطيعون الذهاب  إلى الحج بواسطة القرعة، بعد أن كان لقب " الحاج" حكرا  على الرئيس.  وبالمقابل  تراجع دور النقابة  الاتحادية إلى مرتبة لا يحسد عليها، وهي تؤدي  ثمن أخطاء خالقها، ولو أن رموزها  الحاليين في مستوى المسؤولية. لكن  جل العمال والموظفين أصبحوا يفضلون  اللجوء إلى ما يسمى ب " استراتيجية المنتخب"،  يطلبون من خلالها، ومن تلقاء أنفسهم، من مستشاري  الحزب الحاكم  التدخل في أعمالهم، لا لشيء سوى  لاستغلالهم  عند الحاجة، في حمايتهم  والتغطية على هفواتهم  أمام رئيس المجلس البلدي، دون التورط  معهم في الانتماء الحزبي.

رابعا: مؤسسة الكتابة العامة للبلدية.

جميع الرؤساء الذين خسروا مقاعدهم ببلدية برشيد يقولون أن البلدية تنكرت لهم، وفي الحقيقة لا شيء يتنكر لشيء إذا لم يكن يعرفه أو لم يحسن إليه. في كل بقاع الأرض، السياسيون عابرون، والموظفون باقون،  إلا في برشيد، الرؤساء هم  الخالدون، والكتاب العامون  زائلون. 
قبل أن يغادر الرئيس عبد الله القادري كرسي الرئاسة، أجبر اثنين من الكتاب العامين على مغادرة العمل ببرشيد . وما كان ذلك ليحصل لو لم  يفوض كامل   اختصاصاته، وبثقة مفرطة،  لنوابه دون تقييم لمردودية هذه التفويضات. بمنتهى البساطة، وبجرة  قلم، تم الاستغناء  عن خدمات عيسى رشدي، أول كاتب عام في تاريخ بلدية برشيد،  ومن بعده جاء الدور على خلفه عبد اللطيف الداودي.
عندما وصل حزب الاتحاد الاشتراكي إلى سدة الرئاسة  خلال سنة 1992، وجد أمامه كاتبا عاما ثالثا اسمه  عبد العزيز  العميري، الذي عاش أتعس لحظات حياته ببلدية برشيد.  ظن  بعض المنتخبين، من رجال التعليم،  بأن دوره ينحصر  في تحرير المراسلات الادارية، التي هم قادرون عليها، بينما هو يتقاضى مرتبا  يفوق ما يحصلون عليه في عملهم . وقال قائل منهم: " أش كيدير لينا ؟ ".  غاب عن هؤلاء بأن الممارسة السياسة، فن الحكم، تعتمد على النزوات الشخصية أكثر منه على القوانين المجردة، وبأن الكتابة العامة، فن تدبير العقول، تسعى إلى الرفع من مستوى الأداء الإداري. كيف لا يناقش المنتخبون  جدوى الزيادة  سنويا في مبالغ مهمة ترصد للمحامين في ملفات عقارية خاسرة مسبقا، يتم إعداد مذكراتها من طرف رئيس المصلحة القانونية؟ من مساوئ الديموقراطية، يكتب ألكسيس توكفيل، هو أن القوة العددية لا تعني حكم العقل وسداد الرأي. وقديما قالوا، الأعرابي إذا قويت فصاحته ارتجل.
مبدئيا تتخذ العلاقة التي تربط المنتخبين بالمصالح الادارية شكلا مفتوحا يتمظهر في التعامل المباشر بين الطرفين برضى من الرئيس،  أو شكلا مغلقا يحتم تنسيق المنتخبين مسبقا مع الكتابة العامة .   لكن لم يتم  العمل  بأي  نوع  من هذه  الأساليب، بل سادت القيادة الأطوقراطية المطلقة للرئيس الفرد الواحد، أدت في نهاية الأمر إلى  التخلص نهائيا من الكاتب العام، عبد العزيز العميري، وحرمانه من سيارة المصلحة المخصصة له، وتجميد مستحقاته المالية عن الترقية إلى السلم الحادي عشر.  وفي لحظة من اللحظات، استشعر بعض نواب الرئيس بأنهم أيضا أصبحوا خارج التغطية، لا يفهمون ما يتداوله الشارع حول التسيير المطلق للمرفق العمومي. فكروا  في فتح مكتب خاص بهم  بجوار مكتب الرئيس، في محاولة للتحكم في مناطق الظل المرتبطة بعلاقات البلدية في سياقها الخارجي، وخلق مكتب إعلامي بداخل التنظيم الهيكلي للبلدية، على أمل التحكم في قنوات التواصل، وتدفق المعلومات العابرة للكتابة العامة من مختلف وحدات التنظيم.
بعد  انتهاء  ولاية  الرئيس الاتحادي التي تمت في أجواء  مضطربة، تخللتها  موجة إضرابات موجهة ضده من طرف العمال والموظفين،  ذهبت الرئاسة إلى الاستقلالي محمد بن الشيب  الذي ورث عن سلفه كتابة عامة مهمشة ومعزولة، لاقت صعوبات كبيرة في  التواصل مع المصالح المعنية بتهيئة  الملفات التقنية والمالية الخاصة بتسليم السلط.  وهكذا دشن الرئيس الجديد ولايته بخطأ  فادح، وهو التورط  في مغامرة بناء قيسارية برشيد،  التي لا تزال معلقة لحد الآن. لقد كان جسدُ  الكاتب العام المعين حديثا  في البلدية يتمشى في برشيد، بينما عقله سارحا  في مكان بعيد،  ولا يفكر  في غير انتقاله إلى مدينة مراكش. وربما  لهذا السبب، أو  بسبب الحيطة غير المبررة للرئيس الجديد من كل من يتعاطف معه ويقف إلى جانبه بصدق،  لم يجد هذا  الأخير عاقلا يقنعه بالالتزام  بتوجيهات الدورية الوزيرية المتعلقة بإعداد الميزانية،  ومفادها أن لا قيساريات ستشيد بعد الآن  في ربوع  المملكة  من طرف  الجماعات، لأنها مرحلة جديدة، لا تشبه ما قبلها، بسياستها  الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي تتبع السياسة العامة للدولة:  ترك بناء القيساريات للمنعشين العقاريين، امتناع صندوق القرض الجماعي عن منح أي قروض في هذا  الميدان، نهاية أسطورة  تحقيق الفوائض بسبب تسريع ترقية الموظفين وتفويض اختصاصات لمقاولات التدبير  الخصوصية، الخ. 
والحالة هذه، لم تترك مغادرة الكاتب العام الجديد عبد الهادي قيدة  إلى مدينة مراكش،  والمغادرة  الطوعية لخلفه الحاج محمد الضرايضي أي تأثير  على مستوى وضع  قطار الرئاسة  فوق السكة الصحيحة، سوى أنها سمحت باليد الطولى للنواب الحلفاء  من حزب العدالة والتنمية، على قلة عددهم، بزرع  نقابتهم بالبلدية على أنقاض النقابة  الاتحادية المشتتة.  وبعد فوات الأوان، استشعر مستشارو حزب الاستقلال، على كثرة عددهم،  خوفا من أن تطبق في حقهم الآية الكريمة " وكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله". ثم زاد الخير، حتى فاض الكأس،   فاقترحوا فتح ديوان للرئاسة بالبلدية، وبدون جدوى.
إن أصدقائي من الكتاب العامين، المنتمين إلى  الجيل المؤسس للكتابة العامة، عانوا  جميعهم من الإحتراق النفسي. وهو ضغط ذهني، وشعور سلبي يتولد عن كثرة الضغوطات  وعن التهميش الممنهج،  يؤدي   بصاحبه  إلى  الابتعاد  عن رجل السياسة  والسخرية منه.  " هذا مخ معلم  منتخب"، قالها عبد الهادي قيدة وهو  يرتشف فنجان قهوة  بمقهى المدينة، مشيرا بأصبعه إلى عمود يتيم،  مزين بمصابيح ملونة،  في شكل " مصاصة" مشبكة،   غرسه عمال البلدية  وسط الشريط الأخضر،  بمدخل  مدينة برشيد.

1. Stéphane Dion , « Politique et gestion municipale ».
2. Anne Froment Meurice, «  Comment faire de sa mairie un fief ? ».
3. Mounia Bennani Chraibi, « Mobilisation électorale à Derb Sultan et Hay Hassani en 
2002
4. Parson distingue trois modèles de cultures politiques : la culture paroissiale centrée sur les intérêts locaux, la culture de sujestion et la culture de participation qui correspondent avec trois types de structures politiques : la structure traditionnelle et décentralisée, la structure autoritaire centralisée et la structure démocratique.
5. Max Weber  distingue la domination bureaucratique rationnelle de la direction traditionnelle et la direction charismatique. Déjà en France, la gestion locale selon le modèle de la bureaucratie bascule vers le modèle anglais type « new public management » 
TAG


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *