GuidePedia



ذبح الأطفال: هل يدخل في دائرة المجاز شرعا؟
برشيد نيوز : بقلم الدكتور ظريف رشيد
يتلهف رجال الدين إلى بعض المناسبات لصعود المنابر ويعلنوا استنكارهم لبعض الأفعال وبراءة الدين منها، كما هو الحال بخصوص موقف الدين من تبرج المرأة والعلاقات الجنسية غير الشرعية، أو حتى عندما يتعلق الأمر بقيام عمليات إرهابية تمس الأنظمة الحاكمة في العالم بأسره. غير أنهم ومع الأسف يتحولون إلى صم بكم عندما يتعلق الأمر ببعض الأفعال التي تقوم بها بعض التنظيمات الإرهابية المتطرفة باسم الدين والتي تمس الأفراد في حياتهم وحرياتهم، وإن تحدثوا في الأمر فإنهم لا يجرؤون على تجريم هاته الأفعال ونكرانها والتأصيل لها انطلاقا من مبادئ الدين الإسلامي.
عندما يسكت رجال الدين الرسميين عن الخوض في مسألة ذبح طفل أمام الكاميرات، دون أن يقوموا على الأقل باستنكار الأمر وإعلان براءة الإسلام من هذه المسألة، فإن الأمر يدعوا إلى الاستغراب ويبعث على التساؤل. هل يكون الشخص الذابح صادقا عندما يقوم بفعلته باسم الدين؟
إن سكوت العلماء ورجال الدين، بل حتى الأنظمة السياسية القائمة على التدين التقليدي على مثل هاته الوقائع، يجعل الشخص العادي يعتقد اعتقادا جازما أن هذا الفعل يدخل في دائرة المجاز شرعا، بدعوى الجهاد وإعلاء كلمة الله، وبالتالي، فإما أن يتبنى الشخص هذا الاعتقاد في نفسه فيسكت ويعتقد أن حكمة الله أبلغ، وإما أن ينكره، وهذا يؤدي به لإنكار الدين جملة.
السؤال المطروح هو: ما السبب الذي يجعل الفاعلين في حقلي الدين والسياسة يسكتون سكوت المتعاون والمتواطئ على مثل هذه الأفعال الشنيعة؟
لكي نجيب على هذا السؤال، يجب الرجوع إلى فترة تأسيس المصادرات (الأكسيوماتيك) لنسق التدين التقليدي، إنها فترة حكم الدولة الأموية، حيت نجد أن ذبح الأطفال أمام أعين أهلهم شكلت طريقة لقمع المخالفين، وقد تمت تحت إمرة الخليفة الأموي و"الصحابي" معاوية بن أبي سفيان، لقد استعمل هذا الأخير بسر بن أبي أرطأة على اليمن أيام صفين، وكان عليها عبيد الله بن عباس الذي كان تحت إمرة علي، ولما نزل بسر باليمن قام بأشنع الأفعال، حيث قام بذبح طفلين من أبناء عبيد الله بن عباس أمام عيني أمهما.
ولكن، ما علاقة ما قام به بسر بالسكوت عن قيام تنظيم التنظيم المتطرف في سوريا بذبح الطفل الفلسطيني؟
يتعلق الأمر بالمحافظة على نظام التدين التقليدي الذي بني بتوجيه من السياسة الأموية القبلية، ففي حالة قام رجال الدين بنكران فعل ذبح الطفل السوري وبناء نكرانه على أساس مبادئ الدين الإسلامي، فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى نكران ما قام به بسر تحت إمرة معاوية من ذبح الطفلين أمام عيني أمهما، وهذا سيؤدي بالضرورة إلى الطعن في إسلام كل من الصحابيين بسر ومعاوية، بالإضافة إلى جمهور الصحابة والفقهاء الذين عاصروا هذه الواقعة ولم يتحركوا لنكرانها أو للإفتاء فيها بناء على مبادئ دينية إسلامية رسمية، وبالتالي فإن تلك الأسطورة المختلقة عن "الصحابة" وعدالتهم ووثاقتهم سوف يطالها الشك، وهذا سيؤدي بالضرورة إلى المساس بنظام التدين التقليدي الذي أساسه الآثار والأخبار التي رواها لنا الصحابة، حتى وإن خالف منطقها منطق العقل، بل حتى وإن خالفت بعض معاني النص القرآني الواضحة.
لقد تلبس الفعل السياسي القبلي بلباس الدين ليبرر أفعاله وليمارس السيطرة والهيمنة، وباستمرار نظام التدين التقليدي الذي تحميه الأنظمة التقليدية ويقوم هو على خدمتها، سيستمر التخلف الفكري والعقدي والأخلاقي الذي تعاني منه المجتمعات العربية المسلمة.
إننا نرزح تحت وطأة البدايات، تلك البدايات التي لم نستطع لحد الآن مواجهتها لنقول لها بأنها كانت بدايات خاطئة، جعلتنا نعيش الخطأ وندافع عنه لقرون دون أن تترك لنا مجالا للشعور بالمفارقة، مفارقة الواقع للمبدأ.
إن أمة تسكت برجال دينها وعلماءها وزعماءها السياسيين عن التصدي لذبح طفل بريء أمام العالم، لا بد أنها تسكت على فعل أشنع وأبشع منه، إنه فعل اغتيال الدين الإسلامي من طرف السياسة القبلية الأموية، وسكوت الأمة برجالها وأعلامها على هذا الاغتيال وتواطؤهم عليه.

Enregistrer un commentaire

 
Top