برشيد نيوز berrechid news برشيد نيوز berrechid news
الكل

آخر الأخبار

الكل
جاري التحميل ...

بقلم الجيلالي طهير ... الدرب الجديد أو الكهف المنسي

الدرب الجديد أو الكهف المنسي
برشيد نيوز : بقلم الجيلالي طهير
الكتابة عن الدرب الجديد شأن محلي صغير، لكنه غواية وإغراء. يجدبك ويستدرجك كفاتنة كشفت عن ساقيها بالصرح البهيج وأنت لا تريد أن تخون. تقول معاد الله، فلا تفلح، وأنت تخشى أن تتورط في الممنوع، كي لا يخدش سمعتك الخادع والمخدوع. ما العمل؟ كم منزل يألفه الفتى،،، ما الحب إلا للحبيب الأول.
إن إحياء الذاكرة تمرين صعب واعتباطي، في منتهى الخطورة والهشاشة. إن لم يأسرك في قفص الماضي، فقد يأخذك إلى الخيبة والاحباط. وهنا الأمر مثير للشفقة، لأنه يخص حيا شعبيا بحجم علبة كبريت، لا يصلح أن يكون حتى بوابة لنفسه، بسبب الحصار المطبق عليه من كل الجهات.
في زمن آخر، غاب فيه العقل، كانت تعطى فيه للتصرفات والأعمال ذرائع وحجج خيالية أكثر منها واقعية بسبب الحماسة الزائدة. فكان يصعب مخاطبة جماعة درب جديد بما لا يعجبهم، من دون أن يفسر الأمر وكأنه رسالة من جماعة أخرى يرددها على مسامعهم عميل أو مدسوس. والآن، كل الدين مروا من هنا يتلمسون في الحي عبر ذواتهم البصمات التي تركها في وعيهم الفردي والجمعي. إنهم اليوم ينظرون إليه بنظرة تختلف عن نظرة الأمس البعيد، يستعيدون ويقارنون، يدققون ويعيدون النظر. يحنون ويشفقون.
في السنة الفارطة، قال محمد باي في جلسة حميمية جمعت بعض الغيورين على مدينة برشيد: " لو كتب الجيلالي طهير اليوم عن المجتمع المدني، فغدا سترون القيامة تقوم عليه". وأنا كالعادة أنصح صديقي محمد باي باستمرار، وأقول له: " لا يجب الكتابة عن شيء لمجرد أن الآخرين يكتبون عنه. لا تكتب إلا عما تحس به، وليس أبدا عن شيء يقال عنه موجود". عندما أكتب عن الاتحاد الاشتراكي، فلأني أعتبره حقيقة ملموسة من الولادة، إلى العصر الذهبي، إلى الأفول. وتأتي الكتابة أحيانا كاستفزاز لمن يبنون علاقة فيها الكثير من الفوقية مع الناس. يتصرفون وكأن الحياة لا تسير من دونهم، وأن الجماهير ستخرج في مظاهرات للإطاحة بالحكومات حين تعرضهم للانتقاد.
لم أعثر خلال الحملة الانتخابية الفارطة، على إشارة واحدة تتناول وضعية درب الجديد، الكهف المنسي، عند مختلف الأحزاب السياسية كبيرها وصغيرها. وكنت شاهدت خلال تلك الحملة شباب الحي البئيس وأطفاله يرقصون بنشوة في الليل تحت الأضواء الكاشفة. لا بأس، " يا عمال العالم اتحدوا" يحتفلون أيضا باستغلالهم سنويا في بداية شهر ماي، والنقابيون المحترفون يتلددون بغرائزهم حتى هزة الجماع orgasme. ليس الأمر بجديد. في أربعينيات القرن الماضي ترجم سعد زغلول كتاب " سيكولوجية الجماهير" لصاحبه غوستاف لوبون، فمن يقرأ؟
مند عشرات السنين، لم يعد يسمع للدرب الجديد صوت بداخل قاعة المجلس البلدي. آخر صوته ذهب مع الريح، هو صوت محمد رفيق، وكان دافع عن درب جديد بقوة، حتى أصبح له متنفس أخضر، وحاول يائسا تحويله إلى حديقة أطفال، لكن لم يسمع لصوته صدى في زحمة السير، بأروقة المجلس الاتحادي. ففي جميع الأحزاب يوجد رجال انتهازيون يرغبون في تحقيق مصالحهم، ورجال شرفاء يرمون إلى تحقيق أهداف مثالية. هؤلاء يتقيدون بدقة ببعض قواعد السلوك، والانتهازيون يستخدمونهم كالصابورة لأنهم يمنحون الحزب بعض مظاهر الشرف.
ينتمي محمد رفيق إلى فئة الشرفاء، مثل عبد الكبير عزوز ومحمد الكواي وقلة آخرين. وأقول الحق: أحب صداقة محمد رفيق، وهو رجل مؤمن ونقي، زاهد في الدنيا، حنون يرعى حقوق الوالدين، نزيه وبسيط لا يعرف التعقيدات والمراوغات. أعرفه صديقاً للجميع، قادراً على الاتساع للتناقضات، مؤمنا بالحوار وبالاختلاف، يحبه ويحترمه الجميع. وربما أحببت فيه أيضا وفاءه لحزبه وطريقته في الدفاع عنه، ولو أني لا أنتمي لأي حزب من الأحزاب. ففي اللقاءات النادرة التي جمعتني وإياه في الماضي، كان محمد رفيق ينتقد طريقة عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب العام لحزبه، في التعاطي مع الشأن الحزبي. وعلى سبيل المقارنة، في منتصف الثمانينات كنت التقيت بالكاتب العام لبلدية ليل بفرنسا، فأذهلني كلام هذا الأخير عن عمدة المدينة الاشتراكي بيار موروا، إذ قال لي وبكل بساطة: " موروا يحب مدينة ليل، أنا أحب مدينة ليل وأحب الله، وإذن موروا يحب الله، وعندما سيموت سنصنع له تمثالا أمام مقر البلدية، مثل كل الرؤساء الاشتراكيين الدين سبقوه في العمودية. ما من عائلة بمدينة ليل إلا ولها أحد الأجداد مات بمرض السيليكوز أو اختناقا في مناجم الفحم المنهارة. والعمدة بيير موروا واحد من هؤلاء الاشتراكيين الأوفياء لأجدادهم، يختلف كثيرا عن الاشتراكيين المثقفين (المتحولين) الدين تعلموا الاشتراكية في الكتب بالجامعات.
في قلب الإعصار، قال عبد الرحمان اليوسفي لمنتقديه: " أرض الله واسعة"، مشبها الحزب بالوطن. لقد ارتبطت الوطنية بالمخزن، وبالعلماء المرتبطين بالمخزن دون غيرهم من باقي العلماء المغاربة. والوطن هو التماهي مع شخصية معنوية تمثل الجميع، بينما الحزب يعني التماهي مع شخصية معنوية تمثل فئة محصورة من الناس. لكن كلاهما يمثل كتلة بشرية منظمة، ومنظومة قيم تضبط السلوك وتهيكل المخيال الجمعي. إن الوطن والحزب يرفعان معا الكائن الجماعي لمرتبة القداسة، ويناديان بالتضحية لأجله، مثلما يتهمان بالخيانة وبالتآمر كل خروج عن الخط. وكأن الأستاذ اليوسفي قال بطريقة أخرى، لا تآمر ولا خيانة ولا حزب بعد اليوم.
ملاحظة أنتربولوجية واضحة، لا محيد عنها، يقر بها المؤرخ الأستاذ عبد الله العروي، وهي استمرارية المخزن في الزمان كسلطة في الوعي واللاوعي المغربي دون سائر البلدان العربية (مجلة زمان ـ ديسمبر 2015). المخزن يقوم بامتصاص الحياة من الأشياء، باستغلالها وإهدارها. وفي إطار هده العملية، يأتي الحزب ليسرق مناضليه جسدا ونفسيا ومجتمعيا، ويدمر علاقتهم بالآخرين.
إن نمط الاقتراع باللائحة، عوض الاقتراع الفردي، جاء ليخدم مصلحة الأحزاب الصغيرة، ولكنه لا يخدم مصلحة الأحياء الصغيرة التي تفتقر إلى القوة العددية في الأصوات. المرشحون المنتمون لتلك الأحياء يركنون في ديل اللوائح، وهم مجرد كومبارس ينتهي دورهم بانتهاء فترة التصوير. إنّ من يختار أي قانون انتخابي هو لا يختار قانوناً انتخابيّاً فقط، وإنّما يختار ثقافة سياسيّة، وإداريّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، تأخذ اليوم شكل ثقافة المضاربة العقارية، لا رحمة ولا شفقة.
والآن، يوحي الدرب الجديد لناظره في الحصار المضروب عليه، وفي تضاريسه كمنحدر طوبوغرافي، بأصحاب الكهف، لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا. أقول، حينما تصبح طريقة العيش شيئاً غير ذي أهمية يصبح المكان مجرد مستودع لأجساد في طريق رحلتها إلى القبور. إنها جماجم تسير في أزقة مقفلة ولا تتنفس الهواء. أشلاء تتجول، نست أصلا هناك مجلس بلدي، وهناك جمعيات حقوق الانسان. فلم تعد تطالب بإعادة خصب الحياة إلى حيها، وفك الحصار عن بيوتها ولا حتى يخطر ذلك ببالها." وأخيرا جاء من جاء، «فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا "، صدق الله العظيم. إن أي حزب مهما علا شأنه، ولو كان الحزب الوحيد الحاكم في أي بلد عربي إسلامي، لن يستطيع مطاردة الصلوات الخمس ولا أن يمنع الآدان ولا تلاوة فاتحة الكتاب. الأسهل لصناع الفقر والفاسدين أن ينتموا هم إلى الدين، يمارسون الشعائر ويبنون المساجد، ولا يشفقون على خلق الله.
هناك أمل لإعادة صياغة درب جديد بعد كنس المجلس البلدي المزبلة من الفاسدين. فارفعوا الحيف عن الكهف المنسي، فكوا وثاقه، أزيلوا الحصار ...


التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

احصاءات المدونة

جميع الحقوق محفوظة

برشيد نيوز berrechid news

2016