GuidePedia



زيف النضال السياسي باسم الدين (جماعة العدل والإحسان نموذجا)
برشيد نيوز: بقلم الدكتور ظريف رشيد
بفعل الوعي النسبي الذي تولد عند الأفراد في المجتمعات العربية المسلمة نتيجة احتكاكهم مع الغرب المتقدم، ظهرت دعوات إصلاحية تقوم على أساس إرادة تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية المتخلفة، ولم يكن لرجل الدين، الذي أدرك أن تأثيره على الأفراد أخذ يضعف بفعل تطور العقلانية العلمية وتأثيرها على الأفراد، غير الركوب على الموجة من أجل التموقع من جديد في مجتمع يشهد تغيرات على مستويات عدة.
نتيجة لذلك، ظهرت جماعات وتنظيمات دينية تدعي رفضها للواقع المتخلف، وتدعي العمل على تغييره، منطلقة من فكرة أساسية مفادها أن التخلف لم يصب المجتمعات العربية الإسلامية إلا بتخليها عن الدين. وعليه، فإن إرادة الخروج من حالة التخلف، في نظر هاته الجماعات والتنظيمات، يقتضي الرجوع إلى الدين في شقيه، الاعتقادي والتشريعي وتطبيقهما على واقع هاته الشعوب الاجتماعي والسياسي.
عمل رجل الدين على نشر دعواته الإصلاحية بين العموم بتشجيع من الأنظمة المستبدة الحاكمة، غير أنه في نفس الوقت ظلت يتجاهل كل الدعوات الملحة لتجديد الخطاب الديني تجديدا يمكنه من التحرر مما لصق به جراء سيطرة السياسي على الديني في تاريخ الأمة العربية الإسلامية، حيث قد أدت هذه السيطرة إلى توجيه قراءة النص الديني وتأويله تأويلا جعل من الخطاب الديني خادما لنظام حكم الدولة التقليدية القهرية.
إن تاريخ علاقة السياسي بالديني في المجتمعات العربية المسلمة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن التدين التقليدي والحكم الاستبدادي شكلا وحدة متكاملة لا يمكن الفصل بين طرفيها، ولا يمكن لأحد الطرفين أن يستمر دون دعم الطرف الآخر، وهذا ما جعل كل الجماعات والتنظيمات الدينية التي تدعي الإصلاح السياسي والاجتماعي عاجزة عن تجاوز السلطة السياسية التقليدية، لتجد نفسها في نهاية الأمر، تخدم نظم الحكم الاستبدادية القهرية بشكل من الأشكال، إلى حد معارضة كل محاولات الإصلاح المبنية على العقل العلمي.
إذا ما رجعنا إلى التاريخ القريب للشعوب العربية الإسلامية فإننا نجد أن مقاومة الإمبريالية الغربية في صورتها الاستغلالية قد تمت تحت غطاء ديني بدعوى حماية الدين والوطن وتحقيق حرية الفرد المسلم وانعتاقه من ربق الاستغلال والاستبداد، وما أن تم طرد المستعمر المستغل والمتسلط حتى قامت تلك التنظيمات بتواطؤ مع المستعمر بإعادة تنصيب حكام مستبدين متسلطين لتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الاستعمار، الشيء الذي يعني بأن علاقة التدين التقليدي بالحكم الاستبدادي علاقة "تحامل" و "تواطؤ" فكلا الطرفين يعتبر بمثابة حامل للآخر، ولا يمكن لأي منهما الاستمرار والقيام منفردا ودون أن يحمله ويسنده الطرف الآخر.
لقد وجدت الأنظمة الحاكمة للشعوب العربية في التدين التقليدي أنجع سلاح لمواجهة المعارضة الداعية لإقامة دولة الحق والقانون باسم العقل، حيث شجعت على قيام جماعات وتنظيمات باسم الدين، واجهت بها الفكر الإصلاحي المتوسل بالعقل والعلم. وقد استمر هذا الاستعمال للجماعات الدينية من طرف الأنظمة الحاكمة في وقت الحاجة، ففي فترة الربيع العربي قامت الجماعات الدينية في مختلف البلاد العربية بإحباط كل محاولات الإصلاح بتواطؤ فاضح، إما عن طريق قلب الموازين لصالح الأنظمة في بعض البلدان، وإما بالمشاركة الشكلية في الحكومات لتهدئة الأوضاع وتمرير ما يمكن تمريره لصالح الأنظمة الحاكمة فعليا. وبفعل تدخل العامل الديني وإقحامه بقوة في الصراع الدائر، فقدت الشعوب العربية فرصتها الثانية للتحرر من قيد التخلف، بعد أن فقدت الفرصة الأولى المتمثلة في تفكك نظم السلطة التقليدية جراء الاستعمار الغربي، لتجد نفسها في كل مرة تقع ضحية تواطؤ رجل الدين المتسلح بسلاح نظام الخطاب الديني التقليدي مع رجل السلطة المستبد.
إذا ما رجعنا إلى حالة المغرب فإننا نجد أن النظام المخزني قد شجع على الاشتغال بالدين بشكل مفرط، سواء عبر الطرق الرسمية أو عبر تهيئ الظروف لقيام جماعات دينية سياسية تدعي المعارضة. وقد كانت جماعة العدل والإحسان وتنظيم الإصلاح والتوحيد، من إنتاجات النظام المخزني في هذا الباب، وإذا تم حرق ورقة تنظيم الإصلاح والتوحيد في شخص حزب العدالة والتنمية بمناسبة موجة الربيع العربي، فإنه حاول المحافظة على جماعة العدل والإحسان كورقة رابحة سواء من خلال تأطيرها للأفراد، أو من خلال ملأها للفراغ الذي خلفه غياب المعارضة اليسارية الحقيقية.
تتأسس جماعة العدل والإحسان على مبدأين أساسين تقوم من خلالهما بتقديم خدمات جليلة لنظام الحكم الاستبدادي المغربي. فهي تقوم بتأطير الأفراد تأطيرا دينيا تقليديا يجعلهم مؤمنين بما يحمله نظام خطاب التدين التقليدي، وهذا ما يقودهم في نهاية المطاف إلى أن يصبحوا أكثر تقبلا لنظام الحكم الاستبدادي القائم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تركز الجماعة بشكل كبير على استقطاب الأشخاص ذوي المستوى التعليمي المرتفع، خصوصا الذين يحملون في أنفسهم هم تغيير الأوضاع إلى الأفضل. تقوم الجماعة بشحن هاته الفئة المتعلمة بالثقافة الدينية التقليدية المشبعة بالمتناقضات لتبعد أفرادها عن التأثر بالفكر العقلي النقدي. تفرض الجماعة على المنتمين إليها عدم المشاركة في العملية السياسية بفعل التأثير الذي تمارس على عقول ومشاعر تلك الفئة المتعلمة باسم الدين، ليجد المنتمي إلى هاته الجماعة قد سلم الأمر لأصحابه وابتعد عن السياسة بعد أن كان هاجس النضال السياسي هو الذي يحركه.
عندما تقوم الجماعة بإبعاد الأفراد المتعلمين عن السياسية سواء عبر الترشح أو التصويت لعقود طويلة، فإن الأمر يتحول من مجرد المقاطعة المؤقتة للضغط والتعبير عن الرفض إلى المقاطعة الدائمة التي تقتل الإرادة في الأفراد لتترك الساحة السياسية فارغة للأميين والانتهازيين يعبثون كما يشاءون وكما يخطط لهم المخزن. وهذه أكبر هدية يمكن أن تقدمها جماعة للنظام المخزني الاستبدادي.
تتأسس جماعة العدل والإحسان على مبدأ جعل "التابع/المؤمن يتقبل التناقض الداخلي للأفكار التي تتبناها الجماعة، سواء تعلق الأمر بالديني أو السياسي أو تعالق بعضهما مع بعض. فالنسق الفكري للجماعة يمكنه حمل الفكرة ونقيضها في نفس الوقت، ففيما يتعلق بتوجهها السياسي، تدعي أنها حركة دينية سياسية معارضة، تناضل من أجل تغيير الأوضاع، غير أنها وفي نفس الوقت تلزم متبعيها بعدم المشاركة السياسية، من ناحية أخرى، تدعي الجماعة التزامها بعمل أهل السنة والجماعة، غير أنها تتبع أفكار تكاد تكون شيعية، كما تتبنى الجماعة الفكر الصوفي في شقيه العقدي والتربوي، وفي نفس الوقت توافق السلفية الجديدة التي ظهرت في الشرق في جل المعتقدات.
تدعي الجماعة ظاهريا معارضتها لنظام الحكم المبني على الاستبداد الفردي، غير أنها تقوم في نفس الوقت على مبدأ تقديس الأشخاص بشكل فاضح، وهذا ما يجعلها إطارا تربويا لتكريس الحكم الاستبدادي الانفرادي بامتياز.
تستفيد الجماعة من التهميش الممنهج الذي تعرض له الفكر النقدي العقلاني في قطاع التعليم والتربية، وتعمل من جهتها جاهدة على إقصاء كل فكر يمت للعقل النقدي بصلة، وتظهر استفادتها من هاتين المسألتين في اكتسابها قدرة كبيرة على استقطاب الكفاءات العلمية والأطر التربوية، إلى درجة أنها أصبحت تضم بين مريديها أساتذة لمادة الفلسفة، وهنا يبرز الخطر الذي تمثله هاته الجماعة على المجتمع المغربي بخصوص إمكانية التحرر والتطور الذي لا يمكن بلوغه بغير طريق العقل والعلم.
من ناحية ثانية، وبالرغم من أن الجماعة تدعي أن النظام المخزني يضايقها ويقوم في حالات كثيرة باضطهاد بعض أفرادها، إلا أن الواقع يشهد بغير ذلك، فأغلب أعضاءها يتحركون وينشطون بحرية، بالرغم من تلك المسرحيات التمثيلية التي يقوم بها رجال الأمن لإثارة الانتباه ولإعطاء الجماعة مزيدا من المصداقية، كما أن أفراد الجماعة يكونون أوفر حظا للحصول على مناصب في بعض الأحيان تكون مهمة في الإدارات العمومية، علما أن تبوأ المناصب في المغرب لا يخضع في غالب الأمر إلى الكفاءة العلمية أو العملية بل لرغبة الأفراد المشرفين أو للتعليمات التي تأتي من أعلى.
تتمتع الجماعة بكل تلك الامتيازات مقابل أن تبقى بعيدة عن السياسة، ورهن إشارة أوامر المخزن، فهي تقف متى كان الموقف لا خطر منه، ولكنها تتوارى وتختفي عن الأنظار متى أصبح الوقوف يدفع النظام للتغيير والإصلاح الحقيقي بطريقة جدية (الكل يتذكر ما قامت به الجماعة تجاه حركة 20 فبراير). تؤدي الجماعة خدماتها للنظام وهي بعيدة عن المشاركة السياسية، لأن دخولها سيكون بمثابة حرق أوراقها وكشف تواطؤها مع النظام المخزني للعموم، وهذا ما سيضعفها وقد يؤدي إلى نهايتها، كما حصل مع حزب العدالة والتنمية، وهذا ليس في صالح النظام مطلقا.
إن أخطر ما في الأمر، هو أن أغلب أعضاء وأطر الجماعة الفاعلين، غير واعيين بما يقدمونه للنظام الحاكم من خدمات جليلة، بل إنهم يعتقدون جازمين أن الجماعة تمثل أحسن طرق المعارضة السياسية ومنهجها أقوم المناهج، ويتبعون كل ما يؤمرون به دون تمحيص ولا تعقل، وذلك كله بفعل غسل الدماغ الذي تمارسه الجماعة على المنتمين لها باسم الدين.
إن قيمة "الفعل" في ميدان النضال السياسي والاجتماعي تقاس بالنتائج المترتبة عليه لا بالنية السابقة له، ولهذا فإن الأشخاص المنتمين لجماعة العدل والإحسان المؤمنون بإيديولوجيتها لن تكون نياتهم الحسنة عذرا لهم، بما أن الخالق تعالى قد منحهم القدرة على التعقل والتمييز.

Enregistrer un commentaire

 
Top