بقلم الجيلالي طهير : أولاد حريز وإشكالية الذاكرة الجماعية.

أولاد حريز وإشكالية الذاكرة الجماعية.
برشيد نيوز/ بقلم : الجيلالي طهير
يجانب بعض الأصدقاء الصواب وهم يعتقدون بأن الكتابة عن الذاكرة مجرد حنين إلى الماضي واستثمار في الشيخوخة. لا أحد يختار بنفسه النسيان ويتحكم فيه بإرادته، فلنقل أن هؤلاء الأصدقاء غاب عنهم الاذراك بأنهم ليسوا بنكرات قادمة من العدم، وبأنهم مثلنا بحاجة ماسة إلى معرفة من هم، وإلى أي مجموعة بشرية ينتمون.
إن الذاكرة ترتب العلاقة مع الماضي من أجل تأكيد الهوية، والمساعدة على لانخراط في الحاضر. والكتابة عن الذاكرة ليست بالضرورة رغبة حنين، وإنما أيضا شهادة عن الغياب يعبر عنها كل من يعضّ على جراحه ويكتم آهاته، وهو يتجرع كأس الخيبة والمهانة في عاصمة وطنه الصغير: غياب الصدق، غياب الرجولة، غياب الأمان ، غياب الكبرياء، غياب الإنسانية بالمفهوم العميق للكلمة.
تحتاج عملية إدراج الماضي في الحاضر، من أجل إحياء الذاكرة إلى ثلاثة عناصر، وهم الشهود الرواة للأحداث والمؤرخون الذين يدونون الأحداث، ينضاف إليهم طرف ثالث غير مرئي، يطلق عليه الذاكرة الجماعية. وهي " الخطاب المتنقل على الصعيد العام والذي يعكس الصورة التي تريد الجماعة بداخل المجتمع إعطاءها لنفسها" ( تزيفيتان تودوروف. الذاكرة والأمل).
على الرغم من أن الناس يميلون إلى إضفاء صفة المبالغة إلى الأحداث التي تخصهم بشكل مباشر، فيمكن تصنيف الشهود بحسب أخلاقهم إلى ثلاثة عقول: الممتازون الذين يتقبلون الآخرين؛ الطيبون الذين يتفهمون كل ما يعرض عليهم؛ وأخيرا التافهون الذين لا جدوى منهم، كونهم يصفقون للخير وللشر في آن واحد، بدون تمييز، في مقابل الحصول على امتياز مادي ولو جد ضئيل. شي ناسْ هُما هُما، وشي ناسْ أحلى منْ لعسلْ في لگرْجوما، وشي ناسْ رْفاگة لخْلا ولا هُما. هؤلاء هم شهود الزور الذين يوزعون شهادة حسن السلوك بحسب أهوائهم، وكأنهم فقهاء المقابر الذين يملكون مفاتيح الجنة، لا يتقنون من أبجديات الحرية والتسامح غير كلمات فارغة، جوفاء، يستعملونها في التسول المباح.
على سبيل المقارنة، توفي رجل من لعسيلات بمدينة برشيد. وأثناء وليمة العزاء، رفع فقيه مهرج يديه إلى السماء، وهو يتصبب عرقا من كثرة الثناء المفرطك على الميت، وقال أن الفقيد وارث العلم أبا عن جد. والحقيقة التي يرويها أهل الفقيد عن أنفسهم هو أن دوار لعسيلات بكامله لم يكن فيه غير ثلاثة رجال من حفظة القرءان، وهم الحاج آمحمد الرغاي (عم الشيخ العربي الرغاي وكان شيخا ضريرا)، والفقيه المشارط في الدوار، وطفل كان يربيه هذا الفقيه.
إن الذاكرة تسخر لأفعال الخير مثلما تسخر لأفعال الشر. في كل زمان ومكان، يطمس المستبدون الذاكرة الجماعية لصالح أحداث معينة كي تتماهى مع ذاكرتهم الشخصية، ويصبح تاريخ استبدادهم هو تاريخ جماعتهم. ولقد تعرضت برشيد مرات كثيرة لعملية اغتصاب ذاكرتها بأفعال متعددة، عن طريق الإنكار أو التبخيس أو التزوير أو التهويل. في سنة 1908، عندما تكبدت القوات الفرنسية الغازية خسائر فادحة في الأرواح، على يد المجاهدين، بمحيط زاوية سيدي المكي، جلبت قطعا حجرية رخامية كبيرة إلى عين المكان، استخرجتها من خراب القصبة القائدية القديمة. وبعد أن نقشت عليها أسماء الضباط الذين سقطوا في المعركة، استعملتها كنصب تذكارية لأجل تخليد " بطولات" هؤلاء الضباط ، وكلفت مقدم الزاوية بحراستها، بل وحملته مسؤولية تدنيسها تحت التهديد.
أظهرت الحرب التي عاشتها البلاد ضياعاً وتشتتاً في صفوف أولاد حريز، وفتكت بالكثير من أبنائها. وعلى أنقاض القصبة القائدية القديمة، رمز الظلم والطغيان، شيدت القوات الغازية مستشفى الأمراض العقلية لمعالجة جنودها الذين أدخلتهم بشاعة الحرب دائرة الجنون. حيثما يتواجد الجنود والمغامرون العازبون تتناسل بشكل طبيعي مواخير الدعارة ومحلات بيع الخمور. ومن ثمة، انتشرت بأولاد حريز " حفلات لا تنتهي للشيخات، يبيع فيها الواحد حتى جلده إذا ملكه، ويهتز في الجدبة تلو الجدبة، وهو لا يعرف لماذا يجرع أنهارا من الخمر الذي جاء به الاستعمار"، كتب أحمد المديني، وهو من مواليد برشيد، في " وردة للوقت المغربي".
بعد تغيير المعالم الثقافية للقبيلة، سيتم تجزيء تاريخ أولاد حريز واختزاله في كليشيهات الزهو والحمق عوض الشهامة والكبرياء. فما إن ينطق اسم برشيد حتى تتبادر إلى ذهن السامع أفكار عن الجنون وعن أجواء العيطة في الليالي الملاح. سيقولون عنهم الآخرون: "لا مشيتي للشياظمة لا تدي معاك زاد، عبدة كون كان فيها لما تما ندير لولاد، دكالة فلاحة بلا بلاد، وأولاد حريز عا زهوة وفساد". والأمر لم يقتصر فقط على العامة، بل حتى عند النخبة المثقفة في كتاباتها الروائية والمسرحية التي من أشهرها "بوغابة" لمحمد قاوتي، و"صيف بلعمال" لشفيق السحيمي.
مع توالي السنين تولدت بداخل مستشفى الأمراض العصبية ذاكرة شعبية خاصة به، نعثها أحمد المديني بالعبقرية الخاصة، وأسماها ادريس الخوري بالذاكرة المنسية، فكتب عنها ما يلي: " في الإبداع الجنوني والجنون الإبداعي تلتقي ذاكرة بيكاسو، سلفادور دالي، فان غوغ، أندريه بروتون، غروتفسكي، أدونيس، صمويل بيكيت، محمد شكري. النزلاء المرضى في برشيد، المنسيون والمهمشون، البعيدون عن رؤية العالم الخارجي، القابعون في أجنحتهم وفضائهم المطلق، حيث يسيطر الهذيان والنسيان، يشبهوننا جميعا إلا من حيث تنعدم الذاكرة، ويغيب العقل. إن تجربة المرضى، في التعبير الكتابي والتعبير الجسدي، رسم ورقص، تكشف، فعلا، عن الذاكرة الشعبية المنسية التي آن الأوان لفهمها".
كتب ذلك بمناسبة تنظيم تظاهرة ثقافية بمستشفى الأمراض العصبيىة، في شهر ماي من سنة 1981، على يد الدكتور زيزيو، حضرها ما يزيد عن 30 فنانا من كبار الفنانيين التشكيليين بالمغرب، ومن جملتهم السيدة طوني ماريني، المنتمية لمجموعة " أنفاس" سابقا، عندما كانت تدرس تاريخ الفن بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء سنة 1965، وهي زوجة الفنان محمد المليحي. أصدرت السيدة ماريني بالمناسبة مؤلفا بعنوان: " كتابات عن الفن" أوصت فيه بعدم إزالة الجداريات التي أبدع فيها نزلاء المستشفى، معتبرة إياها بمثابة متحف عالمي للفن التشكيلي. Écrits sur l’art. Toni Maraini - Edition Lefennec -
بالموازاة مع انتشار الطب العقلي الذي أسست له السلطات الفرنسية، ظل الطب الخرافي المتمثل في التعويذات وزيارة الأضرحة متفشيا بكثرة بين الناس، يرددون بكل تلقائية: "سيدي لحسن حبيب، سيدي عمرو طبيب، يداوي ولادو في الغيب، وجيتك داويني". هناك فعلا نوع من الأمراض لا يرجع أصلها الى خلل عضوي في جسم الإنسان، وإنما يكون ناتجا عن عوامل شعورية، عاطفية، نفسية، لا يشملها الطب العام. ويسمى هذا النوع بالأمراض النفسية الجسيمة psycho-somatic . في مثل هذه الأحوال، تنفرج الكربة النفسية الدفينة، الكامنة خلف المرض، عند زيارة المرضى للأضرحة، ويتحقق الشفاء مثلما يحصل تحت إشراف الأطباء الاخصائيين في هذا النوع من الأمراض.
وفي أحد الأيام، حدثت معجزة ظهورالولي سيدي عمرو بلحسن الذي تراءى وجهه لبعض النسوة يشعُ نوراً في قلب الساعة الجدارية المعلقة بداخل القبة . انطلقت الزغاريد وتعالت الهتافات في هيستريا جماعية، الكل يريد رؤية البقعة الضوئية الناصعة في قلب الجدار. " جدك شعشع نورو، اخدم وسرو بان، هو مول اللوبان، وما خفاتو خافية. جدك مول لمكانا، فرحات اللي جانا" . ومرة أخرى، تحسست إحدى الزائرات، ممن تقودهن تصاريف الأيام إلى فك ضيق، أسفل التابوت الخشبي الذي يخفي جثمان الولي سيدي عمرو، وسحبتها مبللة بسائل غريب. وما هي إلا صيحة واحدة: "جدي فيض" حتى أسرعت الحبالى في خطاهن نحو الضريح، تتبعهن العجائز وقد أصبحن قادرات على الجري، بقوة روحية تدفعهن إلى الأمام. كل مهرولة تمسك بيدها منديلا تريد تبليله بالسائل الذي يختزن البركة الذكورية المخصبة. وفي سماء سيدي عمرو بلحسن أيضا، لما كان الفرنسي ألبير فرانسيس جيلبير، المدعو ولد جلبان، يحلقُ بطائرته الصغيرةِ ، كانت الجماهير تُلوح له بالأيادي في جو هيستيري، وتصيح: "عاش الملك، عاش الملك".
في مثل تلك الأجواء المشحونة، وفي ظل التهليل والتكبير والصياح، من يستطيع أن يتجرأ ويقول بأن ما يراه ليس الحقيقة بل هو شيء آخر؟ ماذا سيكون مصير كل مشكك على أيدي هؤلاء المؤمنين المكبرين المهللين؟ يمكن للفؤاد أن يكذب ولا يرى (سورة النجم). توفي المرحوم ألبير جلبير بإسبانيا، وتوفي المرحوم عبد الله لابول، البائل على التابوت في غفلة من نومه، بفرنسا ودفن في مقبرة سيدي المعطي بدوار الزوارة/ عرصة الشاوية.
نحن نقسو في حكمنا على جهل أسلافنا وسهولة انقيادهم للدعاية التي تخدعهم. ولكن بالرغم من ذلك نحن نحاكيهم في تصرفاتهم، بتداولنا لتصريحات رؤسائنا ورؤساء وزارتنا التي تتناقلها وسائل الإعلام العصرية (تزيفيتان تودوروف، الأمل والذاكرة). لقد ولى عهد المجتمعات التقليدية بعباداتها المقدسة، والتي كنا على ثقة بأنها لن تزول، وحلت محلها أشكال جديدة من العبادات المدنسة. يعتقد المناضل الحزبي في العصر الحديث بأن التأكيدات الذاتية لزعيمه أحداثا موضوعية غير قابلة للنقاش: "بالروح، بالدم، نفديك يا عُمار". فعلا، تغير كل شيء حولنا، بسرعة قياسيّة مذهلة، بعد تدميرنا للإطار التقليدي، فظهرت سلطة التقاليد والعادات في صيغة جديدة هي تقاليد الحزب، وتحول الإيمان بالقطب الروحي إلى إيمان بالأفكار المجردة، مثل الديموقراطية، والاشتراكية، وغيرها ( فيلفريدو باريتو) . وحتى لا نشعر بأننا أصبحنا مهددين في هويتنا، وبأننا لسنا نكرة ولن يبتلعنا العدم، نحن الآن نقيم المهرجانات والمعارض السنوية، ونحتفل بتسمية الشوارع والمدارس والساحات والمستشفيات.
طيلة ربع قرن، سيطر على المشهد السياسي ببرشيد قوتان لا ثالث لهما، وهما الحزب الوطني الديموقراطي والاتحاد الاشتراكي. عندما تسود الثنائية وتبادل التهم بين المتنافسين على السلطة، يصبح الكل بريء والكل مدان، ويصعب على الباحث التمييز بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، دون أن تلسعه عقرب سامة، لابدة في غار اليسار المهجور. كان السيد عبد الله القادري يزور موسم الولي سيدي عمرو بانتظام، وقال الاتحاديون وقتها أنه يستغل زيارة المقدس لأهداف سياسية مبطنة. لكن الاتحاد الاشتراكي هو الذي دشن المهرجان الثقافي الأول بالمدينة. عندما فكر الرئيس محمد طربوز أن يمنح الساكنة فرصة زيارة الولي سيدي عمرو بلحسن، قدم تاريخ انعقاد المهرجان عن تاريخ انعقاد الموسم التقليدي، وأسماه المهرجان الربيعي الأول. لكن أصحاب الحزب الديموقراطي أشعلوها نارا، واتهموه بالتشويش على عقول التلاميذ في فترة امتحانات البكالوريا. في تلك المناسبة، استفزهم الاتحاديون برسم وردة، شعار حزب الاتحاد الاشتراكي، على الملصق الدعائي للمهرجان.
زاغ قطار المهرجان الثقافي الإتحادي عن السكة المرسومة، وأصبح صوت الأستاذ عبد الكبير عزوز، المهووس بالثقافة، وكأنه يتحدث إليهم من قاع البئر العميق. فعلوها الإتحاديون مثل الذئب الذي أراد أن يتعلم في المدرسة. ما أن سمع أصوات غنم في الخارج حتى استعاد فطرته ونط من نافذة القسم إلى الخارج، يبحث عن فريسته. لقد دعوا الأديب أحمد المديني ليحاضر في المهرجان الثقافي، ثم راحوا لإزدراد الطعام في الخيمة الكبيرة وتركوك قائما. اشتكى بذلك لأحد الأصدقاء صادفه بالمعرض الدولي للكتاب، وأنا دائما أقرأ له: " إن لغتي هي العدم ذو الأشرعة الممزقة، والمهووس بخلق مزيد من الثقوب والحركة فوق مسافات الشروخ. أما لغتكم أنتم فمكتملة، ملفوفة في أغشية التين والزيتون وأبخرة التخمة المَعدية".
مصارع بمصارع، ضربة يرد عليها بضربة مماثلة، وكأننا في حلبة نزال. في البداية، قام الرئيس عبد الله القادري بعسكرة الشوارع والمدارس، فاختار لبعضها اسم الجنرال الكتاني واسم المقاوم ادريس الحريزي، الملقب محليا ب " مْجيديل". ثم جاء بعده الرئيس محمد طربوز فسيس ما يناسبه من الشوارع والمدارس وأطلق عليها اسم عبد الرحيم بوعبيد، واسم المكي شهيد، من أقرباء أحد أعضاء المجلس البلدي.
في مدينة المفارقات العميقة والقاسية، كانت روائح الحزب الوطني الديموقراطي والاتحاد الاشتراكي تشبه رائحة السمك المقلي في الأسواق الأسبوعية. تنتشر الرائحة، بتأثيرها السحري على البطون الجائعة، وتتلاشى مع انفضاض السوق، ثم تفوح من جديد في السوق الموالي. منذ زمن لم نعد نشم رائحة تلك الأحزاب، إلا من يحن لأكل تلك الأسماك المقلية بالزيت الأسود. والآن يأتي الدور على الرئيس عبد الرحيم كميلي، من الأصالة والمعاصرة، ليساوي بين الصدفتين، ويطلق اسم زعيمه القديم، عبد الله القادري، على أحد أحياء المدينة العتيقة، إسوة باسم الزعيم عبد الرحيم بوعبيد. ما يثير القهقهة، وما لا يقبله السيد عبد الله القادري على نفسه هو أن يسمع أو يرى بأن الشارع الذي يحمل اسمه، خصصت له شاحنة بصهريج أبيض، تسهر على تنظيفه بانتظام، دون باقي شوارع المدينة. انتباه ! إن حكمتم فاعدلوا بين الشوارع !
قبل إزالة الأسماء الأجنبية للأزقة وتعويضها بأسماء عربية في مطلع الاستقلال، كانت زنقة المصطفى لمعني، الملقب محليا ب "ولد الزَوْ"، بمدينة الدار البيضاء تحمل اسم زنقة أولاد حريز. وكانت أحد الأزقة ببرشيد تحمل اسم الكبورال كانيزاريس، بطل معركة فيردان، وهو من مواليد ببرشيد، عمه كان يملك "ضيعة لويس" التي بنيت فوقها تجزئة كليفورنيا (ضيعة فالنتان لاحقا).
منذ عهد الاستقلال، اقترن اسم مدينة برشيد في الذاكرة الجماعية بتسمية فريقها الرياضي يوسفية برشيد، واشتهرت بفضل أسماء شرفت صورتها على المستوين الوطني والدولي. وعلى الرغم من تقدم مجموعة من الغيورين بعريضة للمجلس البلدي، كما تنص عليه المادة 139 من دستور المملكة، يطالبون فيها بإدراج نقطة في جدول أعماله تتعلق بإطلاق اسم ادريس باموس، الذاكرة الكروية للمدينة، رمز التواضع والاستقامة، على أحد شوارعها، فإن البرد القارس لا يزال يسكن أروقة المجلس البلدي.
كان لشهر أكتوبر الفلاحي، وهو بداية الموسم الفلاحي، حلان الزريعة ، تقاليد وطقوس خاصة، مرتبطة عند الفلاح الحريزي الأصيل، بوضع خبزة فوق المحراث، قبل تقاسمها بين الحاضرين. ولكن في بداية السنة الفلاحية الحالية 2017، قام عميد المحسنين المستفيدين من إحسانهم، وكأنه ضامن حياته للسنة المقبلة، بتنظيم معرض أسماه المعرض الدولي الأول للحبوب والقطاني، بداخل براكة كبيرة، زارها كل من لا علاقة له بالفلاحة.
أشياءٌ كثيرةٌ تستعصي على الفهم، نقف حيالها حائرين لا نجد لها تفسيراً أو تعليلاً منطقياً. عندما كان المعرض يتعرض لسيل من الانتقادات، بسبب تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، كتب أحد الموالين على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي، باللغة الفرنسية: " الفيسبوك يفرض علينا أفواها كلبية كبيرة". وفي سابقة لا مثيل لها، أطل السيد رئيس المجلس الإقليمي، الناطق الرسمي باسم المعرض، وبصم على تلك الجملة التي تقمع حرية التعبير بعلامة " أعجبني".
إن كل من يؤيد صرف المال العام للمصلحة الشخصية يتخفى وراء القانون، وهو يعرف بأنه قانون فاسد، يجب المطالبة بإصلاحه. القوانين الجيدة مثل شباك الصيد الواسعة التي تسمح للسمك بالتنفس والحركة. والقوانين الفاسدة مثل شباك الصيد الضيقة تخنق الأسماك وتعيقها على التحرك، يقول مونتيسكيو.
نحن عندما نمارس حرية الكتابة حبا في هذه المدينة المسباحة كرامتها، لا يعنينا أن تجد مواضيعنا قراء قلائل جداً، أو لا تجد. نحن نشق طريق القلم في خط مستقيم كالمحراث، مثل أي فلاح أصيل من شعب أولاد حريز يحب أرضه، لا ينتظر سقوط المطر، ولا يأخذ رخصة مسبقة من مقدم الدوار. يتوكل على الله، يرمي البذور الحائلة خلفه، ولا يلتفت ليعرف إن كانت ستنمو وتتكاثر أم لا.
//
الصورة : إحدى جداريات مستشفى الأمراض العقلية 1981.
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *