GuidePedia



الدين والجنس ( تضليل الرأي العام ومصادرة الحريات)
برشيد نيوز : بقلم الدكتور ظريف رشيد
في الوقت الذي قامت فيه الدولة بتمرير قوانين تمس الحريات الفردية بمساعدة الحزب الإسلامي، انتصب العديد من الأشخاص للتنديد بهذا الإجراء بدعوى مساس هاته القوانين بالحريات والحقوق، معتبرين اعتراضهم نضالا من أجل الحرية، وقد تزعم هذه الحملة عدد من الأشخاص كان العديد منهم مسخر من طرف أحزاب منافسة للحزب الديني. غير أن ذكاء دولة المخزن جعلها تستغل علاقة "الدين والجنس" لتجعل هؤلاء المناضلين من أجل الحرية يشاركون فيما بعد في الإقرار بمصادرة الحريات والموافقة على تلك القوانين التي تمس الحريات الفردية دون أن يكون لهم وعي بما يأتون. ويتجلى ذلك في الضجة التي قام بها أنصار الحداثة ومناهضو الفكر الرجعي على إثر واقعة قياديي جماعة الإصلاح والتوحيد.
إن أي مناضل في سبيل الحرية لا بد أن يكون على علم بالأسس النظرية التي على أساسها بنيت فكرة دولة الحق والقانون التي تحمي الحريات وتطبق مبدأ المساواة، ويمكن القول بأن كانط هو الأب الروحي الذي وضع الأسس النظرية لبناء هذه الدولة، فهل يدرك المتشدقون بالدفاع عن الحريات أنهم قد خالفوا أكبر قاعدة أخلاقية تؤسس للنضال الحقيقي من أجل بناء دولة الحق والقانون باسم الحداثة الفكرية والعقل العلمي.
عمل إيمانويل كانط على نحت مفهوم "الواجب الأخلاقي" معتبرا أن الالتزام بهذا المبدأ هو الأساس لبناء مجتمع يؤمن بالحريات الفردية ويكرس مبدأ احترام الآخر، وقد كان ذلك بهدف إبعاد كل السلوكات التي يكون الدافع إليها العواطف أو حب الظهور انطلاقا من إيمانه ب "المثال" كضامن للحيلولة دون الوقوع في شرك الذاتية التي يمكن أن تحول الفعل الأخلاقي من وجهة المصلحة العامة إلى وجهة خدمة المصالح الشخصية الضيقة، وطبقا للإطار المرجعي للفلسفة المثالية الكانطية، لا يمكن اعتبار المساعدة التي يقدمها الأخ لأخيه بدافع الحب الأخوي فعلا أخلاقيا، ولكن يمكن اعتبارها كذلك إذا ما قدمها الأخ لأخيه الذي يكرهه انطلاقا من إيمانه بضرورة فعل الواجب الأخلاقي الذي يلزم بمساعدة المحتاج.
وعليه، فالضجة التي أحدثها البعض في حق قياديي الإصلاح والتوحيد لا تطابق مبدأ "الواجب الأخلاقي" نظرا للشعور بالكراهية الذي يحرك هؤلاء والذي منبعه دفاع هاذين الشخصين المتورطين عن أفكار تقليدية رجعية واستغلالهما للدين من أجل بلوغ مصالح شخصية، وهذا ما يبرز عدم نضج هؤلاء وقدرتهم على الالتزام بأدبيات النضال باسم العقل والحرية. والمفروض هو أن يتناول هؤلاء المناضلون موضوع هاذين الشخصين باعتبارهما مواطنين في تغييب تام لكل ما من شأنه أن يؤثر في الموضوع، سواء كان كراهية شخصية أو إرضاء لحزب معين. ولهذا فالقصد من الفعل هو ما يجعله نضالا حقيقيا أو مجرد انفعالات لا واعية.
هذا إذا ما انطلقنا من المذهب المثالي الذي يعطي للقصد من الفعل كل الأهمية، أما إذا انطلقنا من المذهب النفعي في الأخلاق، والذي يركز على النتائج المترتبة على الفعل فإنه لن يكون هناك اختلاف في أن تناول الموضوع بتلك الطريقة يجلب المضرة على المجتمع أكثر ما يجلب الفائدة، وهذا ما يجعله سلوكا غير عاقل ومناف لمبدأ الدفاع عن الحقوق والحريات. إن الهجوم على شخصين قاما بأفعال مخلة بالآداب العامة ( في نظر البعض) يكرس مسألة مصادرة الحريات من طرف السلطة باسم قوانين تصنعها هي وتحاكم بها الأفراد، فعندما نفرق بين الأشخاص بانتمائهم العرقي أو العقدي أو المذهبي فإننا لا نفعل أكثر من تكريس سلطة قمعية تحاكم الأفراد متى شاءت وتعفو عنهم متى تشاء بحجج مختلفة.
إن استغلال البعض للواقعة بحجة الانتقام من الحزب الذي أنهك المجتمع وأتى على الحقوق، سيؤدي بالضرورة إلى مزيد من مصادرة الحريات والتفريط فيما تحقق. وهذا يفرض على الطبقة المتعلمة التي تدلي برأيها في الموضوع التعامل مع الواقعة انطلاقا من كون الشخصين مجرد مواطنين، أما كونهما قياديين في جماعة معينة فهذا شأن داخلي بالنسبة للجماعة ولا علاقة للحقوقيين به، فالصفة الدينية للشخصين وعلاقة "الدين بالجنس" هي ما تستغله الدولة بمساعدة حزب الانتهازيين، وهذا فعل ماكر وخبيث.
إن الغرض من إعطاء مثل هاته الأحداث التافهة أكثر من قيمتها، وجلب الأنظار للواقعة باستغلال علاقة "الدين والجنس"، هو تضليل للرأي العام عن النضال الحقيقي من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، نضال ضد الفساد الإداري والمالي الذي تعرفه المؤسسات العمومية، نضال ضد الأميين والانتهازيين الذين أصبحوا يتحكمون في مستقبل الوطن ومستقبل أبناءنا، لا ضد سفاهة ارتكبها سفيهين تافهين.
وأخيرا نذكر كل مناضل باسم العقل والحرية بمبدأ "الواجب الأخلاقي" الذي لا يقبل الاستثناء في جميع الظروف، يقول كانط على لسان بيرتراند راسل: "إذا أغلقت عقلك ضد الدليل في ناحية واحدة، فإنك ستفعل ذلك أيضا في ناحية ثانية عندما يكون الإغراء قويا" .



Enregistrer un commentaire

 
Top