بقلم الجيلالي طهير : أطباءُ الأمس وأشياءٌ من درب الطفولة.

برشيد نيوز: بقلم الجيلالي طهير
لماذا طلبتُ من السيدة صابين، حفيدةُ الدكتور دولامار، صورةً تذكاريةً لجدِها، وتفضلت بمنحي إياها من ألبومها العائلي؟ إن وجه هذا الطبيب الذي ترأس في يوم من الأيام المستشفى الأهلي ببرشيد ما فتئ يضاجع مخيلتي، والمنزل الجميل الذي آواه كان يرتبط عضوياً بالفضاء الطفولي الذي انقضت فيه أعذب أيام حياتي.
تنطق شواهدٌ كثيرةٌ بأن حي طفولتي تألق يوماً في دنيا برشيد، عندما كانت تحُفه الحدائقُ من كل جانب، وكانت به مساكن أوروبية فسيحة ومزهرة. كان درب جديد ينفتحُ شمالاً على عرصة الباشوية، ومن الجانب الشرقي على الحديقةِ الخلفية للمستشفى الأهلي والحديقةِ الأمامية التي شيدت فوقها المحكمة الابتدائية. وأما في الجنوب والغرب، من الوراء، فكانت تتراءى لناظرها الحقول والجنائن والمروج الممتدة إلى أبعد الآفاق.
كان الكثير من الآباء يشتغلون بالمرافق العمومية المجاورة للحي. ومن هنا ساد الإعتقاد لدى الأطفال بأن البنايات العمومية تشكل جزءاً من ممتلكاتهم العائلية، يقتحمون أسطحها وحدائقها متى أرادوا ذلك، لإسترجاع الكرات الطائشة، التي تتقادفها أقدامهم، ولا يظن أحد بهم شراٌ.
كان الحيُ أكثر براءةً، وكان الأطفال يحلمون بالأشياءِ الجميلة التي لم يروها بعد. كانوا يشعرون بأنهم قريبين من بعضهم البعض في لحظات الصدق العفوية. حتى الكلابُ العابرةُ، قدوماً من دوار الحاج عمرو، كانت تحترمهم، فلا ترفعُ قوائمها الأخيرة، ولا تتبولُ أمام أعينهم أبداً.
وُضعت اللبنةُ الأولى للمستشفى الأهلي، في شكله البدائي، على يدِ الدكتور موبان سنة 1914، أيْ قبل ظهور الأحياء السكنية إلى الوجود. وقد وقع الاختيار على هذا المكان البعيد عن الثكنة العسكرية (مستشفى الأمراض العصبية لاحقا) من أجل تبديدِ مخاوفِ الساكنة من الوجود الفرنسي. وفي العشرينيات، حل الدكتور فريدريتشي، وهو من مواليد تولوز، محل الدكتور موبان، قبل أن يترك مكانه في بداية الثلاثينات، للدكتور أدريان دولامار. هذا الأخير، حاز على الدكتوراة في الطب سنة 1917، وتتلمذ على يديه عددٌ من الممرضين المنتمينَ لأولاد حريز، على رأسهم محمد بن الحاج عمرو الفقري، زوج عائشة بنت أحمد بلمعلم العباري، الذي منحته وزارة الصحة الفرنسية الميدالية البرونزية سنة 1930، تقديراً له على كفاءته المهنية.
استمرتْ إدارةُ الدكتور دولامار للمستشفى الأهلي إلى منتصفِ الستينات، وعُوض بأولِ طبيبٍ مغربي من مواليد أولاد حريز، وهو الدكتور بوشعيب بن حم السمعلي. آنذاك، فتح الدكتور لامار أول عيادة خاصة للطب العام ببرشيد، بزنقة طارق بن زياد، بالتزامن مع عيادة الدكتور طومي سلاف جان كوفيتش، خريج جامعة زغرب سنة 1959. وفي 1966 أيضا، سيتم افتتاح أول عيادة للتمريض على يد الحسيني عمرو الذي تفوق في الإختبار المهني المجرى له بمدينة الرباط. وفي سنة 1969 سيأتي الدور على الدكتور مارسيل كاكون ليفتح عيادة طبية ثالثة، بزنقة عقبة بن نافع، في المكان المشيد فوقه حاليا محكمة الأسرة.
كان لزوجة الدكتور كاكون، الملقب بالشينوي، كلبة صغيرة بيضاء، من فصيلة الكانيش، فُوجِعَت بِموتها، فحَنطتها، وووضعت جثتها بداخل صندوق، دفنته بعناية في حديقة العيادة. مع مرور الأيام، غادر الدكتور كاكون برشيد، وأراد السي محمد بلحسن حريزي، مالك الفيلا، هدمها كي يشيد محلها عمارة من عدة طوابق. حدثت المفاجأة أثناء عملية الحفر، عندما عثر عمال البناء على صندوق، ظن الجميع أنه يحتوي على كنز مخبيء تحت الأرض. لذلك، أغلقت المنافد المؤدية إلى المكان، لمدة استغرقت ساعات طويلة. فور انتشار الخبر، ارتدى رجال السلطة بدلاتهم الرسمية العسكرية، وراحوا ينتظرون قدوم اللجنة المحلفة من عمالة إقليم سطات. أخذ بعض المنتقدين يرددون سراً بأن خيرات برشيد دائما تسرقها منهم مدينة سطات. وكم كانت الخيبة عارمة لما علم الجميع بأن محتويات الصندوق ما هي إلا رفات كلب محنط.
لا يتسع المجال هنا للحديث عن الطب العقلي، ومجانين برشيد، ونكتفي بكلمات في تاريخ الصيدلة. في شهر يناير سنة 1952، فتح الدكتور مارسيل باربيلو، خريج جامعة مونبولييه سنة 1946، أول صيدلية ببرشيد. وفي سنة 1964 ، حل محله الصيدلي جاك بيجو، المحصل على شهادة الدكتوراة بباريس سنة 1959. وكان لابد من انتظار سنة 1972 كي يدشن المهدي برشيد، خريج جامعة مونبولييه سنة 1970 صيدلته بالمدينة التي تحمل اسم جده محمد بن عبد السلام برشيد. لم يستمر الأمر طويلا، ما لبث الدكتور المهدي أن غادر برشيد ليستقر بمدينة الدار البيضاء التي فتح بها صيدلة الحرية، بملتقى زنقة خريبكة وشارع الحرية، بالدار البيضاء (درب عمار).
على ضوء المقارنة، يمثل حي المستشفيات النواة الأولى للطب العصري بمدينة الدار البيضاء، حيث تناسلت العيادات والمختبرات الطبية بساحة شارل نيكول وغيرها. لا يمكن التفكير بالمطلق في فتح عيادات طبية بدرب جديد، قُبالة المستشفى الأهلي. الصيدلية الوحيدة التي راهنت على النجاح بنقطة سابول كان مصيرها العطالة والإغلاق. إن هذا الحي أنجب ثمانية أطباء أمضوا به فترة من حياتهم، وهم في عمر الزهور. مذهل ! هو نفسه عدد الشوافات والسحرة الذين اقترنت شهرتهم بممارسة الشعودة بدرب جديد.
يُمكن تشبيهَ درب جديد، وهو في عز شبابه، بفتاة فقيرةٍ أغرمت في رومانسيتها المثالية بفقير مثلها، فخلعت عليه وشاحاً سحرياً، وهي تعتقد أنه سيحررها من سجن الأسوار. الرئيس محمد طربوز، مع كامل الاحترام والصراحة، أَساءَ مُعاملةَ درب جديد وأَشقى حياته، خَيب آماله وهَد أَحلامهُ. كان الحي منحصراً من ثلاث جهات كالمصيدةِ، فأحكم عليه من الجهة الرابعة بجسر إسمنتي، ثم راح، وتركهُ أَرملة كارهةً الحياة الزوجية.
نِهاية الحب بين الإتحاد الإشتراكي ودرب جديد موت. دائما البيوت الخالية تموت يتيمة! إنه الآن كمستودع أموات يعاني شرور الوحدة الباردة. كان يهز الخيال ويثير الحنان، وأصبح حقيقة توقظ الرثاء. وأخيراً، جاء الرئيس " الخطأ " في تاريخ برشيد ليبنى عليه مسجداً كي يُدخل أمواتهُ الجنة. إِن في الدين ظاهرٌ ميتٌ يتباهى به المنافقونَ، وجوهرُ روحي ٌ يحرك أشياءً غريبةً، كالدفء اللذيذ، في قلوبِ الصادقين.
نكتبُ، ونكتبُ، ونعرفُ بأنَ الكتابة ستظلُ نائمةً مهما عبرت عن الواقع الأليم. نعرف بأن العمالة والمجلس البلدي يهتمان أكثر بتبيض سعد الجمعيات المراهقة (المنح)، وتجميل الواجهات التي تخفي البؤس المخيف. السلطة في عُميها، مثل الثراء الفاحش تقتل إِنسانية الإنسان، ولا ترى الظلم المنتشر في كل مكان. الخشية من أن يتحول الأشخاص العاديون مثلنا إلى كائناتٍ غير عادية تنظرُ إلى الأشياء غير العادية على أنها عادية. كل إنسان طيب ورائع تحيط به شر البريئة، من حيث يدري أولا يدري، مهددٌ بأن يفقد إحساسُ البشر، طعمُ البشر، وإنسانيةُ البشر.

TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *