بقلم الجيلالي طهير : عبد الله القادري ، اختفاء واحتفاء.

عبد الله القادري ، اختفاء واحتفاء.
برشيد نيوز : بقلم الجيلالي طهير
قد يكون هو رجل السنة 2017 ، وقد لا يكون عند البعض على الإطلاق. هو موجود وحاضر بلا شك في أحاديث الصالونات وكواليس النخبة الضيقة، وغير مرئي ولا منظور، لن تجد له أثرا البثة في كلام الناس بمدينة برشيد التي تشتغل بالمحادثة والإملاء.
يتأمل أيتام برشيد، وحراسها، الشاهدون على عزها الضائع، وزمنها المفقود، في السيرة الذاتية لبعض رؤساء الجماعات المنتخبين فيتخيلونهم كأبطال القصة القصيرة التي لا تتطلب غير بضع ساعات لقراءة وريقاتها القليلية. لكن السيد عبد الله القاري، الرئيس السابق للمدينة التي كان اسمها برشيد، يمثل حالة خاصة. يمكن اعتباره كبطل رواية، من أربعة فصول، تؤرخ لأربعين سنة من الحياة السياسية والاجتماعية لمدينة برشيد، يختلط فيها ما هو موضوعي بما هو ذاتي، إذ يجد فيها كل برشيدي نفسه، بحسب للموقع الذي يينتمي إليه.
لو تخيلنا هيكلة الرواية، لوجدنا في فصلها الأول تلك البدايات التي تزخر بنشوة الانتصارات الشخصية للسيد القادري في مقابل انكسارات معارضيه. ولتوقفنا في الفصل الثاني عند كيفية وأسباب تعثر مسيرة الرجل في مقابل زهو الانتقام من أتباعه وأقربائه على يد معارضيه. سيكون الفصل الثالث مناسبا للتطرق إلى المتغيرات المجتمعية المؤدية الى ترك السيد القادري صحبة معارضيه الساحة لغير رجعه ، حتى أصبح هو الزعيم بدون حزب، وهم أصحاب حزب بدون زعيم.
في الفصل الرابع من الرواية، سيطلق اسم عبد الله القادري على أحد أهم شوارع مدينة برشيد، المؤدية إلى ضريح جده سيدي الجيلالي العميري، وسيتحقق ما يشبه الثوريث السياسي لأهل البيت العريق ، من قلب حزب الاستقلال الذي سبق وأن حرمه رئاسة المجلس البلدي سنة 2002.
في الفن الروائي يشتغل المبدعون في الصنعة الروائية على تقنية "كتابة الصمت" التي يقابلها تقنية " المسكوت عنه " في الصناعة السياسية ( رولان بارت. الكتابة عند درجة الصفر) . وكلاهما يعبر عن اللامنطوق واللامتخيل، العجائبي واللامرئي الذي يخلق نوعا من الغموض والمتاهة، ويدفع إلى طرح مجموعة من التساؤلات والتأويلات.
يتطلب الأمر، في الرواية كما في السياسة، وجود قارئ نموذجي لملأ الفراغ . وقد برز اسم المرحوم الحاج آمحمد بوستة، الأمين السابق لحزب الاستقلال، كقارئ متميز اقترن اسمه بمصطلح " مخدومة" الذي دخل القاموس السياسي المغربي.
ساهم السيد عبد الله القادري في كبح جمام حزب الاتحاد الاشتراكي، كحزب attrape tout ، يضم مختلف التيارات الفكرية المعارضة، من البعثيين العروبيين إلى الشيوعيين الفرنكفونيين. وبعد نجاحه في المهمة، ستتعرض مسيرته للعرقلة بينما سيتم الدفع بعجلات الاتحاد الاشتراكي إلى الأمام، في إطار ما سمي ب " التناوب التوافقي في انتظار التناوب الديموقراطي". بعد اختفاء الحزبين معا ستطفو على الساحة عناصر هامشية، كانت تلهث خلف هذا وذاك، تم تجميعها والنفخ فيها بواسطة نظام الاقتراع النسبي باللائحة، لتملأ الفراغ الذي تركه وداع النخب المرتبطة بعهد الوزير ادريس البصري.
ابتداء من سنة 2008، سيظهر حزب جديد على الساحة الوطنية يحمل اسم " حزب الأصالة والمعاصرة" يضم فعاليات وخمس أحزاب صغيرة، من بينها الحزب الوطني الديموقراطي للسيد القادري. هذا الأخير، سيتراجع في السنة نفسها عن قرار الإدماج، ويؤسس حزبا جديدا سنة 2009، تحت اسم الحزب الديموقراطي الوطني. وفي انتخابات يونيو الجماعية من نفس السنة، سيطعم عبد الله القادري لائحته الحاملة لرمز التفاحة بأحد أبناء عمومته، وهو فؤاد قديري، ابن أخت الأستاذ ادريس الخلفي، شخصية مرحة، مثقف ذكي، وخطيب مفوه. وفي الانتخابات التشريعية نونبر 2011، سيعلن عبد الله القادري عن عزوفه عن الترشح لخوض المعركة الانتخابية ، مفسحا المجال لقريبه طارق قديري، شقيق فؤاد قديري.
وفي سنة 2015، سيظهر اسم فؤاد قديري على لائحة وكيل مرشحي حزب الاستقلال للانتخابات الجماعية. ومن ثمة سيصعد لمجلس المستشارين، كما سيتم انتخابه بأصوات مريحة عضوا في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال مع فريق اليزيد البركة، الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال. وقبل متم سنة 2017، سيزكي فؤاد قديري شقيقه طارق قديري للترشح للانتخابات التشريعية الجزئية بمقعد شاغر بدائرة برشيد، مبددا أوهام بعض أعيان جماعة سيدي المكي الذين ينظرون إلى التزكيات الحزبية على أنها عقود استئجار الحكر لإنشاء الحق، صالحة لمدة 99 سنة. (Emphytéose)
بوصول طارق قديري إلى البرلمان سيصل عدد أفراد آل القادري الذين يحملون صفة برلماني أربعة أفراد، وهم: عبد الله القادري، فضيلة قديري، فؤاد قديري، طارق قديري. تقول الحكاية القديمة أن رجلا من القادريين، قوي البنية، زاهدا في الدنيا، ذهب الى الديار المقدسة، ولما وصل ميناء طنجة، سمع شخصين من أثرياء أولاد حريز يتفاجآن بوجوده بينهما، يقول الأول للثاني: " ماذا يفعل هذا المزلوط بينا؟". ارتمى عليه القادري، ورفعه إلى السماء حتى ضرب به الأرض. وعند العودة من الحج، ساح في الأرض يطلب العلم في زاوية ماء العينين بشنقيط ، كي يرتقي بالزهد إلى التصوف، قبل أن يعود إلى أولاد حريز، ويفتح بها الزاوية القادرية بالقيسارية.
فاز طارق قديري دون كبير عناء أمام مرشح سهل الإبتلاع، يحمل ألوان حزب الأصالة والمعاصرة، المتحكم في زمام مدينة برشيد الآهلة بالسكان. وهنا لابد من اختيار الواحد من ثلاثة : وإما السبب هو تراجع شعبية حزب الأصالة والمعاصرة ؛ وإما أن اختيار المرشح كان غير مدروس وأحدث ردة فعل عكسية؛ وإما هي أشياء مسكوت عنها يؤولها كل فرد بحسب معرفته الشخصية.
كتبت الفيسبوكاس علية خليف، على صفحة الأستاذ زهير زروال الحاج الحريزي، وبكل وضوح: " أما نجاح حزب الاستقلال فأعتبره نجاحا ممنوحا تدخلت فيه مجموعة من العوامل والمحفزات . وأول من سوق لنجاحه بقوة الريح حزب لبام، من خلال ترشيحه لغريب في نطاق مكاني محرز له من اسم قبيلة أولاد حريز نصيب. الفكر فيه والنزعة القبلية بامتياز. ثم القرار الساخن للأعيان بالإنسحاب والذي أدى الى تحالف الاضضاد، وتكتل المجتمع المدني كمناعة ضدا عن التدليس. فتوافقت الجموع حول طارق القاديري الذي أستطيع أن أقول له أن الذين أرادوا به السوء هم من أهدوه النجاح ".
يمكن الإضافة إلى أنه في نفس السنة 2017، دعا رئيس المجلس البلدي، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة ، إلى عقد جلسة اسثنتائية ، تم خلالها التصويت بالإجماع على إطلاق اسم عبد الله القادري على شارع مراكش المؤدي إلى ضريح سيدي الجيلالي العميري. فورا، ودون تأخير، أصبح مقرر المجلس ساري المفعول بعد تهيئة الشارع وتزيينه، وتنظيم حفل تدشين رسمي، في أجواء توحي بأن المجلس البلدي ما عاد سيد نفسه، بل جهات تتحكم فيه عن بعد بواسطة الأزرار . يزكي هذا الإحتمال تجاهل المجلس البلدي، بكل مكوناته، لمطالب ناخبيه بإطلاق أسماء رموز محلية دينية، وثقافية، ورياضية على بعض الأزقة، كي تساعد المدينة على استرجاع هويتها المسلوبة.
الأيام تمر بسرعة، والمتتبع لمداخلات النائب فؤاد قديري المنقولة على شاشة التلفزة، سيكون غبيا إذا لم يلاحظ بأنه يمثل مشروع وزير في أي حكومة مستقبيلية يدخلها حزب الاستقلال. برشيد تحب أن يخرج منها وزيرا يتكلم باسمها، وليس أشخاص يحسون أنهم كبار عندما يدعون الوزير لزيارتهم بالمعرض أو الدوار. ولو حصل، ستتغير معطيات كثيرة إن على صعيد التقلبات في المزاج الشعبي، أو على صعيد التحالفات في تشكيل أي أغلبية للظفر برئاسة المجلس البلدي.
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *