الحلقات المطموسة من ذاكرة أولاد حريز (الجزء الثاني)

برشيد نيوز / بقلم  الجيلالي طهير 
 تاريخ أم ذاكرة؟ 
يبدأ التأْريخ، أو التوريخُ، بالكتابة، وهي واقعةٌ اجتماعيةٌ  طال أَمدُ احتكارها من طرفِ السلطاتِ الحاكمة والنخبِ الحضريةِ، لمْ تنتشر إِلا ببطءٍ  شديدٍ  في الأَوساط  القبليةِ التي كانت  تتناقلُ أَنسابها، وأَخبارها، وأَحداثها  اعتماداً على الذاكرةِ الجماعية. هذه الأَخيرة  بِطبْعها انتقائية، تُحافظ على الأَحداثِ ذات الطابعِ الِإيجابي في تاريخِ المجموعةِ وتتناسى تلك التي لها طابعٌ سلبي. وأَحياناً،  قد لا تُولي اهتماماً بصحةِ الأَشياءِ من عدمها، ويكفيها أَنها تُؤْمن بأَهميةِ الأَحداثِ في تاريخها الثقافي، سواءٌ وقعت أَو لم تقعْ (1). 

إِبادةُ السكان الأَصليين.

 من يُحاولُ البحثَ عن جُذور أَولاد حريز، لابُدَ وأَنْ يَصطدم بِجدار الصمتِ المضروربِ حول هذا الكيان الذي ظل طيلةَ عدة قرونٍ، وإلى نهايةِ القرنِ الثامنِ عشر وبدايةِ عهدِ السلطانِ مولاي سليمان (1792ـ 1822)، مندمجاً في تاريخ تامسنا/ الشاوية. وهي منطقةٌ شاسعةٌ، وقليلةُ السكان، ظل الغموضُ يَلفُ تاريخ تعميرها، بِسببِ استنزافِ سُكانها الأَصليين، من البورغواطيين، في ظروفِ الحروبِ الإستئصاليةِ التي شنها عليهم المُرابطونَ والموحدونَ.
قبل القرن الثامن الميلادي، كان خلفاءُ المشرق  يعتبرونَ بلاد المغربِ غنيمة لهم، وكانوا  يُلزمون البربر بتأْديةِ الجزية رغم اسلامِهم، على نحو ما كانت تُؤخذ منهم على كُفرهم. وقيل أَنهم كانوا  يُقَدِمون بناتهم لمركزِ الخلافة عِوضَ المال. ولقد  تجاوزت ثروةُ الفاتح موسى ابن نصير أَيام وِلايته للمغرب من الغنائمِ ما لم يدخلِ المشرقَ قبلها أَعظم وأَنفس، حتى قال عنه الليث بن عدي: " لم يُسمع قط بكلِ سبايا موسى بن نصير قبل الإِسلام".  واشتد عِبءُ النظامِ الجبائي الأُموي بالخصوص أَيام خِلافةِ هشام بن عبد الملك وعبد الملك بن مروان، سيما وأَن هذا الأخير  حاول الحدَ من حركةِ اعتناق الإِسلام كيْ لا يُؤدي الأَمر  إِلى تقلُصِ موردٍ مُهمٍ من المواردِ الماليةِ للخلافة (2).  
للتوضيحِ  وإزالةِ الإِلتباس،  يختلفُ هذا الإِسلام الكلاسيكي  المُعقد والمُرتبط في المخيلة الجماعية بحضارة مزدهرةٍ وبثقافة عظيمةٍ  اختلافاً كُلياً عن الِإسلام التأْسيسي البسيط ِ المتواضعِ مادياً  لكنه ثرياً بذلالاته المستقبلية، يكتب هشام جعيط في " الفتنة الكبرى". ويجب الإِضافة أيضاً  بأن شمال إفريقيا لم تكنْ  قد تَعَربت لغوياً التعريبَ الذي نعرفهُ  اليوم عندما وصلت الحضارةُ العربيةُ أَوجها الكبيرفي العصرِ الوسيط. وبأَن العقل السياسي يُؤدلج  الدين الأَصل الذي جاء به النبي، عليه الصلاة والسلام، ويُحولهُ إلى تَديُن، أَي إلى نتاجٍ ثقافي يحضر فيه المقدس والمدنس/ الدنيوي في آن واحد (3).
جاءَ  رَدُ فِعل البربرِ سريعاً وعنيفاً  تِجاه  الأَخطاءِ السياسيةِ  الفادحةِ للدولة الأُموية، حيث  تزعمَ الخوارجُ  ثورات البربر، وتأَسست  الإِمارة البورغواطيةُ  في مواجهةِ الإِسلام المشرقي. وعلى الرغم من تعميرها زهاءَ أَربعةِ قرون، فقد غاب ذِكرُ هذه  الإِمارة في كُتبِ التاريخ القديم، وكَتبَ عنها فقط إِثنان من الجغرافيين المسلمين، أَحدهما بن حوقل، وثانيهما بن خلدون في صفحاتٍ قليلةٍ، قائلينَ بأَن أَصحابها اتبعوا ديناً جديداً وَصفاهُ بالظلالةِ والكُفرِ (4). 
بِمُجردِ انتقالِ المغرب من مرحلة التبعيةِ لدولة الخلافة المشرقيةِ ، وتجربةِ الدُويلات  القبلية، إلى تجربةِ الدولةِ المركزية التي أَسس لها المُرابطون، أَعلن المُلثمون  الجِهادَ المُقدس على الِإمارة البورغواطية، وأَسفر  النِزالُ عن مقتلِ الداعية المرابطي عبد الله ابن ياسين على يد البورغواطيين،  " ولم يكن  منهجه في الدعوة قائماً على الحوار والجدل بالتي هي أحسن" (5 ). وبعد أَن تلقى البورغواطيون  ضَربة قوية على يد يوسف بن تاشفين المرابطي، صَححُوا إِسلامهم، واتبعُوا المذهبَ السُني المالكي، لكنهم عادوا إِلى التمردِ من جديدٍ  سنة 1146م  ضد  حُكم  المُوحدين الذين دشنوا مسيرتهم بِتصفيةٍ جَماعيةٍ للرافضين للفقهِ التومرتي التوحيدي.  خلال المعارك الأُولى، هَزمَ البورغواطيون جَيش السلطان عبد المومن الموحدي، ونَهبوا خيله وسِلاحه، وأَسروا ابنه وجاريتهُ. وبعد سنتين، عاد الكَرة عليهم، "وأَحال فيهم السيف ولم يُبْقِ منهم إِلا من بلغ الحلم" . وعند قيام الدولة المرينية،  عمرت القبائل الأمازيغية  المنتمية لبني زيان وهوارة  بلاد تامسنا التي لوحظ بها  بعض الأَثر  للوجود البورغواطي، بشهادةِ ابن الخطيب  الذي يقولُ في هذا الصدد : " وقبيلهم اليوم ضعيفٌ لعِبَ فيهم سيفُ الملثمين ثم سيفُ المُوحدين بعده"(6). 
تقولُ الأُسطورةُ، وهي مفتاحُ البُعدِ الروحي عند الأقدمين، بِخُصوصِ هذه الإِبادة الجماعية  للبورغواطيين، أَنهم  قَلبوا صفائحَ الخيولِ إلى الخلفِ، أَثناء فِرارهم أَمامَ ُمطارديهم،  ليوهِموهم بأَنهم يسيرون في اتجاهٍ عكسي، ومات من بينهم خلقٌ كثيرٌ في المعارك،  ودفنوا  قتلاهم  لكثرةِ أَعدادهم في "سبع راوضي"، أَيْ سبعُ مقابرٍ، بأَرض جماعة أَولاد صالح. وإِلى الآن، لا يزالُ  يُطلَق على أَولاد حريز، " أَولاد قالبين الصفيحة". 

من أَولاد صالح إِلى أَولاد حريز.

عندما كان الِإنسانُ في الماضي يُغادر الأَماكنَ التي أَقام بها إِلى غيرِ رجعةٍ، كانت الأَرضُ تدفنُ في باطنها الأَدواتَ والأَطلالَ التي هَجَرها ولا تُبقي لها أثراً ظاهراً على الوجود. تقول بعض الأَبحاث بأَن  تاريخ أَول قصبةٍ  شُيدتْ  فوق مجالِ أَولاد حريز يعود  إِلى عهدِ السلطان العلوي مولاي إسماعيل (1622ـ 1722م)، أي قبل  تشييد قصبة مرجانة في عهد السلطان مولاي سليمان (1792ـ1822) . لكن لمْ يُعْثَرْ للقصبةِ المذكورةِ على أَثر، ولم يَتِم الإِهتداء  إلى موقعها بالتحديدِ.  ويُضيفُ المصدرُ بأَن سُكانَ القصبة المُختفيةِ كانوا من المرتزقةِ والمُرتدينَ والمارقين، ولم يكونوا من العبيدِ، مثل سُكان قصباتِ البروج وسطات ومديونة وبلعوان.
وفي إِحدى  القرءات الباطنية للتاريخ، يُقال بأَن  مجالُ أَولاد حريز  كان يَحمِلُ اسم  "بلاد أولاد صالح"، أَيْ قوم صالح بن طريف البورغواطي، قبل الإِبادة  التي تعرض لها المصامدة  البورغواطيون. ثم جرى استبدالُ التسميةِ  على يدِ أَعرابِ بني جابر  الذين استوطنوا الأَرض، لتخليد اسمِ  شاعرهم  حريز  بن وشاش.   إِن جميعَ الأَماكن  التي تَحملُ أَسماءً عِرقيةً  تتحولُ إِلى أَسماءَ جُغرافية مع مرور الزمن. وهذه الأَسماءُ ليست في الحقيقة إِلا  أقوالٌ وأفعالٌ وخواطرٌ تُراعَى فيها الأَحوالُ والمناسباتُ. لقد قاوم اسم "أَولاد صالح"  نكباتَ الذهرِ، واستمر في الخلودِ، على الرغمِ من اندثارِ  المُنتسبين إليه، واختفاء أَثرهم من الوجود. فهو لا يزالُ يُطلقُ على تراب الجماعة القروية أولاد صالح، في الوقت الذي تبخرت فيهِ تسمية "بورغواطة" ودخلت في طي النسيانِ،  بعد حجبها من المصادر بالتدريج. 
عندما يَتِم تغييرُ الأَسماءِ الجغرافية،  من قِبل الجهاتِ التي تحتلُ الأَرضَ، فلسببٍ واحدٍ وهو إِثباث الوجودِ والهويةِ  وكسر مقوماتِ أَهل المنطقةِ الأَصليين.  وعلى هذا المِنوال،  اندثر " الثراث البورغواطي المكتوبُ والجامدُ بصفةٍ شاملةٍ، إِلا من بعض ما  لا يُسمنُ ولا يغني من جوع"، تحت وطأةِ  الثقافةِ  العربيةِ الإسلاميةِ التي كانت تتمتعُ بِغلبةٍ وسُلطةٍ سياسيةٍ ومَعْرفيةٍ كبيرة. إِن التفوق الحضاري غالباً ما يجرُ  وراءهُ رغبةً جامحة ً في التوسعِ على حسابِ الآخرين، وتهميشهِم، وإِبادتهِم. وهذا ما حدثَ بالضبط  مع البورغواطيين بتامسنا. وبتعبيرِ الأستاذ عابد الجابري فإن العالم العربي من صناعةِ الأَعراب، وحضارتُنا حضارةُ فقهٍ ذكوري/ أُبوي، فيها الناقلُ للمعرفةِ حاكمٌ/ أُبويٌ/ سياسيٌ، والحامِلُ للمعرفةِ ابنٌ مُؤدلجٌ/ خاضعٌ/ مُسيسٌ. 
جاء  القرنُ الثاني عشر الميلادي،  ونقل السلطان الموحدي أَبو يعقوب المنصور بُطوناً من قبائل بني هلال العربية  من تونس إِلى بلاد المغرب الأقصى، فأَنزل عرب الخلط بتامسنا وعرب بني جابر بتادلا، ونَدِم في آخر حياته على هذا التوطين. إِن الأَعرابَ النازحين إلى بلاد المغرب  لم  يكونوا من أَصلٍ حضري، وإنما جاؤوا من بادية الصحراءِ  التي تتميز بخشونةِ الطبعِ ويُبوسةِ العقل. فهم من أَصحابُ السيف،  لا يمتلكون الِإحساس النقدي، وليس بينهم  فيلسوفٌ ولا صاحبُ نظر وجدل. بعد مرور عقدين من الزمن، تبُثتْ مُشاركتهم في الصراعِ الدائرِ  بين أَبناءِ المنصور الذهبي على الحكم.  فقد قتل عرب الخلط الخليفة العادل ابن يعقوب المنصور، ولما هاجمهم الرشيد ابن المامون، " فروا أَمامه وهابوا قدومه وإِقدامه وافترقوا في البلادِ وتفرقوا في القبائل" ( ابن عذارى). و لما أَمر الرشيدُ بِقَتل  شيخ قبيلة  بني جابر فر هؤلاء ولاذوا  بسفحِ الجبل مُجاورين  أمازيغ زناكة.  وفي عهد بني مرين، سَجل المؤرخونَ  وُجود عرب بني جابر على ضفافِ وادي العبيد، والذين تفرعوا بمرورِ الزمن  إلى أَربعةِ أَقسام كُبرى، وهم: بني موسى، بني عمير، بني معدان، بني ملال، وخرجت منهم فروعٌ  زحفت  باتجاهِ السُهول الأَطلسيةِ(7) .  تحالفتِ الدولة المرينية مع القبائلِ الهلاليةِ المستقرة في السهول، ووضعت حداً  للإزدواجية اللغوية السائدة، ومنعت استعمالَ البربرية في خُطب الصلاةِ والآذان (8). وبموازاةٍ مع ذلك،  لَغمت القطاع الديني الذي كان يعملُ فيه المتصوفة بإحياء ظاهرةِ  الشرفاء الذين كانوا مُختفين عن الأنظار  منذ سبعة قرون، فأَخرجتهم إِلى الوجود، بعد سُبات عميقٍ، لتدعيم موقعها السياسي.  لم يكن متصوفة الأَرياف والجبالِ  فقهاءَ محترفين، وإِنما أَحدثوا تياراً  دينياً من نوعٍ جديدٍ. ومن هنا، ومنذ ذلك التاريخ،  انتشرت ظاهرةُ إدعاء الشرف، على غير وجه حق، بشكل ملموسٍ عبر تلك الأَرياف والجبالِ (9).

تطور الهوية الحريزية

ابتداءً من عهدِ السلطان مولاي اسليمان (1792ـ1822)، أَصبحت قبيلة  أَولاد حريز قائمة الذات، بارزةَ المعالم بشكلٍ كبير. قُبيل ذلك، كانت حُدودها مطاطيةٌ وغير تابثة، تتقلص تارةً، وتتمدد  أخرى، بِحسب موازين القوى مع قبائلِ الجوار. كانت إِقامة  البدو وهم  يتنقلون مع القطعانِ في المراعي، مؤقتة لا تتجاوزُ عدة أيام في نفس المكانِ. لم يكن لهم حينها من مسكن غيرُ الخيمةِ، إِذا رحلوا نقلوها معهم على ظهورِ دوابهم وضربوها حيث يجدون الماء والكلأ لمواشيهم، فلا تَتكرَرُ الِإقامة في نفسِ مساحةِ الأَرض وهم يمُرونَ بها من سنةٍ لأُخرى.  وأَما حكومة الشاوية، فكانت  بأَسرها تحت نَظَرِ عاملٍ واحدٍ ينتمي لِقبائل الحوز، فأَصبح يحْكُمها في العصر السُليماني  رجلٌ يختارهُ السلطان  من بين أَهلها  بعد التشاور مع  شُيوخِ  القبائلِ.  
في عهدِ السلطان مولاي عبد الرحمان (1822ـ 1859)،  قرر المخزنُ الشريف تَفتيتَ الكيانِ الكبيرِ للشاويةِ  إِلى كياناتٍ صغيرةٍ، واضحةِ الحدودِ، كي يسهُل عليه التحكم بها، وجعل على رأْسِ كلٍ منها قائداً من بين أهلها. في هذا السياق، سَيَتِمُ اختيارُ القائد محمد برشيد الفقري العلالي على رأس قبيلةِ أَولاد حريز التي خلقت  لنفسها هوية جديدة، بعد تطعيمِها بعناصرَ جديدةً طارئة، اصطلح عليها بتسمية " لحباشة". هذا التزاحم الديموغرافي، فوق الرقعةِ  الضيقة، شجع  البدو على تعاطي الزراعةِ على حسابِ الرعي، وَوَضَعَ حداً  لتنقلاتهم المستمرة وراء القطيعِ في الفضاءِ الحر. وفي المُحَصِلة، منحت الزراعة  قبيلة أَولاد حريز حياةَ الإِستقرار، والخضوعَ التام للسلطة  المخزنية، وتعلم الكتابة والقراءة في الكتاتيب القرءانية التي أَمر السلطان مولاي عبد الرحمان قُواده  بفتحها  في كُلِ دوارٍ بالشاوية. وكانت تلك بدايةُ وِلادَة الهوية الحريزية، التي صاحبها تناسل الأَضرحة بجانب الدوايير المنتشرة فوق المجال. 
تتضمنُ الهويةُ  عنصري التشابه والإختلافـ،، وتولَدُ بعد الِإحساس بالذات، وتصورنا من نحن ومن هُم الآخرون. ومن هذا المنطلق، يتباهى أَولاد حريز بِهويتهم فيقولون عن أَنفسهم في مُقابلِ الآخرين: " أَولادْ حريزْ سلْهام حْرير، ولمذاكرة كْبالتو. ومْزابْ كَلبْ اكْحلْ ولمزامزة كُعلالتو".  وهو  نوعٌ من أَساليبِ التنشئةِ الاجتماعية، المتبع  في التربية المضادة بواسطة الأَمثال الشعبية، حيث يتم تلقينُ الأَطفال مبادئ ومعلومات ترفعُ الشأن من قبيلتهم، وفي نفسِ الوقت تلقينهُم مبادئ ومعلومات ضِدية عن قبائلِ الجوارِ الطامعة في أَرضهم.  وهو نفسه الأسلوبُ المتبعُ من طرفِ الأَحزاب السياسية التي تُفرخ المتعصبين الذين يُضفون هالةً على زعمائهم بشكل لاشعوري، ويُسفِلون كل مخالفٍ لتفكيرهم في الجهات الأخرى.  
ترتبط الهوية بالأَرض، أَيْ الموطن القار الدائم، ولا علاقة لها بالأَصل العرقي أَو الأَصل الجغرافي. ويتم تحديد رسمها بالمجموعات الإجتماعية الأَكثر عدداً، وبمواقِعهم في المؤسساتِ على رأس المجموعة، حيث يستطيعون الثأثير على المجموعات الأقل عددا، ويجبرونهم على أن يروا، ويفكرون ويعتقدون ويذركون الأشياء بالطريقة التي يريدها  صاحب السلطة لخلق الجماعات أَو تحطيمها (10). مع التحولِ من حياةِ التنقلِ الرعوية إلى الإستقرار النهائي، لم يعد الإِطار الإِسمي  "أولاد حريز "  يطابقُ محتواه،  وعرفَ مضمونهُ تبدلاً  بِتغيرُ الأُحوال . ومع  ذلك،  ظل الناسُ على اختلافِ أُصولِهم  يعتبرون أَنفسهم مُنحدرين من نَسلٍ واحدٍ، وهم في الحقيقةِ يلتفونَ  حوْلَ جدٍ وهمي ، مُتخيلٍ، فَرضتهُ  عليهم ضرورةُ  التماسك والتلاحُمِ، لأَجل البقاءِ على الحياة.
أَولاد حريز هم نحنُ والذين سبقونا  إلى الديار، وهمْ نحن والذين سَيُعمِرون بعدنا هذه الديار. فالهويةُ رابطة ترابية  تتجددُ  مكوناتها البشرية  باستمرار، وتظلُ قَيدَ التكوينِ على الدوام، بفضل تكرارِ عملياتِ التفاعل الإنساني، الناجمة عن الهجرةِ وغيرها.  إنها " ارتباط وجداني بالأَرض لا علاقة لها بالأَصل السلالي أَو الإِثني. بل هي مستمدةٌ من الأَرض التي تمنحُ هويتها للِإنسان الذي يعيش فوقها كما فعل أجداده السابقون. لا علاقة لكلمة" الأجداد" بالتصور العرقي للهوية، بل لها وظيفة ترابية تعني المدة الكافية (عدد الأجيال) التي يصبح بعدها " أجداد" من هاجر إلى بلد جديد منتمين ترابيا وهوياتيا إلى هوية ذلك البلد الذي استقر به جدهم عندما كان مجرد مهاجرٍ لا ينتمي هوياتيا لتلك الأَرض" (11).
 والحالة هذه، فإِن قبيلةَ أَولاد حريز لم تكن أَبداً إطاراً  صلباً، مُحكم الإغلاق، ومن صلب رجلٍ واحد. وإِنما يُعتَبرُ اسم " أولاد حريز"  خزاناً رمزياً برأسمالٍ ثقافي، وبِجُملةٍ من الشخصياتِ والأَحداثِ والتصوراتِ، مشحوناً بالوقائعِ  التاريخية، وبالعلاقاتِ الصراعيةِ  مع  القبائل المجاورة، ظل يعرفُ تجدداً مستمراً بعناصرَ كانت تأتي من مختلف الآفاقِ، ثم تذوب  في بعضها البعض، من أَجل إِتباث وجودها وتحقيقِ توازنِها الوجداني والعاطفي. لا يُمكن لأَي جماعةٍ  أَن تستغني عن مثل هذا المتخيل، أَو الوهمي، وهي بحاجةٍ إِليه  كي تؤَثتَ وجودها، ولكي تُعطي لهذا الوجودِ معنى وقيمة. يقول ابن خلدون، بهذا الخصوص: " إِن النسبَ وهميٌ، وإِنما العبرةُ في النسبِ فائدتهُ أَو ثَمرتهُ، وهي صِلةُ الأَرحامِ والنعرةُ، وما فوق ذلك مُستغنى عنه" .

عنوانُ الهوية الحريزية.

  بِمرور الوقت، أَصبح الحقلُ الرمزي لأَولاد حريز يتميزُ بحدودٍ ثقافيةٍ اجتماعيةٍ ، غير مذركة،  تفصِلُ بين العالم الثقافي للفقرا أَولاد حريز،  باعتبارهم قوةً عدديةً متماسكةً، يميلونَ أَكثر من غيرهم  إِلى نرجسةِ الذات، ووضعِ أَنفسهم في منزلةِ "الشرفاء"، وبين عوالمِ الآخرين بِداخل مجموعتهم،  أَيْ الأَقليات المفككة أو المستعربون بأَولاد حريز،  وكيف ينظرونَ إِليهم  ويضعونهم في مقام "العوام"، المقطوعين من شجرةٍ.  لا يبدو الأَمر واضحاً للعيان، فعِندما يكون المُقدس بعيداً عن المدينة وعن الحضارةِ فلن يختلفَ الناسُ حوله. وبمنتهى السُهولة  امتصت ُالقوةُ  العددية للفقرا أولاد حريز العناصرَ الوافدةَ على المجالِ  من مختلف الآفاق، زُرافات ووحداناً، وقامت  بتذويبها  في المُقدس، تحت شعار: " الولي جَدْ الشُرفا، جَدْ لعْوام". " فرحات اللي جانا، ابْاكم وبْانا".  
نَطرقُ هنا بابَ التمثلاثِ، أَيْ طريقتُنا في النظرِ إِلى أَنْفسنا وإِلى الآخرين، ووصْفِ هؤلاءِ الآخرين  واستعراضِهم كما تُصورهُم لنا الثقافة التي تُمارس التمثيل. إِن التمثلاث  Les représentations تُمارِس ثأثيراً  قوياً على مجرياتِ الأَحداث في الواقع،  لأَنها  تعملُ كإيديولوجيا، وكأَداتٍ من أَدواتِ القوة، ووسيلةً لإِخضاعِ الآخرين والهيْمنةِ عليهم (قوة ناعمة/ لويس ألتوسير).  ونعني بالثقافةِ  في هذا السياقِ  طريقة حياةِ الأَفرادِ، ومجموعة الأَفكارِ والعاداتِ التي تعلموها، ويُساهمونَ في نقلِها من جيلٍ إلى جيل (12). 
 ففي نهايةِ كُلِ دورةٍ زراعيةٍ، يُنظم الفقرا أَولاد حريز رِحلةً  دينيةً، في شكلِ هجرةٍ مُضادةٍ إِلى بلاد السراغنة، يقطعونَ خلالها  المسافات الطويلة لبلوغِ الفضاء المقدس ، حيث يرقدُ جثمان جدهم الولي  سيدي عمرو بلحسن. وهم بذلك يختارون السير في زمنٍ عُكوسي يقودهم من المستقبل إلى الحاضر، ومنَ الحاضر إلى الماضي، أَيْ من الزمنِ الدُنيوي  إِلى الزمنِ السرمدي، لِغَرضِ استعادة هذا الزمن القدسي، والمشاركةِ الإِستهاميةِ فيه بعد استحالةِ  المشاركةِ الفعليةِ فيه.   "تتسم طقوسُ الزيارات المقدسة بالمُفارقةِ  أَكثر من التعبير. التعبيرُ هو المظهرُ الخارجيُ الذي يُبْديهِ الزُوار  بِحَركاتهم الجسدية، لكن المظهرَ الباطني يتمُ عبر مُفارقةِ الدنيوي للتوحدِ مع المقدس في زمنه السرمدي" (13).  
لا يختلفُ برنامجُ تجديدِ الولاء، المثوارثِ من الأَب للإِبن، من سنةٍ لأُخرى، حيث تَتبِعُ الرحلة الدينيةُ  نفس المسالكِ القديمةِ التي كان يقطعُها  الأَسلافُ أَثناءَ التنقل المُنظَم للقِطعانِ من هضاب تادلا  إلى سهول الشاوية، ذهابا وإيابا، في تناغم مع  مواقعِ المزاراتِ المقدسةِ،  كما يرسمها ويحللها  جاك بيرك في دراسته للمواثيق الرعوية لبني مسكين. وعندما يفْعلون، فإِن الزُوار  يُصَيْنمونَ الأَبَ الأَصل الذي يمنحُ الوجودَ والمشاعرَ والعواطفَ، ويَضمنُ الخُصوبةَ التي تُوَفِرُ الحياةَ والاستمرار (الماء والمرعى) .   إِنه  بالنسبةِ إِليهم الثرات، والسلطة، والإِرث، والأَهل، والأَسلاف، والتُراب، والرحم. يَتَماهون معه في السٌمو والِإرتفاعِ، ويُشبِعونه  بالأمنياتِ والاحتياجاتِ.  إن الولي سيدي عمرو بلحسن هو المِحور  الذي تدور حوله العلاقات الإِجتماعية التي تربط  بين مكونات أَولاد حريز بعضُها  بِبعض. إِنه  عنوانُ الهوية، ومركزُ وحدة القبيلة، ومركزُ التوازن، ومرجعُ كل مستغيثٍ ومظلوم.
لكن من الناسِ من يعتقد بأَن الدمَ المُقدس لنبي الإسلام يجري في عُروقه، فيمنحُ لنفسه لقب " الشريف ".  يُقالُ في علم الإِجتماع التاريخي بأَنه عندما تفقدُ الزاوية دورها الاجتماعي/ الديني تتحولُ إلى هيكلٍ مُحَنطٍ يفرزُ قيامهُ عدداً من الخرافاتِ الشعبية. وفي عِلم النفس السياسي،  يُقال: كل لقبٍ يعبر عن رغبة، وتمدُد وطموحٍ، وتسفيل للآخرين. " الأَلقاب أَحلامُ اليقظة، فيها نُكرانٌ للآخر وتضخيمٌ للأنا، تَخفي رغبةً  غير مرئية  في احتلالِ موقعٍ، وتحقيق وهمي لصفاتٍ مرغوبةٍ، ومكانةٍ عُليا مرجوة"  (14).
  شيءٌ منه يشبهُ  أَحلامَ أَيتامِ الأَحزاب السياسية الذين ينفخونَ حجمهم، ثم ينقسمونَ، ثم لا يجدون من يلتفتُ إليهم، فيجلسونَ وحيدين في  مَقراتهم  المُقفرة، يتحدثون ويَرُدُ الصدى ( نمط النزول والشِقاق صورة أخرى لنمط عالمي هو الإِخوة الأَعداء).  ففي كُل زمان ومكان، الإنسانُ مجبولٌ على التقديسِ حتى ولو كان المقدسُ لوناً من أَلوانِ الطيفِ  يلبسُه كلب ضالٌ في الحملة الإِنتخابية. يتميز  المقدس في القبيلة  بديموته ووظيفته التلاحمية، بخلاف المقدس المؤقت/ المرحلي/ الزائل بالمدينة. عندما يدخل المُقدس المدينة، تحت أَي شكل من الأَشكال، ويتماهى مع السلطة والفعل السياسي، فإِنه  يُوَلِد  حتماً جهات معارضة لسلطته  التي تتحول إلى تسلط، فيتلاشى ويسقط بضياع السلطة من يده. لكن في الحالتين معا، لا يرى العقلُ الجماعي الواقعَ، وإِنما يعيشُ على الصورة الذهنية الماضويةِ التي لا تعني في الواقع شيئاً. وفي النهاية، يصبحُ التاريخُ الشائعُ  والمقبولٌ بين أَهله، عزيزاً عليهم كجزء من صورتهم عن أَنفسهم، يصنعُ لهم نسباً  شريفاً وهمياً، أو نضالاً سياسياً خيالياً، يرتاحون له  كما ارتاح أَسلافهم من قبلهم إلى الاعتزاز به.

يتبع ( لحباشة المستعربون بأولاد حريز: اجدد/  الزوارة/ الرحيحات/  التشايش، الخ).
**
المراجع:
التقاليد الشفهية، ذاكرة وثقافة. ليويس جان كالفي
 دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والإجتماعي للمغرب الإسلامي. الحبيب الجنحاني
العقل في المجتمع العراقي، بين التاريخ والأسطورة. شاكر شاهين
البورغواطيون في المغرب . إبراهيم خلف العبيدي. ودولة بني صالح. رجب محمد عبد الحليم. 
ندوة ابن ياسين: 1997. جمعية الربيع للثقافة والتنمية/ الخميسات. 
الموحدون وأزمات المجتمع. محمد المغراوي.
تادلا : التاريخ، المجال، الثقافة. كلية الآدب والعلوم الإنسانية بني ملال.
تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية بالمغرب. عبد اللطيف أكنوش.
مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط. محمد قبلي.
صورة السود في المتخيل العربي، ثمتيلات الآخر. نادر كاظم
في الهوية الأمازيغية. محمد بودهان
سوسيولجيا الثقافة والهوية. هارلمبس وهولبورن
العقل في المجتمع العراقي، بين التاريخ والأسطورة. شاكر شاهين.
أشياء الدولة في الرموز في اللاوعي. علي زيعور.


TAG


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *