الديمقراطية الملتبسة أو متاهات السياسة بين القبيلة والغنيمة والقداسة، قراءة السوسيولوجية في مخرجات/ ومدخلات الانتخابات الجزئية بإقليم برشيد

الديمقراطية الملتبسة
أو
متاهات السياسة
بين القبيلة والغنيمة والقداسة.
بقلم : التهامي حبشي/ باحث في السوسيولوجيا والتواصل.
إلى روح الأستاذ الراحل الدكتور محمد جسوس...
كمواطن مغربي، وفاعل سياسي متتبع للشأن العام المحلي والوطني، أقدم لقراء موقع "برشيد نيوز" الأعزاء، هذه القراءة السوسيولوجية في مخرجات/ ومدخلات الانتخابات الجزئية بإقليم برشيد. وهي قراءة أولية، تنطلق من إبداء خمس ملاحظات/ مقدمات أساسية من أجل البسط والتحليل، للخروج بخمسة استنتاجات/ مخرجات عامة للتفسير والتأويل، في حقل سياسي شديد التعقد والتحول، لا زلنا نسائل فيه الديمقراطية، كوسيلة وكغاية، لتجاوز التخلف التاريخي المركب، وتعويضه بالتملك التاريخاني للحاضر والمستقبل، وهذا هو قدرنا وهو مصيرنا، كما كان يحلو للمفكر السوسيولوجي المناضل الراحل محمد جسوس ،أن يقول أمامنا...
1 ــ إذا انطلقنا من تحليل سيميولوجي/ سياسي للصور الفوتوغرافية الخاصة بالمرشحين، المروجة أثناء فترة الحملة الانتخابية، نلاحظ أنها كانت في أغلبها صورا لوجوه شابة بملامح تتوزع بين نمطين سوسيوثقافيين متفاضلين: نمط المظهر أو (اللوك) باللباس التقليدي(الدرعية، اللحية...)، ونمط المظهر أو (اللوك) باللباس العصري ( البدلة العصرية، ربطة العنق...)..وهو ما قد يعني أن كل مرشح سياسي، كان يريد أن يمرر بصورة (البروفيل) ما قد تكون عجزت عنه اللغة السياسية المتداولة من خطابات تتقصد وتتصيد إحداث الاستمالة و الجاذبية والتأثير...لا مراء في أن صور المترشحين كانت تروم، في نفس الآن، الضرب على سجلين، أو اللعب على حبلين: سجل أو حبل الإيحاء بالانتماء إلى قطب الحداثة والمعاصرة، وسجل أو حبل الانتماء إلى قطب التقليد والمحافظة...، وهو ما يعني تردد وتلكأ المرشحين في الإفصاح عن هوية حاسمة في الانتماء إلى هذا القطب دون ذاك، لما لذلك من مجازفة وخطر في كسب أصوات الناخبة، خاصة وأن أحزابنا السياسية المغربية هي أحزاب جماهير، أكثر منها أحزاب إطارات أو قطاعات، أو فئات سوسيومهنية محددة بالذات والصفات. هذا إذا استندنا إلى تصنيف موريس دوفرجيه في مؤلفه: الأحزاب السياسية، سنة 1959. أو هي بالأحرى، من فصيلة تلك الأحزاب التي تلاحق الكل وتراهن على الجميع، وأنها تنحو بالفعل إلى عدم الاكتراث بتأطير الجماهير، وذلك لفائدة قاعدة جماهيرية أوسع وفوز انتخابي أكثر. ــ جون كلود سانتوشي،ص.129 ــ .وهو ما يدل أيضا، على تناقض و تذبذب الهوية السياسية والمرجعية لدى المرشحين في وسط ترابي شاسع ومركب، ما فتئ يعرف تحولات سوسيو اقتصادية وثقافية ملموسة، وانتقالات مركبة من البنيات التقليدية نحو البنيات الحداثية أو العصرية، وخاصة في أوساطه الترابية الحضرية، الصغرى منها والمتوسطة، الواقعة تحت تأثيرات مدينة الدار البيضاء، الميتروبول الاقتصادي الوطني، المفتوح على عدة رهانات دولية وكونية. وهكذا، فعندما تتذبذب الهوية السوسيوثقافية، يتلكأ الموقف السياسي، وتتضبب الرؤية السياسية والإيديولوجية، وبالتالي، تصبح الحملة الانتخابية من قبيل (اللخبطة)، كما يقول إخواننا المشارقة، والهرولة يمينا ويسارا، من أجل المراهنة على الكل بالكل، فيضيع عندئذ خطاب الواقعية والبرامج والتعاقدات السياسية، و تلتبس الآليات والمنهجيات التواصلية في الدعاية الانتخابية، من أجل كسب التعاطف الشعبي المؤدي إلى التصويت بكثافة ليس إلا.

.2ــ إن العناية الفائقة ( والزائدة أحيانا عن الحد) بالصورة الشخصية للمرشحين، تفصح عن تعويض ما لم تستطع الهيئات السياسية المتنافسة صياغته على مستوى لغة الخطاب الشفاهي والمكتوب(لغة البرنامج السياسي أو على الأقل الانتخابي لخوض الحملة...). ولذلك، فلا نستغرب، إن انحدرت لغة الخطاب السياسي إلى مستوى درجة الصفر في العبارة والدلالة، من خلال استعمالها لعبارات مسكوكة وفق مقولات نمطية مقولبة للتفكير والتأثير، من قبيل: (ولد لبلاد/ ولد الشعب /الأستاذ، ولد المدينة..). و مع ذلك، يمكن القول، إن هذه العبارات، التي تريد أن تقول كل شيء، لكي تنزل بثقل حمولتها الرمزية على كل شيء، والطافية فوق سطح الخطاب السياسي..، مارست فعلها عميقا ــ إلى جانب الصور الفوتوغرافية للمرشحين ــ في مسطح البنيات الذهنية للناخبين، الواقعين تحت وخز إبر تخديرات الدعاية السياسية، المراهنة على الكرسي بالبرلمان المغربي، وتعزيز الموقع السياسي على المستوى المحلي والجهوي..
وإذا كانت صناديق الاقتراع، قد حسمت النتيجة لصالح الشاب صاحب الصورة المحافظة بالبدلة العصرية دون ربطة العنق، والتي عرفت كيف تتموقع في الوسط أو الما بين بين، ما بين صورة المعاصرة والحداثية الزائدة (البدلة العصرية الكاملة بربطة العنق)، وصورة التقليدوية السلفية الهجينة ( بدلة عصرية بربطة عنق ولحية)، فإن ما يهمنا هنا ليس هو قراءة الكم (عدد الأصوات)، بقدر ما يهمنا أن نغوص شيئا ما في سوسيولوجيا الكيف، لكي نقرأ ما وراء الأرقام المعلن عنها رسميا، في سياق عام، يتميز بتراجع نسبة المشاركة، وبالعزوف البين عن التصويت (بلغ عدد المصوتين بالإقليم في اقتراع يوم الخميس 7 دجنبر 2017 ما مجموعه 50205 ناخب، من أصل 191023 مسجل باللوائح الانتخابية، أي بنسبة مشاركة لا تتعدى 26.28 بالمائة)...وهو العزوف الملموس بالمدن والمراكز الحضرية بالإقليم ( والمثال على ذلك أن الكتلة المصوتة بعاصمة الإقليم، لم تتجاوز في أحسن الأحوال 7000 صوت، وإلى حدود منتصف الظهيرة لم تتعد نسبة التصويت 4 بالمائة). إن مشاركة سكان البوادي كانت أكثر من مشاركة سكان المدن في هذه الاستحقاقات الانتخابية بالإقليم...لقد تفوق "منطق" القبيلة والعشيرة بالبادية على "منطق" الشعبوية والجماهيرية" بالمدينة في هذه الانتخابات الجزئية ( نستعمل هنا مفهوم الشعبوية في وظيفته التصنيفية، لا بدلالته القدحية أو التقريضية، فالشعبوية ـ حسب باحث أرجنتيني ما بعد ماركسي ــ لا تعني ما هو أكثر من التعاطف مع الطبقات الشعبية، سواء أكان هذا التعاطف عبر انحياز خطابي واضح، أو اتخاذ موقف تحييدي، علني أو خفي، ضد النخب السياسية والاقتصادية التقليدية أو الكلاسيكية )*. المهم أن الفائز في هذه الانتخابات، قد حصل أكثر على أصوات الناخبة المنحدرة من الجماعات الترابية القروية بالإقليم ( جاقمة، المباركيين، الساحل أولاد حريز، رياح، الغنيميين، السوالم الطريفية، سيدي عبد الخالق...) مقابل أصوات أخرى أقل بالمناطق والمراكز الحضرية، وخاصة منها تلك المسيرة من طرف الحزب السياسي المنافس...، كمدن برشيد، والكارة، و الدروة، ومركز أولاد عبو....وهذا دليل على أن الآلة الدعائية للهيئة السياسية "الوطنية المحافظة" عرفت كيف تستفيد من خطأ في التقدير السوسيولوجي للترشيح، سقطت فيه قيادة الحزب المهيمن على الجماعات الترابية بالإقليم، كما عرفت كيف تحرك النعرة القبلية (ولد لبلاد)، والعلاقات الأفقية للمصاهرة والوساطة (أنا وابن عمي على الغريب)، وكل ذلك بعيدا عن خطاب المواطنة والنضالية، بل وحتى عن خطاب االوطنية...لقد خفت صوت "الروح الوطنية" أمام ممارسات الزبونية السياسية التقليدية، (منطق القبيلة والغنيمة)**، لكسب أصوات الناخبة القروية. أي الاستناد إلى شبكات العلاقات العائلية و"الوساطة التي تقوي العلاقات السلطوية، وفي نفس الوقت تضللها، فهي تقويها، لأنها تعمل على استمرارية تبعية الزبون للوجيه أو العين، وتضللها، لأنها تتخذ شكلا قرابيا أو قبليا أو جهويا. إن تمظهر العلاقات القبلية في علاقات زبونية لا يتنافى مع علاقات السلطة والتراتب. فعبر هذه العلاقات الزبونية، تعيد العلاقات السلطوية إنتاج نفسها". بورقية،ص.166، وهو ما يعني أن الأحزاب السياسية المغربية التقليدية، لا زالت، كما لاحظت ذلك الباحثة ريزيت في دراسة مبكرة، واقعة تحت تأثير المؤسسات الاجتماعية التقليدية، كالقبيلة والطرق والزوايا، في الممارسة السياسية وفي طريقة الاستقطاب والانتخاب" ــ ريزيت، 1955. وقد حلل كل من الباحث الأمريكي جون واتربوري، والباحث الفرنسي ريمي لوفو، بتفصيل، النسق السياسي المغربي، على ضوء نموذج العلاقات الزبونية. يقول لوفو في هذا الصدد: " عن طريق توطيد الوضع السياسي من أساسه بواسطة نظام للعلاقات الشخصية، مقامة فوق الروابط القرابية وعلى الخدمات المقدمة للآخرين، جعلت النخبة المحلية هذا النظام الزبوني يمتد إلى الأحزاب، وإلى البيروقراطية"ــ لوفو،ص.242. وبمعنى آخر، إن الأحزاب السياسية في المغرب لازالت، على مستوى الثقافة والممارسة السياسية، متقوقعة داخل شرنقة المساومة بالمحافظة والتقليد، أي (التقليدانية)، بالمفهوم الذي طرحه عبد الله العروي، منذ السبعينيات من القرن الماضي، بمعنى "التقليد كإيديولوجيا، أي كاستغلال للتقليد، لأغراض سياسية ومصلحية. وفي هذا الصدد، يرى الباحث إزنسطاط أنه : " لا يجب خلط التقليدانية مع ذلك المصان والطبيعي من تقليد معين. إن التقليدانية تعني نمطا إيديولوجيا، متجها ضد الرموز الجديدة، ليجعل بعض الأجزاء من التقليد في خدمة رموز تبرر نظاما تقليديا، ضد كل تيار أو ابتكار جديد."1973،ص.156. إن التقليد خزان لرأسمال ثقافي ورمزي مستهدف من طرف تنافس الجماعات والاستراتيجية التي تتخذها كل جماعة سياسية أو ثقافية. ووفق هذا المنظور المادي والرمزي للتقليد، يمكن القول إن الأحزاب السياسية المغربية لا زالت تلعب في استراتيجيات المساومة والتفاوض، على مستوى سجلات الخطاب والاستقطاب، بين " التحديث من داخل التقليد، أو بين "المعاصرة من داخل الأصالة"، في عملية دينامية جد مركبة، لإعادة إنتاج النخبة السياسية المحلية والجهوية. فالملاحظ اليوم أن أبناء وشباب الأعيان بضواحي المدن، يؤثرون على الناخبة القروية أكثر من الناخبة الحضرية. وهو ما يجعل من عملية تجديد النخبة السياسية، من خلال فرض/ اقتراح مرشحين شباب داخل الأحزاب المغربية، لا زالت تتم بحذر شديد، وتمر من عين أو قناة الأعيان/ أعيان ضواحي المدن...فعلى الرغم من سمات التجديد على مستوى العمر السوسيولوجي، والمظهر الثقافي، والخطاب أو التواصل الوسائطي للمرشحين، فإن الوجوه أو الفعاليات الجديدة، لا زالت منغمسة داخل قوقعة التقليد، تعيد إنتاج نفس شبكات الزبونية السياسية القديمة، على مستوى التحالفات الأفقية/ الاجتماعية والعمودية السياسية والحزبية...فإذا كانت أصوات الناخبة القروية، مثلها مثل الفلاحين، ككتابة هيروغليفية لا يمكن فهمها، كما قال إنجلز، فإن مصير الفلاح من نوعين: إما أن يصبح غنيمة بالنسبة للمدينة وللنخب الحضرية، وإما أن يصبح خديما تابعا لسلطة الدولة. وربما لهذا السبب كتب كارل ماركس في ((الرأسمال)) أن تاريخ الكون هو تاريخ المدينة، أو هو تاريخ انتصار المدن على البوادي، كما كتب في ((البيان الشيوعي)) أيضا، أن تاريخ المدينة هو تاريخ الحرية، وأن تاريخ البادية هو تاريخ التسلط. وما بين ثنايا تحليل ماركس وأنجلز، يمكننا استنباط بعض الأنماط التفسيرية، بلغة سوسيولوجيا ماكس فيبر، لفك بعض ألغاز أو شيفرات السياسة والانتخابات بالبادية المغربية، ذلك أن هناك تحولات مجالية وسياسية على مستوى القيادات القروية، فبعد أن كان أعيان البادية المغربية يقطنون، لوحدهم، بالضواحي أي ما بين المجال القروي والمجال الحضري، أصبحت اليوم هذه المواقع المجالية الاستراتيجية، مشتركة بينهم وبين البيروقراطية الإدارية، التي كانت مرتبطة ( كفئة وسيطية) بالسلطة المركزية، والتي من أجل ضمان استمراريتها ومصالحها، فإنها تجاوزت مرحلة التعايش ضد مصالح السلطة المركزية، وبعض الفئات المجتمعية المرتبطة بها، لتشكيل نوع من التحالف بينها وبين الفلاحين، أو بالأحرى الساكنة القروية، وهو ما يفرض على الدولة المغربية، اليوم وغدا، ضرورة إحداث ثورة جديدة في الفعاليات والقيادات القروية والحضرية، وفي توزيع شبكات السلط على المستويات المحلية، والجهوية، والمركزية.***. كتب عبد الله العروي، في الصفحة 27 من كتابه (من ديوان السياسة): " القول إن القبيلة هي ميزان السياسة في بلادنا يشير إلى الشكل دون المضمون. الأول يعمم، أما الثاني فلا بد له من تخصيص و تحديد.التحديد الأهم هو الأفق ومداه؟. السياسة طموح. نعم، لكن في أي نطاق؟ وأية علاقة بين هذا النطاق والجماعة التي يتطلع الانتماء إليها؟ أفق القبيلة محدود بالتعريف. وإذا عرض عارض يدعو إلى تجاوز الحد، فعندها يتم تخطي الدولة والأمة ويكون التماهي عنصر بشري متوهم، مشتت غير منتظم".
وفي الصفحة 108 من نفس الكتاب كتب أيضا يقول: " في كل مجتمع بدو وأميون، حتى بعد أن تعم المدنية وينتشر التعليم. البدو هم غير المستقرين غير المندمجين، هم القلقون المتبرمون من التطور المستمر والتغير السريع. الأميون هم المتخلفون عن الركب، الكسالى، الحالمون، الواهمون (...). البدو والأميون أكثر عندنا منهم عند غيرنا. لا غرابة أن تلازمنا الأصولية بكل معانيها. تنفع قلة وتضر الكثرة، تضيء جانبا من الحاضر وتظلم جادة المستقبل."..
.3ــ من جهة أخرى، كشفت مجريات ونتائج هذه الانتخابات، على أن شعرة معاوية لأصولية الإسلام السياسي، بدأت في الانحلال تدريجيا أمام الصدمة الكهربائية القوية الناتجة عن المشاركة السياسية ورئاسة الحكومة المغربية، وهوما يعني أيضا أن الصورة باللحية والبدلة العصرية وربطة العنق، المرفوقة بشعار الإصلاح، ذي النفحة الدعوية الإسلاموية، أي (وجوه النسخة الإسلاموية الخفيفة) ــ لم تجد في كسب تعاطف الناخبة المنتمية إلى أوساط الطبقات الدنيا والمتوسطة ــ(لا تغيب عن ذهننا صورة الزعيم رئيس الحكومة الملتحية، وهو يتبضع بفوقية سروالا تقليديا فضفاضا من أحد باعة "الفراشة" في المدينة القديمة بالرباط العاصمة). و بالجملة، يمكن القول إن مشاركة دعاة "الصحوة الإسلامية" في الحكومة المغربية، كانت بمثابة القشة التي كسرت ظهر البعير، فقد فككت العقدة واللغز، وكسرت بيضة سحر((المدنس المغلف بالمقدس)) في الحقل السياسي/ والديني المغربي المعاصر. مما يشي بأن الإسلام السياسي (الدعوي والجماعي) الذي يترجم بشكل إجمالي انشغالا بأخذ زمام السلطة أو المشاركة فيها، بدأ يتمفصل عن الإسلام السوسيولوجي الذي يعبر عن بحث تواق للمعنى...إن الاعتراف بوجود حركات دينية قوية سياسيا، لا ينبغي أن يحجب عنا تراجع الدين في قطاعات واسعة من الحياة اليومية، ذلك أن النظرة الفاحصة تكشف، بما لا يدع مجالا للشك، أن الدين أصبح ينحبس، أكثر فأكثر، داخل فضاءات محددة، تخضع أشكال تعبيرها لمنطق تنميط تديني أورثودوكسي (المصري، السعودي، الباكستاني، التركي...). ولعل الحدث الأكثر إثارة للانتباه في السنوات الأخيرة بالمغرب، هو فك الارتباط بن الزمان الاجتماعي والزمان الديني، بين الفضاء الدنيوي (المدنس) والفضاء القدسي (المقدس)، كما يرى ذلك الباحث محمد طوزي،ص.71، وبأن التدين (وليس الدين) لدى المغاربة يسير اليوم شيئا فشيئا، نحو عزل المقدس، في مختلف تعبيراته الدينية وتمظهراته السوسيوثقافية، عن الممارسات التنظيمية السياسية الدعوية، ولهذا لم تعد الحياة اليومية تضبط على إيقاع المؤذن إلا في شهر رمضان، كما أن الإقبال الكثيف على المساجد، والذي كان يفزع الصحفيين، لم يعد ملحوظا إلا في أيام الجمعة والأعياد وبعد الإفطار في شهر الصيام...مما يعني أن ثنائية المعيش تعزز المسار العنيد والحثيث للعلمانية، وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن أخذ المبادرة لتنظيم الزمكان الديني لم تعد من اختصاص المؤمنين، بل أصبحث ثمرة تراض وتسوية سياسية. كما يقول محمد طوزي. إن الممارسة السياسية في المجال العمومي، تكشف يوما عن آخر، بأن السياسة مجال المدنس أو الدنيوي، والعقيدة (الدينية) مجال المقدس أو الأخروي. وشتان ما بين اللعب التاكتيكي على الحبلين/ المجالين، في دولة ومجتمع مركبين، يدين فيهما المغاربة، أكثر فأكثر، لحقل إمارة المؤمنين. لقد خضعت جماعة الدعوة السياسية باسم الدين، إلى عملية الترويض أو التلقين (السياسي)، كمجموعة من الطقوس والتعاليم الشفوية، تؤدي إلى تحول جذري في الوضع الديني والسياسي، وحتى الاجتماعي، لأفراد الجماعة. وإذا أردنا الحديث فلسفيا، بلغة الباحث الأنثروبولوجي ميرسا إلياذ، فإن التلقين (السياسي) تطابقه طفرة وجودية للنظام الوجودي. ففي نهاية الامتحان يتمتع الفرد (السياسي) بوجود مختلف عن وجوده قبل الطقس. لقد أصبح فردا (سياسيا) آخر."، 1959،ص.12. و صفوة القول، إن التطبيع أو الإدماج السياسي للحركة الأصولية، وإدخالها إلى مربع "اللعبة الديمقراطية"، ساهم في" تليين مفاصل" الدعوة السياسية باسم الأصولية الدينية، وفي تحقيق الانتقال الاستراتيجي للشعارات والمبادئ والمواقف السياسية المتصلبة التي تضفي على نفسها طابع القداسة والطهارة والثبات والتعالي، إلى مستوى الآراء ووجهات النظر التي تتميز بالدنيوية والتحول والظرفية، فلا يمكن فهم الرأي في السياسة، إلا ضمن قواعد لعبة الشطرنج، ومن هنا ورد مفهوم "اللعبة السياسية" في القاموس السياسي الحديث والمعاصر. فالحياة السياسية المعاصرة تتميز بظهور حقل جديد ومولد للسياسة ألا وهو الرأي العام، في مقابل الرأي الخاص. و الرأي العام، كآلية من آليات التنشئة السياسية أو الترويض السياسي، يتحول إلى خزان للمشروعية السياسية، ويساهم في تخصيب وتجديد دورة النخب والتداول على السلطة، وفق نتائج أو مخرجات الاستحقاقات الانتخابية ومتطلبات أو مدخلات الظرفية الجيوسياسية الإقليمية والدولية.
.4ــ من غايات العمران الحصول على الجاه، كما يرى ابن خلدون، ولذلك " نجد صاحب الجاه أو صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من فاقد الجاه. والسبب في ذلك أن "صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يتقرب بها إليه في سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه"، ومن هذا المنظور، فالدولة تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها، فتعظم ثروتهم ويكثر غناهم، ومن جهة، فإن فائض الإنتاج ينصرف إلى الجماعة المستهلكة، صاحبة الحكم والسلطان...، وهكذا يتأسس أسلوب في العيش قائم على الحياة والمال والسلطة، ومعلوم أن آفات الإقطاع جميعا تتلخص في الولع بالمظاهر، والاستكثار من جمع المال بغير الحاجة إليه...والتوصيف الخلدوني هنا، يطابق في مقتضياته بعضا من واقع حال ومآل الحياة الاجتماعية والسياسية المغربية، ذلك أن المال "يزين الوجه، ويطيل في العمر، ويفتح الطريق في البحر"، كما يقول المغاربة، بل إن المال في سلطة الكلام، هو بمثابة الملح في الطعام ( اللي ما عندو فلوس/ كلامو مسوس)، والمال يجعل من المرشح يحظى مجتمعيا بالرضى والقبول للدخول في اللعبة الانتخابية. ــ تقول حبة غنائية شعبية متداولة على ألسن العامة والخاصة:(إلا بغيتي تنجح/ دير الخبز فطح)، بمعنى أن العملية الانتخابية، شبيهة بعملية الحرث الجماعي (التويزة) التي كان يقوم بها الفلاحون الصغار والمتوسطون، العوام والمرابطون، للأراضي المقتطعة من طرف المخزن (العزيب) لفائدة القواد و شرفاء الزوايا حتى منتصف القرن العشرين، وهي عملية كانت تتطلب من صاحب العزيب تموين الحراثين، بدون أجرة، على الأقل بالخبز (لفطح) واللبن...( لمعرفة المزيد عن عملية التويزة، يمكن الرجوع إلى دراسة بول باسكون حول حوز مراكش...). تماما تقتضي (الحراثة) أو الحملة الانتخابية القدرة على التمويل الواسع لمختلف الأطراف والفاعلين في العملية، حتى يستفيد من "الوزيعة السياسية " أكبر قدر من الناس، أي القدرة على خلق وتنشيط ما يشبه "السوق الانتخابية" بسلعها وأموالها، وبائعيها ومشتريها، ومدبريها وزبانيتها، ووسطائها وسماسرتها...، حتى يبيع ويشتري الجميع قبل أن تكسر السوق، التي تمر في لحظة شبه غفلة ( الله يجيب الغفلة ما بين البايع والشاري)، وحتى يبيع "مول المليح" ويروح بلا رجعة. كما أن المال يفتح العلاقات ويقيم الوساطات ( الفلوس يديرو الطريق في البحر)، ومعنى ذلك أن المال وسيط أساسي في تمثلات وتصورات الأفراد، لأنه يحيل الناس على وسيط من نوع آخر، هو المعبر عنه في اللغة المتداولة ب ( الحلاوة، التدويرة، السخرة، القهوة، الكادو...). تقول الباحثة الأنثروبولوجية المغربية رحمة بورقية: " فكل هذه المفردات تعبر عما يقدمه الفرد لآخر مقابل وساطة، وهي تعبر أيضا عن الطابع المجازي للغة الوساطة، هذه اللغة التي تبتكر فيها كل الكلمات لاجتناب الكلمة المعبرة عن الظاهرة ألا وهي الرشوة"ـ ، ص.166.إن فكرة المال موجودة في البشر منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، تقول الباحثة البريطانية المختصة في علم نفس النقود، كلاوديا هاموند، الأستاذة المحاضرة بفرع جامعة بوسطن الأمريكية بالعاصمة البريطانية لندن، في مؤلفها: (( العقل فوق المال/ فلسفة المال وكيف تستخدمه بصورة أفضل))، مؤكدة على أن الدراسات النفسية تبين أن الشعور بالسعادة لامتلاك المال، يحدث في المكان المخصص في المخ للشعور بالمكافأة، وهو نفس الشعور الذي ينتاب الإنسان عندما يأكل الشوكولاته مثلا. والإنسان يشعر بالاطمئنان، إذا امتلك مبلغا ماليا يغطي حاجياته لشهور عديدة. من هذا المنظور النفسي الاجتماعي، لبواطن علاقة الإنسان بالمال، يمكننا تفسير زبانية و ووسطاء السوق الانتخابية، كباحثين متلهفين عن "همزة" أو "وجبة" بلغة المغاربة، للقيام بأعمال معدودة مقابل مكافئات محدودة، لا تصل بالإنسان إلى السعادة الكاملة والاطمئنان الكلي، بقدر ما توفر له رصيدا ماليا يغطي حاجياته لفترة محددة، إلا أنه قد يضمن له الانتماء إلى شبكة زبونية للتبادل المصلحي، أي للأخذ والعطاء وللولاء (الركيزة، المعرفة، الكتاف، اليد الطويلة..) في مجتمع لا زالت تسوده قيم الزبونية والوساطة والارتشاء، على حساب علاقات الجدارة و الكفاءة والاستحقاق. إلا أنه ومع ذلك كله، يمكن القول بأن أطروحة استعمال المال للتأثير في نتائج الانتخابات تتعرض اليوم إلى الحلحلة والاهتزاز والشك والريبة. إن المال عصب السياسة، من منظور البراغماتية الأنجلوساكسونية، وهو ضروري للتعبئة و الدعاية والاستمالة والتحفيز واللوجستيك ( نقل الناخبة إلى مراكز التصويت)..إلا أن المال وحده قد لا يكون عاملا حاسما في السوق الانتخابية من خلال ترجيح الكفة أو النتيجة لصالح هذا المرشح أو ذاك...خاصة إذا تصارع طرفان من نفس العيار الثقيل..، فقد تميل الكفة إلى الطرف الأكثر سخاء..، خاصة إذا ما غضت سلطات وهيئات مراقبة الانتخابات النظر عن ما يشبه تبادل "النيران الصديقة"، تحت طائلة الحياد الإيجابي أو السلبي؟، والذي من شأنه الرفع من نسبة المشاركة في التصويت، وبالتالي المساهمة التقنية الذكية، من وجهة نظر "الهندسة الانتخابية"، في إضفاء جرعة زائدة من المشروعية على اللعبة الانتخابية برمتها. جاء في الصفحة 109 من كتاب عبد الله العروي ((من ديوان السياسة)) تحت رقم 53: دولة المخزن:" للمخزن قاعدة إنتاجية، يبحث فيها الاقتصاديون، تتداخل فيها عوامل عتيقة وأخرى مستجدة. للمخزن هيكل اجتماعي، يبحث فيه علماء الأجناس، يعتمد على هيئتين (القبيلة والزاوية)، لكل منهما أشكال متنوعة ووظائف كثيرة.".
5ــ الملاحظة الأخيرة أطرحها في شكل فرضية، بحيث يمكننا النظر إلى المشهد السياسي بإقليم برشيد، كصورة مصغرة للحقل السياسي المغربي برمته ــ مع التحفظ النسبي في طرح هذه الفرضية القابلة للنقاش الديمقراطي العمومي، على ضوء جدلية المحلي والوطني ــ ذلك أن برشيد كمدينة وسطى، وكمجال قروي/حضري، ولربما بفعل مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، والسياسية والثقافية، تختزل مختلف المكونات السوسيولوجية للمجتمع المغربي، ولربما جاز لنا أن نعتبرها بمثابة "المحرار السياسي للمغرب" ــ كما قال ذات يوم من سنة 1997 القائد السياسي المجاهد، عبد الرحمان اليوسفي بمقر الحزب المعلوم بمدينة برشيد ــ. إن ما يحدث في برشيد من حلحلة سياسية ملموسة، يمكن احتمال حدوثه على المستوى الوطني، فهل يمكننا الاستنتاج بأن الخريطة السياسية المحلية تؤشر على بروز اتجاه في "الهندسة الانتخابية/السياسية"ــ كآلية ضرورية لضبط وعقلنة وتنظيم الحقل السياسي المغربي ــ نحو الدفع بتكتل أحزاب "الوسطية والتعادلية" ــ وخاصة بعد تجديد قياداتها الوطنية والجهوية ــ إلى كسب رهان الاستحقاقات السياسية المقبلة، وتشكيل ما يمكن نعته ب "قطب الرحى" أو نقطة الارتكاز والتوازن المحورية، في لعبة الأرجوحة الديمقراطية والسياسية المغربية، أي القطب المركزي الذي تدور حول مداره تجاذبات أحزاب اليمين، المثخنة بجراحات الهوية والمال والدين، وأحزاب اليسار، المنهكة بثقل تكلس وتقلص العقيدة الإيديولوجية..، ومشاكل وحدة الصف والهيكلة والتنظيم؟. فإلى أي حد يمكن لمفهوم حزب الرأي ــ بدل مفهوم الحزب الإيديولوجي ــ أن يناسب تشكيلات "كتلة الوسطية والتعادلية" للتعبير عن تمركزها المؤسساتي والحيلولة البين ـ طبقية، إن لم تكن لأسسها السوسيولوجية فعلى الأقل لخطاباتها السياسية؟.. ألا نلاحظ أن بعض التغييرات بدأت ترتسم في استراتيجية النخب الحزبية المغربية التي أصبحت تؤول نحو تحري العلاقة المباشرة زعيم/ منتخبين/ ناخبين عبر وسائل الإعلام الجماهيرية، أكثر ما تتحرى دعم المناضلين كصلة وصل بين الحزب والمجتمع؟ ألا تؤول تلك الفوارق التقليدية المبنية على انتماءات اجتماعية ودينية مميزة، نحو فقدان أهميتها وإشعاعها كمرجعية في التصويت الانتخابي داخل المجتمع المغربي؟ــ كلود سانتوشي، ص 129. وبالتالي، هل مفهوم الحزب الإيديولوجي ــ الذي كان جد كاف لنعت أحزاب الحركة الوطنية المغربية في الستينيات من القرن الماضي ــ لا زال ملائما بما يكفي ليشمل التحولات العقائدية و السوسيولوجية لأحزاب الأغلبية الحالية، وبعض مسانديها المقربين..، في إطار "حكومة تعايش" لتحمل النتائج الاقتصادية والاجتماعية لنسخة حكومية ملتحية مزيدة ومنقحة؟؟؟. على أية حال، تلك مجرد أسئلة، في انتظار ما ستسفر عنه مجريات واقع الحال والمآل...
استنتاجات عامة:
1ــ إن اللعبة السياسية المغربية، لا زالت موزعة بين منطق القبيلة، الغنيمة، والعقيدة (أو القداسة)ــ إذا استعرنا مقولات تحليل بنيات اللاشعور السياسي و المخيال الاجتماعي العربي، ، كما طرحها المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في مؤلفه: العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته)...وإذا كان منطق العقيدة، سواء في بعدها الديني أو الإيديولوجي، قد تراجع بشكل ملموس في ساحة الممارسة السياسية الوطنيةــ لأسباب مركبة، ذاتية وموضوعية، يطول الحديث فيها ــ فإن هذا التقلص أو التراجع، قد فسح المجال لتوسع نطاق منطق القبيلة والغنيمة، أي لمنطق الجاه والأعيان (الجدد) ومنطق المال (الزائد عن الحد)، ليغرقا السوق الانتخابية بسلع مادية ورمزية هجينة ( الرأسمال المادي والرأسمال الرمزي بمفهوم بيار بورديو)، أصبحت مطروحة على الساحة السياسية للتنافس والصراع بين الفاعلين في المشهد أو الحقل الانتخابي المغربي..
"إن المال تركيبة ماهرة وغريبة وذات عمق نفسي كبير في شعور ولا شعور الناس"، كما تقول الباحثة البريطانية كلاوديا هاموند..،إلا أنه، ومن وجهة نظر رائد سوسيولوجيا التفاعل، المفكر الألماني جورج سيمل، صاحب كتاب ((فلسفة النقود))، هو ظاهرة محددة مرتبطة بالعديد من مكونات الحياة اليومية، كالتبادل والملكية، والجشع والإسراف والثقافة، والاستخفاف، وقيمة الشخصية...، فحسب تحليل سيمل، تمة علاقة وطيدة بين النقود والقيمة، ذلك أن الناس ينتجون القيمة بصنعهم للأشياء وفصلها بعيدا عنهم، ثم محاولتهم تجاوز المسافات والمعوقات والصعوبات للوصول إليها...وهكذا فكلما عظمت صعوبة الحصول على شيء، كلما عظمت قيمته...وفي عملية خلق القيمة هاته، وفر النقد الأساس لتطور السوق والاقتصاد الحديث، وصولا إلى المجتمع الرأسمالي، الذي أصبح يتميز ب (الخاصية الحسابية) للحياة، وأصبح المنطق المعاصر، الذي يناسب الاقتصاد النقدي، هو التفكير الرياضي الحسابي، والنزوع إلى التركيز على العوامل الكمية، دون النوعية منها، في العالم الاجتماعي، بحيث أن" حياة العديد من الناس امتصت بذلك التقييم، بالوزن والحساب والاختزال للقيم النوعية إلى أخرى كمية". لقد سمح الاقتصاد النقدي للبشر بتحقيق درجة من الإشباع، لم تكن متوفرة في الأنظمة الاقتصادية السابقة، وأتاح لهم التعامل مع أناس عديدين جدا في سوق متوسع باستمرار، بدل الاعتماد على إكراهات وقيود المجموعات الاجتماعية. إن الاقتصاد النقدي قلص من العلاقات البين شخصية المبنية على الثقة والتواصل المباشر بين الناس، لصالح العلاقات غير الشخصية والشكلية، فبدلا من التعامل مع أفراد بشخصياتهم، فإننا نميل إلى التعامل مع مواقع ووظائف، ووضعيات محددة فقط. ولذلك نرى أن مفاهيم أو مقولات، من قبيل: (الكلمةــ الصدق والنية ـ العهد ـ العار..) ما فتئت تنسحب من المجتمعات، الحضرية بالخصوص، تاركة المجال لمفاهيم ومقولات جديدة من قبيل: الشيك ــ الصفقة ــ الضمانة ــ الحبة ــ الهمزة ــ الوجبة ــ الفرصة ــ رابح/ رابح...
2ــ المال ضروري لتغطية الحاجة، إلا أن المجتمع الذي يصبح فيه المال غاية في ذاته ( الغاية المطلقة والنهائية) تكون فيه للنقود عدة انعكاسات سلبية على الأفراد من أهمها: الاستخفاف واللامبالاة، حيث يعم الاستخفاف، عندما تكون أعلى وأدنى جوانب الحياة الاجتماعية معروضة للبيع (فقدان القيمة)، عندما تختزل إلى قاسم مشترك هو المال، حيث يصبح بإمكاننا شراء الحقيقة والمرتبة، والمنصب والذكاء والجمال، بنفس السهولة التي نشتري بها العلكة أو مزيل العرق. هذا التخفيض لكل شيء إلى قاسم مشترك، يقود إلى بروز السلوك الاستخفافي والتبخيسي. فلكل شيء ثمنه، وكل شيء يمكن بيعه وشراؤه في السوق. من هنا يرى جورج سيميل أن الاقتصاد النقدي، فرض سلوك اللامبالاة " فكل شيء أصبح مملا ورماديا ولا يستحق الاندهاش". والشخص اللامبالي يفقد تماما المقدرة على تمييز القيمة بين الأشياء القابلة للبيع والشراء. بمعنى آخر، أن المال أصبح هو العدو المطلق للمبادئ الفاضلة والجمالية، يختزل كل شيء إلى اللامضمون، إلى ظاهرة كمية خالصة". ووفق هذا المنظور، يمكننا أيضا النظر إلى السياسة التي تحولت من قيمة اجتماعية نضالية نبيلة، ومبادئ و تصرفات ومواقف فاضلة، من "كلمة" أو "عهد ووفاء" أو "نية و تضحية " أو تفان وإخلاص ونكران ذات"، إلى "وعود زائفة" أو "صفقة" أو "سلعة" تباع وتشترى في السوق الانتخابية. لقد تم تبخيس، أو نزع القيمة عن السياسة، وذلك تحت هيمنة السوق الليبرالية المتوحشة، وغدت الشخصيات السياسية مجرد أرقام أو أصوات في أوراق وصناديق زجاجية مرئية، ومجرد وجوه محنكة (من الحنك) تظهر لتثرثر وتضحك على شاشات قنوات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعية. غاب المضمون على حساب الشكل، وتحققت الفرجة الديموسائطية، على حساب الفكرة النبيهة أو القوة الاقتراحية الملهمة..
3ــ وإذا كان المال هو السيد، كما كتب آلان مانك، المستشار الاقتصادي والسياسي الفرنسي، في كتابه: ((المال الفاسد))، من حيث أن للمال وزن كبير، وهو ضروري في المجتمع الرأسمالي، الذي يسود فيه قانون السوق، فإن النزعة المالية ما فتأت تتجاوز حدودها وتتغلغل في مختلف المراكز والدوائر المجتمعية الحيوية، بما فيها الحياة السياسية، مما أصبح يقلص من دور الدولة الوطنية، ويؤدي إلى تحييد أو استبعاد العديد من القوى الاجتماعية من الممارسة السياسية. وإذا كان سلوك الأفراد يتوزع بين السياسة (السلطة) والاقتصاد (المنفعة أو المصلحة) والأخلاق (القيم ووازع الضمير)، فإن السياسة هي المجال الرئيس للدولة، أما الاقتصاد فمجاله السوق..، وعندما يتمدد الاقتصاد، ويمتد المال ليشمل السياسة، تكون الدولة والأحزاب هي المسؤولة عن هذا الانحراف في الوظائف و القصدية. (المال السايب يعلم السرقة)، مقولة مغربية لها دلالاتها العميقة في الحث على ضرورة توخي الحكمة/ الحكامة في تدبير سوق المال ومجال السياسة. فالمال يمكنه أن يستولي على الديمقراطية من داخلها، ولهذا السبب ظهرت فكرة التمويل العمومي للأحزاب السياسية من خزينة الدولة، والرقابة العامة على موازنة الأحزاب ونفقات تمويل الحملات الانتخابية. فمن دون ذلك، سيتقاسم بضعة أثرياء الأحزاب والتنافس على مواقع السلطة ويديرون النظام السياسي لمصلحتهم. وهذا تقويض للديمقراطية التي تعني المشاركة الحرة والمتساوية لجميع المواطنين في القرار، لضمان التوازن السياسي بين مكونات الدولة/الأمة.
فإذا كان المال هو عصب الحرب، كما خط الكاتب الفرنسي روجي بيرفيت في روايته الشهيرة((الأمريكيون))، فهو عصب السياسة أيضا، باعتبارها الوجه الآخر، والأقل عنفا وصراعا، للحرب، حسب نظرية الخبير الحربي والمنظر الإستراتيجي الألماني كارل فان كلاوسفيتز. و لذلك يسعى قادة العالم المعاصر، عبر السياسة والدبلوماسية، للبحث عن النظام الصالح، الذي يجب أن يصلح ما أفسده عبدة المال، وطغاة السيطرة الاقتصادية على الحياة السياسية والاجتماعية. وللسياسة دورها الرئيس في هذا المجال، للحد من طيش المال، وخروجه عن سياقات الحال والمآل، بأن تكون السلطة السياسية قادرة على توجيه وتأطير وضبط المصالح المالية. إن الفهم الصحيح لجدلية المال والسياسة، يحتاج إلى تفسير مركب ووجيز، انطلاقا من نظرية التوازن المستمر بين الجاه والسلطة والمجتمع. ففي كل مجتمع/ أمة قوى اجتماعية متعددة، منها القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، وقوة العقيدة و قوة العرف، وقوة الرأي العام وقوة القانون، و قوة المال وقوة العمل. وكلما كانت القوى متوازنة متكافئة، كانت الحضانة الشرعية واقفة (الشرط الواقف)، وكانت المشروعية واقية، وكان الطغيان والفساد متعذر. ولعل من أفضل الأسباب البنيوية لضمان التوازن بين القوى الاجتماعية، أن تشمل الأمة طبقة (طبقات) وسطى تنظم توازن لعبة الأرجوحة، بأن تمنع الاصطدام بين الغنى الفاحش والفقر المدقع، وتفتح الباب لتقدم وصعود الطبقات السفلى، ولتجديد الطبقة الحاكمة وتحقيق التداول السياسي الديمقراطي حول السلطة بين المقتدرين عليها...والطبقات الوسطى مجالها هو المدينة وضواحيها، وعليها أن تمتد لتشمل باقي المجالات الترابية القروية أيضا، أما محركها الأساس فهو التعليم والتكوين، وعلى الدولة ألا تنسحب من هذا الورش الأساسي والحيوي، ولكن برؤية جديدة ومنهجية تشاركية مفتوحة، فنحن نعلم أن الدولة في مواجهتها للتيارات اليسارية التي ألهبت جيل ما بعد الاستقلال، قد اختطت منهجا تنشيئيا يضرب منابع المعرفة التي اعتبرتها مصدرا للتغريب والاستلاب، وذلك عبر إغلاقها لمعهد الدراسات السوسيولوجية سنة 1970، وتعديل مضامين المقررات الفلسفية، وتخطيط ما سمي بسياسة التعريب...لكنها بالمقابل أسهمت في إنجاب دعوات أصولية، لعلها ليست أقل تغريبا حتى وهي تنهل من معين الأصالة والتراث...لكن مع فارق كبير في نزوحها ( أي هذه الدعوات) نحو الاتجاه الذي يمشي قطعا إلى الخلف الجامد، الذي ينتقي من التراث الديني ما يجعل منه مطية لتكفير الدولة والمجتمع معا، ولضرب الفكر العلمي والتقدمي وحرية الانتماء والمعتقد والمرأة، وكل المبادئ الديمقراطية والحقوقية في صورها العصرية..، وصولا إلى تبرير دوامة العنف والإرهاب، مما طرح أمام السلطة عدة اختيارات أهونها مر. كما يقول الباحث محمد كلاوي، ص.157. لقد كانت مراهنة الدولة على الفرس الرابح دون القوي مراهنة على الجانب الآخر من التاريخ، أو لنقل بعبارة أخرى، أنها لأسباب سياسية ظرفية لم تدخل دورة التاريخ في الاعتبار. وإذا كان المغرب كنظام دولة/ أمة، له من الرصيد التاريخي والديني، ما جعل المد الأصولي يظل في حدود الظاهرة الاجتماعية القابلة للتأقلم والاحتواء، بل والتجاوز، فإن تحديات المستقبل المغربي تطرح أمام الدولة والمجتمع عدة مسؤوليات ورهانات، في مقدمتها رهان تنويع أشكال تنظيم المجتمع المدني، بالسعي المنهجي، التربوي والتعليمي، لدمج كل فئاته ومكوناته البنيوية في نسيج أوسع للمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

4ــ إن سلوك الاستخفاف من الأشياء والموضوعات ( في حقل الاقتصاد)، يبدو كحرية فردية، ولكنه في الحقل السياسي يبدو كسلوك مناقض للممارسة الديمقراطية، التي تقوم على ترويج الشخصيات والخطابات السياسية. إن الديمقراطية ــ من منظور لوس كيلرمان، وهو مهندس بحث بالمركز الوطني للبحث الاجتماعي بفرنسا، متابع لتحولات وأزمات الديمقراطيةــ تعاني اليوم من اللامبالاة، وتأثيرات العادة التي تجعل من الناخبة منطوية على نفسها (لم يتجاوز عدد الأصوات 7000 صوت داخل مدينة برشيد من أصل ما يزيد من 190 ألف ناخب بالإقليم). وهو ما يعني أن الالتزام الشخصي، لا يتم باسم القيم السياسية المجردة والنضالية الوطنية الملتزمة، ديمقراطية اجتماعية كانت، أم شعبية ديمقراطية، أم دعوية إصلاحية...)،بقدر ما يتم بقصد تحقيق بعض المصالح أو المآرب الشخصية المحدودة و المحددة. إن الاستحقاقات الانتخابية تكشف لنا، بما لا يدع مجالا للشك، أن تمرين المواطنة والديمقراطية ببلادنا يوجد في أزمة حقيقية، نتيجة عوامل بنيوية جد متداخلة.
فمن جهة، يكشف العزوف الانتخابي (اللامبالاة بالتصويت) على أن الديمقراطية تعاني من الشك في مصداقية وفعالية الهيئات السياسية في مواجهتها لتعقد المشاكل والقضايا المحلية والوطنية، أي أن هذه الهيئات تعاني من مدى إرادة أو استعداد المرشحين ـ في حالة فوزهم ــ للحفاظ على كلام حقيقي وواقعي مع الناخبين.. يقول الباحث سانتوشي في هذا الإطار: " إن الطبقة السياسية تعاني من فقدان الثقة، حيث يبدو أن صورة السياسة عند الرأي العام تقتصر، أكثر فأكثر، على مسألة حرفيين ومهنيين، كما أن السياسة أفضى بها الأمر إلى الظهور كمجال مخصص لبعض الرجال وبعض الشبكات، وبعض المدن المتمركزة على الساحل الأطلسي. و يبدو موقف الشباب تجاه الانتخابات متأرجحا بين الامتناع الذي هو أحد أشكال الاحتراس أو العصيان المفتوح، أو المشاركة التي تكرس الخضوع لقواعد لعبة مفروضة من فوق، في نفس الوقت الذي تدل فيه على مطلب السلم الاجتماعي والإدماج السياسي المتنامي".ص.57. لا مراء في القول إن هناك وعي متنام بأن الخطاب السياسي الراهن يعمل و يشتغل على تمرير وتمديد الكذب، في حين أن الديمقراطية في جوهرها يجب أن تكون فاضلة. يحدث هذا في جو من القلق العام، الذي يغذيه العجز الاجتماعي المشهود به من طرف الخبراء الدوليين، والذي تعمق في ظرف عقد واحد من الزمن، بفعل البطالة المستفحلة، والتدهور المستمر للأنظمة العمومية للتعليم والصحة والشغل والخدمات الاجتماعية.. ، وهذه هي المعضلة السوسيو سياسية الأساسية في "الديمقراطية المغربية". إن الحياة السياسية تشهد نوعا من الانحراف الملموس المعاش، لا كتطور للحرية الفردية، بل كنوع من اللايقين السياسي، أي كنوع من الشك (هل هو شك عدمي أزلي أم شك منهجي مرحلي؟) في الهيئات الحزبية والأوساط السياسية، بأسرارها ووجوهها الغامضة في دواليب السلط والممارسات غير المراقبة. إن المواطن المغربي اليوم، وهو لا يبالي أو يستخف بالانتخابات، يحاول أن يفهم التحولات الحربائية والتصرفات الانتهازية للكائنات الانتخابية، وعدم قدرة الأحزاب على توفير ما يكفي من الحركية الداخلية، ومن تجديد الأجيال داخلها، بحيث أن جلها، وبحكم نمط الاقتراع، تسعى قبل كل شيء إلى أن تكون أحزاب منتخبين ( بفتح الخاء) أو طامعين في الترشيح. ولذلك، "فإن التفاقم الجلي لظاهرة الامتناع عن التصويت، وكذا الأصوات الملغاة التي تكشف عنها المعطيات الرقمية للاستحقاقات الوطنية الأخيرة، إنما ترجع إلى أزمة السياسة، وأزمة الأحزاب المرتبطة بها، أكثر ما تعود إلى غياب تسييس مزعوم للمجتمع" ـ سانتوشي،ص..ص125و124. ولحد الآن، فإن المستهدفين من هذا التقريع والاستخفاف، هم أفراد الطبقة السياسية، والناس الذين يعملون السياسة، وليس النظام في حد ذاته، الذي ما فتئ يبعث بالرسالات والتوجيهات البليغة إلى كل النخب والفعاليات المجتمعية من أجل التساند والتعاون والسير على خطى المنهجية التشاركية في التشريع والعمل التنموي، بل وما فتئ ويقوم ب"الزلازل" الإدارية والسياسية، مرة تلو الأخرى، تفعيلا لمبادئ دستورية سامية، كالمراقبة والتقويم، والمسؤولية مع المحاسبة...كتب المفكر المؤرخ عبد الله العروي في كتابه (من ديوان السياسة) تحت رقم 43 ما يلي: الصحة والفساد. حكم الواحد إما صحيح باستيفاء الشروط، وإما فاسد بسقوطه. إما ملك فاضل، وإما طاغية ظالم. الملك الفاضل يروم الخير ويحكم بالعدل، زاده حب ورضى المحكومين، فهو الحاكم الفيلسوف، كما توخاه أفلاطون(...) إذا انتفت الفضيلة انقلب الملك إلى طغيان، العدل إلى جور، المهابة إلى رهبة، والانقياد إلى خنوع. الفضيلة هي مجموع الصفات الحميدة، في مقدمتها العلم والحلم والعقل، مجسدة في شخص واحد، إذ صلح صلح الكل، وإذا فسد فسد الكل.".

5ــ إن الديمقراطية تعاني أيضا من عملية الذوبان السريع للنخب السياسية، ذلك أن الفاعلين الأساسيين فيها، سرعان ما يصبحون هم الاحترافيون والمنظمون والمدبرون/ المسيرون للحقل السياسي، من خلال مراكمتهم للرساميل الاجتماعية والسياسية، ومراكمتهم لخبرات ومهارات" الحس المشترك" في فن التواصل السياسي(التقليدي والبين شخصي في أغلبه)، ومن خلال اكتسابهم للقدرة على تدبير الصفقات الانتخابية، ومعرفتهم من "أين تؤكل الكتف" كما يقال، لاختطاف الربح، باستعمال الوسائل المشروعة، وغير المشروعة، للاستقطاب والتأثير والاستمالة..، كل ذلك أمام الضعف الهوياتي والسمة الانتهازية للفاعلين السياسيين، من جهة، وأمام انكفاء أو انسحاب المثقفين والمفكرين، الذين لا يساهمون، بشكل واضح وفعلي، في النقاش العمومي، لتصحيح وتقويم مسارات أو منعرجات الديمقراطية. وهذه نكسة أخرى تعاني منها الديمقراطية. مثلما تعاني أيضا، من السلطة المفرطة لبعض المهندسين التكنوقراطيين، من زعماء الرأي والسياسيين والإعلاميين، من أصحاب بادي الرأي، الذين يتوفرون على شبكات غامضة للتأثير الاجتماعي والتخدير الإعلامي. و على العموم، فهناك عدة مؤشرات تدل على أن الحقل الإعلامي والحقل الثقافي، هما في كل الأحوال، حقلان ملتبسان، مثلهما مثل المشهد السياسي والمجال العمومي، ولا يمدان العون، بما فيه الكفاية والعناية، للديمقراطية الكسيحة. إن النقاش الفكري والمذهبي للحزب بمعناه المذهبي والسياسي، ما فتئ يخفت، تاركا المجال لنقاشات مبتورة، لفائدة نضالية غير ثابتة وأنشطة حزبية مقننة، تخصص أساسا لتدبير النزاعات الداخلية، وبصفة خاصة تلك التي من شأنها المس بسلطة المؤسسة الحزبية، أو بالأحرى بشرعية الزعماء أو القادة الذين تصر السلطة على الاحتفاظ بهم كمحاورين.. يقول الباحث سانتوشي في هذا الإطار: " إن تجذر نظام الانتخابات، مع محدوديته المعلومة، كنمط محتمل لتجديد الهيئة السياسية المحلية والوطنية، ساهم بدوره في إفراغ الأحزاب السياسية وصلاحياتها الطبيعية من محتواها، وذلك بتحويلها، على غرار نظيراتها في الديمقراطية المتقدمة، إلى حلبة سباق نحو الترشيح، أو إلى أندية أنصار المقبلين من محترفي السياسة، الراغبين في الانتداب أو في حقيبة وزارية".ص.127..

إن التمرين الديمقراطي المعاصر، تمرين مشوه، لأنه واقع تحت تأثيرات وتخديرات التمثيل الوسائطي والشبكات العنكبوتية للتواصل الاجتماعي الموجودة اليوم في كل زمكان، مما ينسي الناس، في الكثير من الأحيان، التساؤل عن الأسس الحقيقية للإرادة الشعبية، وعن الآصرة السياسية التي ينبغي لها أن تربط الناخبين بالمنتخبين. إن القادة السياسيين يوجدون تحت تبعية شبه كلية، أو شبه أسطورية للصورة الميدياتيكية، وبعبارة الباحث روس كيلرمان: إنه "فن الفاعل/ الممثل (بالمعنى المسرحي للكلمة) الذي يوجد فوق خشبة المسرح السياسي"، من خلال البلاطو التلفزي، أو الموقع الإلكتروني أو العمود/ المقال الإشهاري ..لقد أصبح فن الإغواء، إلى جانب الإغراء، هو القاعدة، وأصبح رجل السياسة، مثله في ذلك، مثل نجوم الشاشة الصغيرة من حقول الفن والرياضة والطبخ والموضة..، مفروضا عليه أن يكون قادرا على إتقان المؤهلات الوسائطية من حركات، وكلمات، ضحكات وردود أفعال خفيفة على المقاس، في حين أن المحكومين ما هم إلا متفرجون منفعلون لا متفاعلون.. وكل هذا لا يكون سببا دافعا بالمواطنين إلى الالتزام والانخراط في السياسة، أو إلى المشاركة الفاعلة في بناء وتجديد العقد السياسي، وفي تخصيب الثقافة السياسية وتفعيل الممارسة التشريعية. إن تمرين الديمقراطية يوجد على المحك المعاصر، فالتخدير الوسائطي (الممارس عبر قنوات ووسائل الاتصال الجماهيرية) للمشهد السياسي، يقتل حيوية وحرارة الحياة السياسية، ويحول الذوات السياسية من ذوات فاعلة بالإرادة والقوة، إلى ذوات افتراضية ليس إلا. وبالتالي، فإن الديمقراطية لا يمكنها أن تصان وتتطور، إلا إذا ما تجنبت التعرض الزائد أو العرض الوسائطي المفرط، الذي يؤدي إلى تمييعها، بل وإلى تفكيكها ونسفها بالكامل.(هناك مقولة إعلامية شهيرة تقول: إن المزيد من الأخبار يؤدي إلى اللا أخبار.). يقول عبد الله العروي عن النخبة السياسية، تحت رقم 68 من مؤلفه المشار إليه:"...ترتفع الأمية لا بإتقان الكتابة والقراءة ولا بحفظ مقولات الكون والإنسان الماضي، بل عندما يستقل المرء بذاته ويرى فيها المادة التي يشيد بها الكيان السياسي.(...) نتشكى باستمرار من ضعف الصحافة عندنا، من شح التأليف واتباعيته، من سخافة برامج الإذاعة والتلفزة، من سذاجة الزعماء السياسيين، من عجز الأحزاب والنقابات، وحتى الجمعيات. تظهر للعيان هذه العيوب خاصة أثناء الحملات الانتخابية. فنخجل مما نسمع ونرى، سيما إذا تزامنت الحملة عندنا بأخرى خارج حدودنا وتفرض علينا المقارنة. ص.147. وفي الصفحتين المواليتين 148ـ149، يقدم هذا المؤرخ/المفكر، بشكل موجز ومكثف، ما يخصب الأمل من أجل "تجديد صحيح" يصب في منفعة الواحد و النخبة و الجمهور، نقتطف منه ما يلي: اعتماد الديمقراطية المحلية كخيار لا مفر منه لتفادي التمزق والفوضى..، فكلما تأخر تطبيق هذا المبدأ تضاعف خطر التفكك. التعرض للمنافسة الدولية في إطار عولمة الاقتصاد..، فمن لا ينافس غيره يحكم على نفسه بالذبول و الاضمحلال.(...) تطوير الأحزاب السياسية مما يتضح لأعضائها أنها لا تزال مسلوبة الإرادة، مسيرة دون وعيها، خاضعة لمنطق المبايعة، رديفة لنفوذ البطانة، ما لم تتعال على مستوى الزاوية أو العشيرة أو النادي أو النقابة. تنشيط ما يسمى بالمجتمع المدني، إما بمبادرة ذاتية أو بإيعاز من الخارج. وفي آخر تحليل، الأمل معقود، عبر هذه القنوات المختلفة، على فاعلية منطق المنفعة. لا نعني بالكلمة الصالح العام، الذي لا يتمثل أبدا لذهن الإنسان الأمي. نقصد بالضبط ما يفهمه هذا الأخير من اللفظ، أي النفع الآني العيني..".

الإحالات والمراجع:
*إرنيستو لاكلاو في مؤلفه (عن المنطق الشعبوي)، سنة 2005، أورده إيثيكييل آدموفسكي، في مقالة له بعنوان " عن معاني "الشعبوية" واستخداماتها، ، موقع الجمهورية/ بث تجريبي، تشرين الثاني 2016.
** استندنا في بناء هذه الفرضية على الملاحظة الميدانية وعلى دراسة الباحث السوسيولوجي الفرنسي بيير غريميون الذي اهتم بدراسة تحولات أعيان المجتمع الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية،
Pierre Grémion, Le Pouvoir périphérique :Bureaucrates et Notables dans le système politique français ,Ed.Seuil,Paris,1976:
Roger Peyrefitte, Les américains (roman),Ed.Flammarion,1968
Alain Minc, L’argent Fou,Ed.Grasset,1990
http://www.sociosite.net/images/sociologists/Simmel.gif
محمد جسوس، رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب، إعداد وتقديم: إدريس بنسعيد، منشورات وزارة الثقافة، مطبعة دار المناهل، الطبعة الأولى، الرباط،2003 ،
محمد جسوس، طروحات حول المسألة الاجتماعية، منشورات الأحداث المغربية، كتاب الشهر (6)مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2003
محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي...، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، بيروت، 2000
حسب الجابري، هناك ثلاثة مفاهيم/مفاتيح لفهم وتحليل بنيات ومحددات العقل السياسي العربي وهي: القبيلة، بكل ما تعنيه من قرابات ذات الشحنة العصبية القرابية منها والترابية والطائفية، حيث يتعين الانتماء بالأنا والآخر في ميدان الحكم والسياسة ص.48) وشعارها : أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.ص79. ثم الغنيمة: بكل ما تعنيه من أدوار ووساطات ترتكز على العامل الاقتصادي والمالي في مجتمع قائم على اقتصاد الريع،ص.49. أما العقيدة، فهي جملة من الرموز المخيالية التي تؤسس الاعتقاد والإيمان وتكون قادرة على تأطير وتحريك الأفراد والجماعات، سواء كانت على شكل دين موحى به، أو على صورة إيديولوجيا يشيد العقل صرحها.ص.50
عبد الله العروي، من ديوان السياسة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2009
رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع، دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب، دار الطليعة، الطبعة الأولى، 1991
عبد الرحمن ابن خلدون، كتاب المقدمة، الجزء الرابع، الفصل الخامس في أن الجاه مفيد للمال.
جورج زيميل، فلسفة النقد، ملتقى ابن خلدون لعلم الاجتماع، على النت.
لوس كيليرمان، الديمقراطية الملتبسة، مقالة منشورة ضمن مؤلف جماعي تحت إشراف الباحث الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر جورج بالاندييه بعنوان: " المتاهة: من أجل الإنهاء مع القرن العشرين"، منشورات فايار، فرنسا، 1995، ترجمة: التهامي حبشي، منشورة بموقع برشيد نيوز، في 2014.
محمد طوزي، الدين والسياسة: بعض الاعتبارات العامة، ترجمة: حسن العمراني، مجلة نوافذ، العدد الخامس، أكتوبر 1999،ص.ص.64ــ74.
محمد كلاوي، المجتمع والسلطة، دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999
جون كلود سانتوشي، الأحزاب السياسية المغربية تحت المجهر: تعددية تحت المراقبة، ترجمة: محمد حمادي، دفاتر وجهة نظر(3)، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط،2003.
Maurice Duverger, Les Partis Politiques, PUF, Paris,1951
Waterbury J, commander of the faithful :the moroccan political elites, a study of segmented politics, Weindenfeld and Nicolson,London,1970.
Bourdieu P, Le sens Pratique, Minuit,Paris,1980
Bourdieu P, ce que parler veut dire, Fayard, paris, 1982.
Eisentad S.N, Tradition, Change and modernoty, New York, 1973.
Eliade Le sacré et le profane, Gallimard, Idées, 1965.
Laroui A, La crise des intellectuels arabes, ,Maspéro, Paris, 1974.
Leveau R, Le fellah marocain défenseur du trone,PFNSP,1976
Rezette R, Les partis politiques marocains, Paris,1955.
.

TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *