GuidePedia



الدين والجنس: الفضيحة والتطبيع مع الفساد
برشيد نيوز : بقلم الدكتور ظريف رشيد
يشكل الدين في حقيقته منبعا مهما وأساسيا للقيم اللأخلاقية والاجتماعية، وهذا ما أكده عدد من الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ، فهو في نظرهم، وإن كان ميتافيزيقا، يبقى ضامنا للأخلاق ودعامة مهمة لتكريس الإيمان بها عند الإنسان (موقف كانط من الدين كدعامة للأخلاق الفطرية). ومنه، فإن الدين يشكل خطرا على الأنظمة الاستبدادية القهرية كلما رجع المؤمن إلى القيم الأخلاقية المؤسسة له وتمكن من تجاوز القراءات والتأويلات المغرضة لنصوصه التي تحوله إلى مادة مخدرة للأفراد والجماعات (موقف ماركس من الدين كإيديولوجيا).
إن المشكل الذي تواجهه الأنظمة الاستبدادية هو تلك الروح الكامنة في الدين، وتلك الإمكانات الأخلاقية المتجلية بالخصوص في حثه على تحقيق العدالة الاجتماعية، والتي يمكن أن تقوم في أي وقت بتأطير نضال حقيقي يواجه التعسف والقهر والحيف الذي تمارسه السلطة الاستبدادية في حق المستضعفين. ولذلك فهي تسعى باستمرار لتحويل الدين من الموقف الأخلاقي الأصلي إلى التأطير الإيديولجي التحريفي. ولبلوغ هذا الهدف، تقوم بالعمل على واجهتين.
الواجهة الأولى تقوم من خلالها السلطة الاستبدادية بتوجيه قراءة النص الديني توجيها يخدم مصالحها، وذلك بالتركيز على أدبيات الطاعة والخضوع للسلطة بدل المقاومة ورفض الظلم، كما تجعل من التشريع الديني ذريعة للحد من الحريات وقمع الأفراد والجماعات باسم الدين. وبهذا تقدم لنا الخطاب الديني على أنه "إيديولوجيا" بالمعنى السلبي للكلمة.
أما الواجهة الثانية فهي التطبيع مع الفساد من خلال جعل الفضائح الأخلاقية وبالخصوص الجنسية منها "للزعامات الدينية" موضوع إشهار وتداول في الفضاء العام. إن الإشراف والمراقبة التي تباشرها السلطة على العمل الديني سواء الرسمي أو غيره، وإصرارها على جعل أشخاص تافهين وعديمي المبادئ على رأس تسيير هذا الشأن الإنساني المهم، يمكنها من استعمال هاته الشخصيات متى شاءت وكيفما شاءت وتقديمهم في الفضاء العام على أنهم مجرد أشخاص لا مبادئ لهم ولا أخلاق، ليمثلوا لنا نموذج الزعيم والداعية الديني المتعايش مع الفساد في نفسه قبل محيطه، وبهذا يفقد المواطن الثقة في الدين والنضال، ليتعايش مع الفساد لإيمانه بعدم إمكان محاربته.
إن ما يؤكد أن المقصود من الفضائح الجنسية هو التطبيع مع الفساد، هو أن تلك الشخصيات التي يتم التشهير بها في الفضاء العام تستمر في أداء مهامها بعد أن يتم اللجوء إلى "منطق التخريجات" الذي يتم من خلاله طي ملف الموضوع، فيعود الشخص إلى ممارسة مهامه كما السابق، هذا إذا تم إبعاده مؤقتا. وهذا في حد ذاته تأكيد من طرف السلطة على قبول تلك التصرفات واعتبارها غير خارجة عن قانون اللعبة، وإشارة أخرى إلى أن فساد الأشخاص ليس مانعا لهم تحمل مسؤوليات سياسية وإدارية ودينية.
هكذا سمعنا عن فضيحة الشوباني وعشيقته وتصرفاتهم الصبيانية، ليتم في الأخير طمس الملف نهائيا عن طريق "زواج شرعي"، لنجد بعد ذلك بطلا الرواية الغرامية يتصدران النضال السياسي باسم الدين دونما خجل ولا وجل، ويتبوآن مناصب سياسية عليا.
واليوم يأتي السيد بنحماد ليكرس هذا السلوك المشين في حق العمل الديني والدعوة الأخلاقية، وما هو أكيد هو أننا سنسمع بعد مدة يسيرة عن عقد قران الشيخين اللذين لا تأتي غرابة فعلهما من كونهما دعاة دين فقط، وإنما تأتي كذلك من كونهما قد بلغا من الكبر عتيا، فهل سيحتاج غيرهما من المواطنين العاديين لعذر كي يفعل المنكرات؟
إن التطبيع مع الفساد بواسطة رجل الدين المنافق لا ينحصر على الجماعات الدعوية والأحزاب النضالية، بل يتم تطبيقه حتى داخل المؤسسات الدينية الرسمية، فقبل سنتين تقريبا عرفت مؤسسة دينية بمدينة برشيد فضيحة تمثلت في قيام مسئول عن الشأن الديني بالإقليم بربط علاقة غرامية مع إحدى الموظفات التي تشتغل معه في نفس المؤسسة ونفس المكتب، وبعد أن انتشر خبر الفضيحة بين القيمين الدينين والمواطنين توارت الموظفة لشهور، دونما حسيب ولا رقيب وكأنها تشتغل في ضيعة أبيها، ليتم بعدها الإعلان عن الزواج الرسمي بين المغرم المتزوج والأب، ورفيقته في العمل، لينهيا بذلك سرقة أوقات المتعة من داخل العمل، ويشرعا في تحطيم ما تبقى من الإيمان بالأخلاق الدينية في نفوس المواطنين، باستمرارهما في اعتلاء منابر الدعوة والإرشاد والتويجه وتسير الشأن الديني دون أن يندى لهما جبين، ودون أي عتاب من طرف السلطة الرسمية الوصية.
كيف يعقل أن توضع مسؤولية سياسية أو دينية في أيد أشخاص عرضوا أسرهم وشرفهم للأخطار بسبب عدم قدرتهم على التحكم في غرائزهم الجنسية؟
فأي تأثير إيجابي سيبقى لخطاب ديني يحمله أشخاص أصبحوا رمزا للأفعال المشينة والسلوكات المنحطة، وأي طريق آخر يمكن سلكه لتخليق الحياة العامة ومقاومة الفساد بشتى أنواعه في مجتمع لا يعترف بالعقل والعلم ضامنا للأخلاق الاجتماعية.
لنتساءل في الأخير، ما الذي يؤشر إله تتابع الفضائح التي تستهدف الحزب "الإسلامي"؟ إنها تشير إلى أن المخزن يهيأ الحزب الديني لقيادة الحكومة لفترة ثانية، أو على الأقل المشاركة في الحكومة، ولذلك عليه أن يكون أكثر قبولا للفساد وتعايشا معه، وعلى المواطن والمناضل البسيط أن يتقبل نفسيا أن شعار محاربة الفساد الذي انتهجه الحزب لا يتجاوز حناجر سياسيه.
عندما تقوم السلطة بفضح شخص معين، فإن المقصود من ذلك ليس هو الإقصاء والإبعاد وإنما تهيئته ليكون أكثر مناسبة، وفي نفس الوقت جعله وسيلة للتطبيع مع الفساد.
إن ما يستوجب الإبعاد والإقصاء والعزل من المناصب في وطننا العزيز، هو صلابة الرأي، والثبات على المبدأ في الدفاع عن الحرية والكرامة وحق العيش الكريم للجميع.

Enregistrer un commentaire

 
Top