برشيد 2017 : أزمة رجال ( بقلم الجلالي طهير )

برشيد نيوز : بقلم الجيلالي طهير
مشكلة الذاكرة، أو مشكلتنا مع الذاكرة، هي أنها غير قابلة للتحكم. لا تسير وفق أهواء القلب ولا تمتثل لرغبات العقل حين يريد أن يحركها كيفما يشاء. الذاكرة مثل عدسة الكاميرا التي تلتقط الصور عن الأشياء، وتحتفظ بها كما هي في أصلها، فلا تقول ارحموا من في الأرض، ولا تقول تبت يدا أبي لهب.
منذ أيام قليلة، فرحت السماء وهي تستقبل نفسا راضية مرضية، حان أجلها، السيدة 2017، التي وافاها الأجل المحتوم في متم دجنبر الفارط. وفي غياب الرجال بعاصمة أولاد حريز، لم يجد سكان هذا الكوكب الصغير إنسيا يسرق الأضواء، يمكن تمييزه عن الآخرين، ليكون رجل السنة ، غير المال شيطان المدينة.
ما ميز سنة 2017، مقارنة مع غيرها، هو تضخم الجمعيات الضارة بشكل أصبح حديث الشارع. يوجد في جميع المدن جمعيات من تيارات مختلفة، تتعايش فيما بينها، وتمارس حرية الاختلاف، في احترام متبادل ووئام. يعبر التبجيليون المداحون عن رأيهم، وكذلك يفعل التوفيقيون المتسامحون، والمنتقدون البناؤون، والفضائحيون الهدامون، والإيديولوجيون العدميون، دون التحرش ببعضهم البعض. وفي عالم الجمعيات ببرشيد، خوك في الحرفة عدوك، حيث يتحول الصديق إلى عدو، والعدو إلى صديق، بين ليلة وضحاها، بشكل جماعي وتضامني، دون سابق إنذار. إن أمريكا تعاقب البنوك الغربية التي تتعامل مع إيران عن طريق تجميد أرصدتها وسحب أسهمها من الأسواق المالية، وهنا يسحب أصحاب الجمعيات " جيماتهم" وتعليقاتهم من مواقع التواصل الاجتماعي عقابا للغير على إغضاب أولياء النعمة.
الناس لا تعيش بالإحسان، الناس تعيش بالكد والعرق. لكن بعض الجمعيات تحولت إلى كائنات غريبة على نفسها، لا تميز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، تقوم بتصرفات وأحوال غير مبنية على أساس عقلي محسوب. تتحرك بقوة الدفع الغريزية التي تنجم عنها ردود أفعال سياسية عفوية، ومواقف ظرفية متناقضة غير صادرة عن رؤية وتفكير.
حين غابت الأحداث المميزة خلال سنة 2017، وبات الجمود سيد الموقف. قام الفيسبوكاس علي طربوز، وهو من المتابعين لمجريات الأمور، بقدر من الموضوعية، بجرد بعض الوقائع التي أثارث سجالات في مواقع التواصل الاجتماعي، طيلة السنة. نذكر منها الأماني التي ظلت تعلقها الساكنة على تولية عامل جديد على رأس المدينة لإنصاف الأشخاص والجهات المهمشة بدون وجه حق، واختفاء السكانير من المستشفى الإقليمي، وخروج مخلوق مشوه اسمه الفندق الكبير من بطن المحطة الطرقية، وإقامة معرض فلاحي دولي بدوار لكرارمة، وسقوط الرئيس المنتهية ولايته من أدراج سطح البيت الاستقلالي، الخ.
وفي الأشهر الأخيرة من السنة، أطفأت جريدة منبر الشاوية شمعتها العاشرة، وهذه المدة الزمنية الطويلة في حد ذاتها حدثا مهما، تعتبر قياسية بالنسبة لصحيفة ورقية صدامية، مطلوبة الرأس. الكمال لله، نتمنى أن لا يفسد اختلاف الرأي للود قضية، وأن تستمر المساندة المادية والمعنوية للصحافة الورقية والالكترونية المتجذرة، في إطار الإستقلالية وحرية التعبير المسئول.
في العدد الأول من سنتها الحادية عشرة، وهو العدد 166 المؤرخ ب 01 أكتوبر 2017 خصصت منبر الشاوية تغطية لانعقاد المؤتمر الإقليمي لحزب الاستقلال ببرشيد في شهر سبتمبر 2017، تمهيدا لاختيار مرشح الحزب للانتخابات البرلمانية الجزئية. وفي صفحة أخرى، نقرأ وصلة إشهارية لتنظيم " المعرض الدولي للحبوب والقطاني" في شهر أكتوبر 2017، من طرف نفس الاستقلاليين الذين أعلنوا عن تأسيس أم الجمعيات، من داخل المجالس المنتخبة .
تصف الجمعية العظمى المنظمة للمعرض نفسها بأنها جمعية دولية، وطنية، جهوية، إقليمية، حزبية، قبلية، لها محاسب خبير، وتضم أعضاء ينتمون لعدة أحزاب سياسية، يغطون كل قبائل الإقليم. كلام لا يصلح حتى لموضوع إنشائي، ولا يمكن إلا أن يوصف بعيون الكلام، أي السراب ، كما جاء في هذه الأبيات للشاعر أحمد فؤاد نجم:
اذا الشمس غرقت في بحر الغمام
ومدت على الدنيا موجات الظلام
ومات البصر في العيون والباصاير
وغاب الطريق في الخطوط والدواير
يا بولمفهومية
مفيش لك ذليل غير عيون الكلام؟
هل يعتبر توظيف المال العام لتشغيل جمعية يرأسها مسؤولون محليون إجراءا قانونيا؟ الجواب: يعرفونه كما يعرفون أبنائهم، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون. هؤلاء لا تهمهم أبدا سعادة وأحزان الفلاحين المهمشين في الوحل والظلام. لم يظهر لهم أي وجود أثناء أداء صلاة الاستسقاء، في الوقت الذي شاهدنا فيه حضور النائب المحترم بوشنيف يمشي في الموكب، بطريقة " دادوش يكبر ويعيش"، بدون جلبابه التقليدي.
الفلاح الحريزي المملوء بالحب وبالحاجة العفوية مات منذ زمن. نحن أبناء الأرض التيرس نعرف أنها خلت من أولئك الذين صنعوا خيراتها وسعادتها الصغيرة. الرائعون، الأسخياء عليها كالمطر، ذهبوا الواحد تلو الآخر، ولم تبق غير ظلالهم المتكسرة، وكلماتهم التي تشكل حكما خالدة. مع الأسف، النار تلد الرماد، لم يتركوا خلفهم خطا مستقيما، ونحن على منحدر. كل شيء ينحدر، كل شيء يسقط باستمرار ، سوى حبات المطر.
مادا تساوي المدينة الطيبة التي تملؤنا حتى القلب؟ إنها تباع بالتقسيط لمن ليس بها، أو منها، أو لها. وأنا أيضا بعد الستين، أحاول تسجيل ما قد رأيت، توقيع آخر أحفاد أولاد حريز على صكوك وفاتهم، وأسأل:
" في أي مقبرة يدفنون؟
ومن سوف يبكي عليهم؟
وليس لديهم بنات
وليس لديهم بنون
وليس هناك حزن
وليس هناك من يحزنون ". ( نزار قباني، " متى يعلنون وفاة العرب؟")

هناك فعلا أزمة رجال وأزمة عقول تتعاظم باستمرار بعاصمة أولاد حريز. برزت بشكل فاضح عندما فضلت الأحزاب المهيمنة على الساحة الوطنية ترشيح أصحاب بطاقات وطنية مرقمة خارج الإقليم محل الوجوه المحلية المتآكلة بفعل الزمن، للانتخابات البرلمانية الجزئية الأخيرة.
بالمطلق، لم تكن الانتخابات الجزئية 2017 انتخابات سياسية يبتغي المرشحون من ورائها تمثيل مواطنين أو أحزاب يحملون ألوانها. وإنما انتخابات اقتصادية أراد كل واحد من خلالها أن يجمع أصوات الناخبين للمتاجرة بها لأجل تحسين مركزه الاقتصادي، أو مركزه السياسي تمهيدا لتحسين مركزه الاقتصادي. لا شك أن ما حصل بعد فرز الصناديق يفتح الباب أمام قراءة جديدة للمشهد السياسي. الآن بدأ العد العكسي لصياغة تحالفات انتخابية جديدة، والمعركة القادمة التي ستحدد الجهة التي ستتمكن من رئاسة المجلس البلدي ستكون صعبة ومُعقدة، بعد أن أصبح «استسلام» الاستقلاليين ببرشيد لسلطة فؤاد قديري أمراً واقعاً.
ليس في الجنة غنم، ولست بائع غنم. ولذلك لا يهمني حزب أو لون الزعيم القادم، بقدر ما يهمني زوال الحكرة، ورفع الظلم عن المهمشين من أي جهة كانت. إن جميع الكائنات التي نحب من دون التقاط الأنفاس لا يمكن أن ينقطع بينا وبينها الحنان والحنين. ولذلك حب الأم يدوم في القلوب بعد موتها. المؤمنون الصادقون لا يعرفون كيف كانت صرختهم الأولى، ولا كيف ستكون شهقتم الأخيرة. أعرف، ويعرفون، أن حبهم لمدينتهم العزيزة، مثل حبهم لأمهاتهم، هو الذي سيدوم من البداية إلى النهاية.
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *