GuidePedia


المناضل محمد ريضة، وفي الإطار والده المقاوم ريضة الوعدودي

بقلم: الجيلاني طهير
السياسة مستويات من الدولي إلى المحلي، والسياسيون طبقات مختلفة، من أصحاب الكوخ إلى رواد الخمسة نجوم.  اسأل نفسك وضعها في  أي خانة شئت، ثم اسأل الناس، ودعهم يتحدثون براحتهم، إذا لم يكن في بطنك عجين. فإن في بعض الديمقراطيين شيء يشبه الموت الصناعي عند الصوفية. وهو ارتقاء الروح وتحمل الناس، تضحية من أجل الوصول إلى الله.
إن أنواع الموت الصناعي عند الصوفية أربع: موت أبيض وموت أسود وموت أحمر وموت أخضر. فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود احتمال أذى الناس، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرقاع. ومحمد ريضة بن الحاج  الوعدودي يجمع كافة هده الألوان. يرفع مشاعره وأحاسيسه إلى مرتبة المبادئ،  ويختزل الألوان في لون واحد، صنع منه طاقية وضعها على رأسه: اللون الحجري.
يتجلى الموت الأبيض عند محمد ريضة في إهماله المظهر الخارجي وعدم  الاهتمام بنيل الإعجاب والمجد. فمعروف عنه التقشف والزهد وضبط الحواس. وتلك الآلام فرضها على نفسه، منذ لحظات البيع والشراء في سطوح الحي الحسني. الموت الأسود، أي التسامح وتحمل أدى الناس الدين يحتقرونه بسبب مستواه التعليمي، يبلغ  لديه حد التضحية. هم لا يعلمون أن مستواه الشهادة الابتدائية لسنة 1960/ 61، والدراسة عند الأستاذ الفلسطيني لعطاونة عاطا والفرنسي إيدول، يعادل مستوى الباكلوريا 2014. إنه  لا يتحمل أدى الناس مدفوعا بمصالح شخصية، كالقبول بالذل وقلة النفس لأجل تكديس الثروة، ولكنها تربية من الوالدين في الصغر. كان الإخوة  الأطفال أولاد الوعدودي  يعيشون في إطار ضيق، لا يخرجون للشارع من أجل اللعب في الشارع  إلا  نادرا. وعندما يفعلون، كانوا يسقطون خلال الجري  في الطريق، بسبب قلة الاختلاط مع الأطفال.
 الموت الأحمر، الذي هو مخالفة النفس، يتجلى عند محمد ريضة في اعتناقه الفكرة الاشتراكية المجردة بصورة مثالية وحبا بالعدالة الاجتماعية.  ففي يومنا هذا، من المناسب أن تقودك الأهواء لتصبح سلفيا أو من أحزاب الأغلبية الحاكمة. كذلك هم أصحاب المؤسسات والبورجوازيون الدين يتحالفون مع بعضهم البعض لتضخيم الثروة.  لكن محمد ريضة، الرجل المتدين، المالكي المذهب، الأشعري العقيدة،  لا يتبع لأي طريقة أو زاوية دينية  بداخل مجتمع التعدد الديني.  إنه نموذج المناضل البسيط  الزاهد  في الدنيا، يتبع لحزب سياسي يؤمن به ، فيضفي إليه فضائل مقدسة. وهذا الحزب هو  الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي يخضع وينقاد عن حسن نية، إلى حد السذاجة.
إن الرؤساء في تاريخ المجالس المنتخبة ببرشيد  ينتمون إلى أربع فئات:
 هناك رؤساء يرمون إلى تحقيق أهداف مثالية، ويتقيدون ببعض قواعد السلوك، وكذلك تميز  الرئيس محمد طربوز في ولايته الأولى، فنال شبه إجماع  الكتلة الناخبة.
 ويوجد نوعان من الرؤساء ممن يرغبون في تحقيق مصالحهم ومصالح زبنائهم، وهم نوعان :
1. رؤساء يكتفون بالسلطة الشرفية ويتركون لأتباعهم المنافع المادية.  نزاهة هؤلاء تخفي الكثير من الفساد وعمليات النهب المتنوعة. وتلك تجربة الرئيس عبد الله القادري مع مفوضيه حين إتباعه سياسة الكرسي الفارغ بالمجلس البلدي.
2. رؤساء يبحثون لأنفسهم ولحلفائهم عن المنافع المادية، وخصوصا المال، وهي  التجربة الحالية  لمن يعتبرون أنفسهم مقاولين ورجال أعمال، على عهد الاستثمار في  التعليم الخصوصي، والمضاربة العقارية، وجمع التبرعات لبناء المساجد فوق الملك العمومي.
وأخيرا، رؤساء يبحثون لأنفسهم عن المنافع المادية ويغلقون الأبواب في وجه الغير،  حتى لا تظهر زعامة جديدة من داخل البيت، و يركب الفرس فارس آخر، مثل تجربة الرئيس محمد طربوز خلال ولايته الأخيرة.
إن المال لا حزب له. فعندما يظهر رئيس يرغب في تحقيق مصالح مادية لشخصه ولزبنائه، فتلقائيا يتحلق حوله  سماسرة  ومرشحون رحل، يأتون من  كافة الأحزاب، و هم دائما على استعداد للقبول  بالترشح باسم الحزب الوطني الديمقراطي، أو حزب التجمع الوطني للأحرار، أو حزب الاستقلال، أو الحركة الشعبية الوطنية، وفق خطهم للوصول إلى السلطة وكسب المال. وعلى النقيض من ذلك، عندما يعلن مرشح الرئاسة انتماءه لحزب سياسي يدعي تحقيق أهداف مثالية، لا بد وأن يتجمع حوله شرفاء ومتعصبون، يتم استغلال سذاجتهم لمنح الحزب بعض مظاهر النزاهة والشرف.
التمييز بين المناضل الشريف والمناضل المتعصب أمر مهم على المستوى الأخلاقي.  النوع الأخير مثير للشفقة، لضيق صدره، وعدم قدرته على تحمل النقد. أحدهم شتمني  ذات مرة على أحد المواقع الالكترونية، مستخفيا تحت اسم مستعار، لمجرد أني رددت مقولة الأستاذ بنسالم حميش بأن الاتحاد الاشتراكي لم يعد يحمل من الاشتراكية إلا الاسم.  ربما لا يعلم بأن التقرير الإيديولوجي لعمرو بن جلون المتشبع بالفكر الماركسي، والمستوحاة منه التسمية، أصبح في خبر كان،  وحلت محله “الديمقراطية الاجتماعية”  لبرنشتاين،  المنادي بالعودة إلى كانط، والمنتقدلحتميّة اضمحلال المجتمع الرأسمالي. الأستاذ عبد الكبير عزوز، مثقف متفتح بكل المقاييس، من القلائل الدين يعرفون ذلك، وقد سبق له كتابة مقالة في هذا الاتجاه بجريدة ” الأحداث المغربية”.
أحد مشاهير علماء الاجتماع السياسي، وهو الايطالي باريتو، يقول أن الكثير من الاشتراكيين المتعصبين هم على هذا الشكل بسبب الحسد والحقد، وعجزهم على امتلاك الثروة التي يحلمون بها.  إنهم حسب رأيه، يشبهون النساء المدافعات عن حقوق المرأة، ممن يكرهن الرجال، وهن في الحقيقة يعبرن عن الإخفاق في الحصول على رجل للزواج.
محمد ريضة الوعدودي من صنف الشرفاء له فسحة الصدر. هو مناضل اتحاديي  متأصل، ذو آفاق محدودة، وله  أفكار مسبقة قوية عن حزبه الاتحاد الاشتراكي. إنه اتحادي بالتبعية ليس أكثر. عاش بطريقة أو بأخرى مراحل الطفولة  في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. واسترجع لحاضره الماضي النضالي لوالده المرحوم ريضة الوعدودي، أحد الوجوه المحلية البارزة في تاريخ المقاومة و المتمردة على القيادة التقليدية لحزب الاستقلال سنة 1959.
برز اسم محمد ريضة على الساحة ولأول مرة في الانتخابات الجماعية لسنة 1983، مرشحا عن حزب الاتحاد الاشتراكي،  صحبة رفيق دربه محمد الكواي، بالحي الحسني الدائرة 18، وهدا الأخير بالدائرة 16. يومها  كان  الحزب يجد صعوبة كبيرة في العثور على من يترشح باسمه، بسبب إغراءات البقع الأرضية التي كان يقوم بتوزيعها مجلس  الرئيس عبد الله القادري. ولأجل سد الفراغات وملأ الدوائر بالحي الحسني، لجأ  الحزب إلى ترشيح مناضلين من الدرب الجديد، وهم الأستاذ محمد طهير مرشحا على الدائرة 19، ومحمد رفيق بالدائرة 23، والأستاذ عبد الله الحنفي الذي كنت نائبه في الدائرة 17، والأستاذ عزوز عبد الكبير في الدائرة 15 ضد الرئيس عبد الله القادري.  وفي تلك الانتخابات، كان الوردي المختار هو مرشح الاتحاد الاشتراكي ضد العباسي الحطاب، المرشح المحايد.
لقد رشح  الحزب الأستاذ عبد الله الحنفي  ضد المرحوم علي الطويسي، من الحزب الوطني الديمقراطي، وكنت أنوب عنه صحبة محمد باحسين  ولد بابا علي، صاحب مقهى ومطعم الملكي، وهو من الشباب الاتحادي وكان ينوب عن والده مرشح حزب الاتحاد الدستوري.
 ومن قبل، في الحملة الانتخابية لسنة 1976، كنت والأستاذ الحنفي  نشارك في   الحملة الانتخابية المنظمة لفائدة  المرشح علي الطويسي،  بدوار الحاج عمرو،  باسم الاتحاد الاشتراكي.  في تلك المناسبة، تناولنا طعام الكسكس في بيت الطويسي مع مجموعة من الشباب، أبرزهم القاضي عبد الرحيم فتحي. ولكن بعد نجاحه غادر  الطويسي الاتحاد الاشتراكي وصوت لفائدة السيد عبد الله القادري للحصول على الرئاسة.
وبعيدا عن السياسة، كان المرحوم علي الطويسي رجلا كريما، ويحب الزهو والنشاط. فقد أحضر لمكتب التصويت بالجي الحسني كصعة كبيرة من الكسكس، فأكل منها الجميع  عدا عبد ربه ومحمد بحسي، اتفقنا ورفضنا مد اليد لطعام ” العدو”.  وطيلة 12 ساعة، قضيناها بالمكتب، لم نأكل قطعة خبز ولم يسأل فينا أحد. هكذا كنا نفهم النضال:  الموت الأبيض ليشبع الحزب. ” ودرناها فراسنا”، يقول  دائما الصديق محمد بحسي.
خلال تلك الاستحقاقات، طلب مني حمو بلمقدم، المرشح الاتحادي بالدرب الجديد، أن أنتقي له شابا  متيقظا للإنابة  عنه في مكتب التصويت، فاخترت المصطفى بكري، وأقنعته بتحمل المسؤولية. ولما فاز المرشح بلمقدم نظم وليمة احتفالية دعا لها  أصدقاءه من خارج الحزب،  منهم المصطفى بلمامون الدرنوني، مرشح الاتحاد الاشتراكي سنة 1976، والاتحاد الدستوري سنة 1983. ولم   يستدع   أحدا من أنصاره بالدرب.  جلب على شخصه النقمة، وكانت تلك وأخريات أحد الأسباب التي أفقدته ما تبقى له من شعبية.
الأشياء التافهة يمكن أن تصنع التاريخ الذكي بتغييرها لمجريات الأحداث. لو لم يمرض تروتسكي بسبب خروجه لاصطياد البط لما سطع اسم ستالين. ولولا الوليمة المشئومة للمرشح حمو بلمقدم لما سطع اسم محمد رفيق. وكان من الممكن أن يفوز  عن دائرة الدرب الجديد، بقليل من الحظ، عاطل شاب اسمه بوحاجب، تضامن معه شباب الحي الغاضبين، بحثوا له عن حزب ورشحوه، كي يحصل على شغل.
الجيلاني طهير
الورقة الحجرية لمحمد ريضة  ظلت معلقة بمستودع محماد الوادي، بائع الاسمنت،  مند 1984، حتى طلبتها منه وأعطاني إياها قبل سنوات قليلة من ترك المستودع لابن الشيب.

Enregistrer un commentaire

 
Top