كلمات من تاريخ... العيطة العمراوية لأولاد حريز

برشيد نيوز: متابعة 
جرات الخيل وعيات، قطع الواد عادا مات. أنا شفت بعيني، را الثور مدبوح يجري، تبعاه خيل ورجلي. 
الخيل تجري عرقانة، وساعة بلمكانا، اقطع الواد وجانا، اربح من زار معانا تعالى تشوف لعجب، لفقرا دايزا تجدب، كلا أولادو تحسب، أولاد الفقريا. 
هي مسوطة بالباطل، هي مسوطة ببابو، هي الحرشة بنت الحاج، هي لمبخرة بالجاوي، هي لمخلطة لكساوي، قل لو رضاك عليا وبغيت جدي يلقاني، تشوفو كاع الناس، الكرمة في بابو، والريحة مسكية خليني نزور جدودي، ونمشي على كفوف يدي... وبركة بلا حباب تعيي وقل لو رضاك علي... 
علمونا بالزيارة، ناضت فينا الغارة، الخيمة والجارة، عيالات ورجالا. قليبي سار معاك، وديتي عقلي رديه... 
في زيارتو نتمنى، نشوفو نتهنا، مقامو في الجنة، عريس القيامة ، وتمة الصيدة مرضيا معا سلاة القجري، تصيب لحمامة تجري، مع لحجلا ولكدري.
الولي سيدي عمر بن لحسن، الجد المتغنى به من طرف أولاد حريز، وسيدي آمحمد البهلول ،حامي العلوة، كلاهما من الصوفية باريس في قصيدة العادة، والتي تقول: 
" أنتم يا أولاد حريز، جدكم شريف عزيز، يتساهل دهب ولويز، وأخباره في باريس"، لم يتم استعمالها حشوا أو لضرورة الوزن والقافية، وإنما هي تذكير بنسب سيدي عمر بن لحسن، الذي يمزج بين الشرف الهاشمي والدم العربي الهلالي،(نانافقيري وتانا شريفي). 
كما هو مسطر من طرف أحد المؤرخين الباريسيين في الكتاب الذهبي لعائلة برشيد، والدي ربط جذور الولي بالدوحة النبوية الشريفة، عن طريق سيدي عيسى بن ادريس. 
وهي فضلا عن دلك، تتوخى استنفار الفقريين والفقريات من شعب أولاد حريز، المنتشرين في كل مكان، واستنهاض هممهم من أجل المساهمة بالغالي والنفيس في طقوس "المائدة" التي يسهر على تنظيمها مقدمو الجماعات السلالية، بمناسبة جمع الهدايا والمرفودات والمساهمات التي تقام خلف الضريح. 
مع العلم أن القصيدةالعمراوية تقرن الولي بصفته العربي القريشي (كل عام الركب يمشي، جدكم شريف قريشي.. جدك شريف وكبير والكلمة عالية)، وتشدد على كرم أصله العربي (الخيرات موجودة، عند مول الزيتونة) وعلى اعتكافه وتعبده (جدك سلطان، هو مول اللوبان، خدم وسرو بان، يدبحو فيه الثيران..
 وجدك قالو الزيادة، الصلاة والعبادة، سعدات اللي زارو، الكريم شعع نورو)، وعلى زهده ومصاحيته للفقراء (طلي طلي شوفي شكون، لا يكون مولاي عمر، صاحب الفقراء)، وعلى كونه جد حكام أولاد حريز من العائلة القائدية لآل برشيد (جدك سيد القياد). الخ... 
و يعني مصطلح العادة دلك السفر الديني الذي يقوم به أولاد حريز، موسميا في الزمان والمكان، نحو مسقط الرأس الأول بتخوم تادلا ، حيث يوجد ضريح جدهم الولي دفين تراب قلعة السراغنة. وهناك إلى جانب الضريح، يقيمون احتفالا جماعيا، ويصنعون لأنفسهم تضامنا مؤقتا، وحياة اجتماعية مشتركة، دون النظر إلى اختلاف أوضاعهم الاجتماعية، أو تباين المكانة التي يحتلونها في السلم الاجتماعي. 
كل دلك، من أجل الاحتفاظ على التواصل والتآزر، والتزود بمدد قوي من المروءة والنخوة العربية التي يتباهون بها في مواسم الفروسية. 
والقصيدة العمراوية تروي مسيرة هده الرحلة التي تقوم بها قبيلة أولاد حريز من قلب الشاوية، التي استوطنتها مند قرون، من أجل الماء والمرعى، نحو موطنها الأصلي بتخوم تادلا . وتبتدئ الأنشودة، سواء في المقطعات أو استهلال السمر، بالبسملة والصلاة على النبي، قبل الاسترسال في الغناء، ودلك على النحو التالي: 
" بسم الله باش بديت، الياقوته في البيت، وعلى النبي صليت. كاع الناس تشاهر بيه، أمتو صليو عليه. ربي وأنا عبدو، نتنزه في ملكو، وملك الفلك الغني، جيتك داويني. العادة بالعادة، والعادة مرفودة، والدبيحة مقيودة، والخيرات موجودة، عند مول الزيتونة". 
يأتي موعد الرحلة في نهاية الحصاد خلال أيام الصيف القائظة والسماء تنصب منها حرارة لاهبة، فيذهب الجميع في المواكب بعد الإشهار للموسم في الأسواق القروية وتبقى مدينة برشيد وبواديها سكون وجمود. 
وقبل النهوض إلى العادة يعيش العشاق حالة من الاستغراق الروحي والانخطاف النفسي، فتضطرم في جوانحهم رغبة ملحاح وعنيفة لركوب السفر والضرب في دنيا الله، ابتغاء الوصول إلى أرض الأجداد. 
كما يشتد اللوم ويكثر العتاب من طرف النسوة اللواتي، لسبب من الأسباب، لا تستطعن إلى الزيارة سبيلا. 
وهو ما تعبر عن الكثير من الأبيات المتناثرة في القصيدة، والتي يصاحب بعضها نوع من الخشوع وانهمار الدموع عند الإنشاد: "في زيارتو نتمنى، نشوفو نتهنا، مقامو في الجنة، عريس القيامة.. موسم جدك اعمر، ضوالسادات ظهر، فرحات من حضر، زورو المخنتر.. وبغيت جدي يلقاني، تشوفو كاع الناس، الكرمة في بابو، والريحة مسكية... تانا نزور معاكم، بانا وباكم، فرحات اللي جاكم... 
ونوضي يالحريزية، لبسي لمبر، على زيارة شريفي لمخنتر، جدك مولاي عمر... شوشني الركب الغادي، وعاري عليك لا تنساني بابا عمر... خليني نبكي، خليني نشكي، على زيارة جدي، ساروا ما علموني... وا يامي يامي، ديني معاك ديني، ديني نزور جدودي.. 
هي مسوطة بالباطل، هي مسوطة ببابو، هي الحرشة بنت الحاج، هي لمبخرة بالجاوي، هي لمخلطة لكساوي، قل لو رضاك عليا... علمونا بالزيارة، ناضت فينا الغارة، الخيمة والجارة، عيالات ورجالا... قليبي سار معاك، وديتي عقلي رديه... حليت سالفي حليتو، حتى طبيب مخليتو.. لا بغيتي تزيان، وماتبقاشي نكدان، زور مول الديوان، العمل على النية... 
سيدي بغيت نجيك وشدني الزمان عليك، ومريضة ولاموني.. كنا حباب كنا لامات، خليني نزور جدودي، ونمشي على كفوف يدي... وبركة بلا حباب تعيي وقل لو رضاك علي... وقولوا لأمي صبري، دابا يفرج ربي". 
وعند انطلاق مواكب الركب الطويلة، في تزاحم الأحلام وتشابك الرؤى، يقوم الزوار بقطع المراحل تلو المراحل في طريقهم إلى مول الزيتون، فترتفع الزغاريد على إيقاع الدفوف والتعاريج، كما تنطلق الحناجر بالدعاء والألسنة بالابتهال. 
وبين الحين والآخر، يتوقف الركب من أجل الاسترخاء قبل اجتياز الأودية التي تغطي المنطقة. ولهذا السبب، تتخلل القصيدة أبياتا تشير إلى وسائل النقل التي تحمل الزوار، كما تصف المراحل التي يجتازها الركب، بالشدو والتهليل، على بقاع البسيطة قبل بلوغه الضريح، وهو قبة ناصعة البيض، يبرق لونها بسريرة الولي الصالح الذي كان زهد الدنيا وآثر الانقطاع عن مغريات الوجود. 
وإلى جانب هده القبة تقبع مدافن أخرى منها ما هي لوالده سيدي لحسن وبناته الكنبوشيات، حيث تقول الأنشودة: " سيدي لحسن حداه ولكنبوشيات وراه.. 
ولمن دوك الحطات، جاوني طرفيات، توع الكنبوشيات، أنا ليكم خيات، العادة فاش بقات.. مرحبا بللي بغا يزور، شريف داك الجمهور، سيدي عمر المشهور، اسمه عزيز عليا ". وهكدا تصف القصيدة، في هده الأبيات المجتزأة ،مسار تلك الرحلة: 
" برح داك البراح، برح في الصلاح، برح في جمعة رياح، الفقري والفقريات، ديرو حبيبي قدامكم، دابا تزيان أيامكم، مولاي عمر سلطانكم...
من كازا لبرشيد، تمة اركب وزيد، سطات ماشي بعيد، وكيسر يظهر ليا... نركب من دار لدار وجدك يشفي الأضرار.. كار الجيلالي، والعلام يشالي، غادي لداك الوالي.. نركب مع الميلودي مول الكار، نوصلك في نصف نهار، هو حريزي من الأحرار، وتمة الزيارة تضمن... شوفو كار زوانات، رافد جوج علامات، لحويج كاع تقضات... يانا لكار الأحمر، غادي لمولاي عمر، في العقبة كيكفر، غادي بالحنة والتمر.. لحقنا البروج، تمة تفرقو الطرقان بجوج، تخير منين تدوز، واطرق مولاي عمر... لحقنا لواد زكركر، الحجلة مع الأرنب، اللي طارت ما تعكب..
إلى فقتي بكري، تصيب لحمامة تجري، الحجلة والكدري، والصيدة مرضية.. الى كنت صياد، هديك هي البلاد، تجمعو كاع لولاد، من كل ناحية..
وكركر يالحمام، وكركر آلحجل، إلى قصاحت القلوب، دابة الرحمة تنزل. لحقنا لواد العبيد، لقناطر من الحديد، شلة نخل وجريد، تخير منين تزيد، الدوالي محضية... 
لحكنا لأولاد علي، تمة دموعي تجري. لحقنا لديك الوجلة، دبحنا ديك العجلة، لحقنا لأولاد اسماعيل تمة طاح الضيم.. لحقنا لبني مسكين، تمة مركد الزين، ومجمع الوالدين، بنو ليا لخزاين، القبة تضوي بالزين، وتمة حج المسكين... الى لحقت في الليل، بقا تتفرج في الخيل، دوك سربات الصباح، خلاو قليبي مرتاح ". 
عند وصول مواكب الركب إلى ديار الولي، وحناجر الزوار تصدح بصوت " اللهم صلي عليك آرسول الله"، ينقسم الوافدون إلى فصائل بدوية و مدينية، مراعية المعمار النسلي المعاش بأولاد حريز، على النحو التالي: 
لهبابطة وأولاد عبد الله وعلى رأسهم لمقدم الحاج أحمد بن الحسن، واولاد الحسن وأولاد العسري وعلى رأسهم لمقدم محمد بن الطيبي، والودادسين وعلى رأسهم لمقدم أحمد بن عمر، والدبيرات وعلى رأسهم لمقدم سيدي عبد القادر بن عبد القادر، واولاد بوعبيد الشراقة وعلى رأسهم لمقدم محمد بن بوعزة مرشد، وأولاد علال وعلى رأسهم لمقدم الحاج محمد لعناية وسي عمر الباقوشي، وأهل برشيد وعلى رأسهم لمقدم العائدي خريبش، وأهل الدار البيضاء، المتمركزون بدرب السلطان، وعلى رأسهم لمقدم الحاج أحمد بلحسن. 
وحسب التقاليد المرعية تبدأ الزيارة بالسلام على الولي ووالده وطلاء الحناء على ضريح بناته الكنبوشيات: "إلى وصلتي الباب ، توضا وتأدب، زور جميع الأحباب، وادخلهم بالنية...وإلى بغيتي الزيارة تكمل، سبق سيدي لحسن، والعمل على النية.. وأنتما الكنبوشيات، حمامات وطوبيات، بلحناني مطليات، جدك علينا غيات.. مولاي عمر طبيب ، سيدي لحسن حبيب، يداوي أولادو في الغيب، من الناس الصوفيا، وجيتك داويني". 
وطيلة أيام الزيارة تنظم حلقات غنائية، تغازل النجم وتسامر البدر، بفضاءات زاخرة بأشجار الزيتون: "إلى ما لقيتي فين تكون، هود تحت الزيتون، هداك هو المضمون، العمل على النية... الزيتون يشالي، مولاي عمر الوالي، جيبو ليا أولادي ، يفاجيو الهول عليا... جدك مول الزيتون، هوسراح المسجون، اللي بغاها تكون تكون." 
وتتميز تلك الحلقات اللليلية، التي تخلط بياض النهار بسواد الليل، بتبادل الأدوار بين أصحاب العيطة النفخية حيث القصابة، وهم أهل الحال الدين يستنهضون الجمهور لولوج عالم الجدبة (تعالى تشوف لعجب، لفقرا دايزا تجدب، كلا أولادو تحسب، أولاد الفقريا.. تمة القصبة تبكي، الرياحي خلخل عقلي)، والعيطة الوترية وهي تمهد في خواتمها لرقصة الركزة، وبستعرض فيها السواكنية لونهم الموسيقي المعروف ب "واحد على أربعة" ،القابل للارتفاع والانخفاض، والسرعة والتثاقل، والقوة والفتور، والهدوء والتوثر. 
ومن بين أهل الوتار تبرز مجموعة علي وعلي والحطاب، وبن الجيلالي وعمر والغازي، والشيخ أحمد، وبوشعيب بلحسن، وولد خريبش، والعبوشي، وعبدالقادر العسراوي، وحمادي، وبوشبشب. بينما يبرز في النفخ على القصبة، والتي يرافقها إيقاع قوي على أساس اثنين وأكثر من البنادير، كل من عمر الموكي والأعرج وآمحمد ولد مينة مع البناديرية الفرطاس، وبلالة، والعثماني أحمد ولد صالح، ولمفضل ولد صيكوك والدكالي، والكرينات، صحبة بنت كارو، عائشة الخادم وبنت الفوال. ناهيك عن وصلات مجاديب جيلالة التي يبرز فيها ولد لفضر وولد تفاحة . 
ومن البديهي أن القصيدة العمراوية في الأمس البعيد ليست هي قصيدة الأمس القريب بكل نقطها وفواصلها. 
وذلك بفعل التحولات الاجتماعية في المكان والزمان، والتي تؤثر على حافظة المنشد وهو يعدل أداؤه بطريقة توفر العناصر التي تهم جمهوره ويطرب لها. 
ولهذا السبب، نجد في نفس القصيدة تداخل أبيات تتغنى بأشخاص على قيد حياتهم وبعد وفاتهم، مثل حالة لمقدم العائدي، وسيدي الحاج المؤدن، والرياحي: 
"لحقنا لداك الفرنان، لقينا الرياحي فرحان. الرياحي قالو مات، سمعو ها لحوريات، تلقو شي تزغريتات، راكب على الأدهم، سبفو بقطر بالدم. سيد الحاج يهلل، نوض تصلي الفجر في جامع مولاي عمرسيد الحاج قالوا مات، الصمعة فاش بقات". 
وفي آخر يوم من أيام العادة تنحر ثلاثة دبائح ، أولها نحيرة الولي سيدي عمر وتليها دبيحتي بناته الكنبوشيات وأبيه سيدي لحسن. 
حيث يقوم رجال شداد غلاظ بتوجيه الدبيحة غربا باتجاه سهول الشاوية. وعندما تقوم الدبيحة يتبعها الزوار وهم يركضون خلفها جريا، ممسكين بأيديهم الهراوات والقضبان الحديدية ، ومحاولين منعها عن طريق الضرب من السقوط قبل عبور النهر. 
فإدا خرت جثة هامدة قبل الوصول الى الماء فداك ندير شؤم للسنة الفلاحية بأولاد حريز.
وأما إدا اخترقت النهر فإن البهجة تغزو القلوب، وهم يرون في دلك رضا الولي عنهم، ووعدا لهم بانتظار موسم فلاحي زاهر خلال السنة المقبلة: جرات الخيل وعيات، قطع الواد عاد مات.. 
أنا شفت بعيني، را الثور مدبوح يجري، تبعاه خيل ورجلي. الخيل تجري عرقانة، وساعة بلمكانا، اقطع الواد وجانا، اربح من زار معانا." 
 بحث طهير الجيلالي .
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *