GuidePedia



الممارسة السياسية
بين منطق الاتصال و منطق الانفصال؟ 
بقلم: الباحث التهامي حبشي 
     يروم علم الاجتماع السياسي إلى أن يجعل من الخطاب السياسي أو الممارسة السياسية موضعا للتحليل السوسيولوجي، وذلك من خلال محاولة رصد وتتبع نشأة وتحولات مجالات السلطة السياسية واستراتيجياتها داخل النسق السياسي للمجتمعات الغربية، وكّذا النسق السياسي للمجتمعات العربية، الشرقية منها والمغاربية.
    فإذا كانت الممارسة السياسية في الغرب تتم داخل المؤسسات السياسية ــ هذه المؤسسات التي تدرس السياسة قانونيا وتاريخيا، وفلسفيا، وحتى منطقيا ولسانيا...ـــ  فإن الأمر جد مختلف بالنسبة لمجتمعاتنا العربية/الإسلامية والمجتمع المغربي بالخصوص، ذلك أن المجال السياسي بهذه المجتمعات مجال ملتبس ومشتت، حيث تتم الممارسة السياسية بشكل شاذ وغامض وفي مجالات متعددة، وذلك نتيجة حتمية للتاريخ السياسي/الديني لهذه المجتمعات. فمثلا حتى بالنسبة للتاريخ السياسي المغربي المعاصر، نجد هذه الخاصية التعويمية والمشتتة للسياسة، فالحركة الوطنية بالمغرب، في مرحلة الاستعمار، لم تتأسس كخطاب سياسي متمايز وواضح المعالم، بل نجدها أنتجت خطابا حول الهوية، وهو خطاب ديني في محتواه، ذلك أنها لم تنظر إلى الاستعمار كعملية اقتصادية وسياسية، تستهدف تفكيك هياكل وبنيات المجتمع، بقدرما نظرت إليه كغزو حضاري ثقافي وديني بالخصوص. وحتى بداية الأربعينيات من القرن العشرين، وهي لحظة ظهور الحزب السياسي بالمغرب، كان النشاط السياسي يتم داخل مؤسسات تقليدية ك''الزاوية"، و"الحنطة" وكانت القيادة الحزبية تطلق على نفسها إسم ّالطائفة ّ..وإلى الوقت الراهن لا زالت صفة ''الزعيم المقدس" تكاد تكون سمة ملازمة لظاهرة القيادة بالأحزاب السياسية المغربية، وخاصة منها أحزاب الحركة الوطنية وأحزاب الحركات الإسلامية...
  وعموما، يمكن القول إن مجال السياسة في المجتمعات العربية لا زال مجالا ملتبسا وغير واضح المعالم والحدود، حيث تتداخل فيه السياسة بالعقيدة والقرابة والقبيلة والعشيرة..الشيء الذي يجعل من تحليل الظاهرة السياسية بهذه المجتمعات تحليلا صعبا للغاية، خاصة إذا ما ارتكن المحلل السوسيولوجي إلى نظريات ومفاهيم من خارج الحقل الثقافي والتاريخي للمجتمع العربي/الإسلامي...
   ومادامت السوسيولوجيا تمنحنا إمكانية واسعة للحديث عن السياسة ومجالاتها، وتتبع السلطة السياسية من حيث تنظيماتها، و منطق اشتغالها ودينامياتها وتطورها..فإنه يمكننا مناقشة وتحليل السياسة، كثقافة وممارسة، كخطاب وفعل ، من خلال الخصائص الخمس التالية:

1ـ مفهوم التمايز أوالتفرد:
     إن الممارسة السياسية في المجتمع الأوربي لم تصبح ممكنة إلا بعد أن تمايز هذا المجتمع، أي بعد انفصال البنيات الاجتماعية عن البنيات السياسية وعن البنيات الاقتصادية والثقافية. وأعلى درجة من درجات التمايز هو ظهورّ الفردانيةّ، على عكس المجتمع العربي/ والمغربي التقليدي، حيث لا وجود للفرد سياسيا إلا بانتمائه إلى الجماعة، العشيرة،القبيلة أو فئة العلماء(نظام القرابة الديني). إن السياسة  كمفهوم معاصر ترتبط بميزة أساسية هي خاصية "التفرد" لتحقيق التحالف السياسي للأفراد داخل المؤسسات (نقابات، أحزاب، جمعيات..)، غير أن هذه المؤسسات في المجتمع التقليدي لا زالت لم تتميز بعد ببعد التفرد، نظرا للتأثير الجهوي والثقافي والقبلي والديني. يشير كارل ماركس في نقد فلسفة الدولة إلى أن الثورة الفرنسية هي التي زعزعت مجال السياسة بأوروبا، فقبل الثورة كانت السياسة حكرا على مجموعة اجتماعية محددة، على طبقة مغلقة، حيث كان المشاركون في السياسة من أعلى مراتب المجتمع (النبلاء)= (نظرية الحق الإلهي للملوك)، وكانت السياسة هنا تقع خارج المجال الدنيوي، خارج مجال المجتمع؛ إلا أنه وبعد الثورة.. ستتحول السياسة إلى ممارسة اجتماعية مشاعة بين الجميع..ومعنى هدا أن ظهور مفهوم أو مجال السياسة كمجال مستقل عن مفهوم المجتمع المدني، قد أصبح ممكنا نتيجة لحدوث مجموعة من التحولات والقطيعات والانفصالات التاريخية المائزة.

2ـ مفهوم الرأي العام والصحافة والإعلام:
         تتميز الحياة السياسية المعاصرة بظهور حقل جديد ومولّد للسياسة هو الرأي العام(LOPINION PUBLIQUE) في مقابل الرأي الخاص. فما هو الرأي العام؟ إنه آلية جديدة من آليات التنشئة السياسية، يتحول إلى خزان للمشروعية السياسية، وقد ارتبط هذا المفهوم بظهور السوسيولوجيا الدوركهايمية (مفهوم التشييء والضمير الجمعي). وعن الرأي العام تتولد عدة مفاهيم فرعية متداولة في القاموس السياسي مثل:المصلحة العامة/ المصلحة الخاصة، الحس المدني، المواطنة، الحكامة... فعند تبلور الحس المدني يصح الحديث عن مجتمع مدني، وستظهر آنذاك آليات جديدة للتعرف على الرأي العام، كالصحافة والإعلام واستطلاعات الرأي =(السلطة الرابعة)، كما ستظهر مؤشرات دالة على نضج المجتمع المدني: كالإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات، وجماعات الضغط القادرة على تحويل المطالب الشخصية الفردية إلى مطالب جماعية ومجتمعية.

3ـ مفهوم الدنيوية والتحول والظرفية: مع الحياة السياسية المعاصرة، بدأ الانتقال الاستراتيجي للآراء والمواقف السياسية من مستوى العقيدة التي تتميز بالقداسة والثبات والتعالي اللاهوتي أو الديني إلى مستوى الرأي الذي يتميز بالدنيوية ٌPROFANEMENT)) والظرفية (CONJONCTIVITEE) بمعنى الانتقال بالممارسة السياسية من منطق المقدس(LE SACRE) الخارق والمفارق إلى الشأن الدنيوي العادي(LE PROFANE)، وإخضاع الفعل أو السلوك السياسي إلى منطق التحول الظرفي البراغماتي والمصلحي:(عدو الأمس صديق اليوم، والعكس صحيح. ). فلا يمكن فهم الرأي في السياسة إلا ضمن قواعد لعبة الشطرنج، ومن هنا ورود مفهوم اللعبة السياسية(JEU  POLITIQUE) في القاموس السياسي الحديث، بكل ما تحتمله الكلمة أو تحيل عليه من معاني: التواطؤ والتفاوض، والمسرحة والتمثيل، والتناوب وقلب الأدوار، وقبول مختلف طقوس و شعائر المرور أو بروتوكولات وترويضات العبور من المعارضة إلى الحكم، والعكس صحيح أيضا..

4ـ مفهوم المواطن والمواطنة: في مجال السياسة المعاصر أصبحت السلطة تمارس على المواطنين(LES CITOYENS) بدل الرعايا(LES SUJETS) كما كان الحال في نظرية الحق الإلهي للملوك خلال فترة القرون الوسطى بأوربا...وتقتضي المواطنة الكاملة الشعور باستقلالية المحكومين عن الحاكمين وإذعانهم التام للدستور كأسمى وثيقة قانونية منظمة للحياة وضامنة للحقوق والحريات..وللوطن كـأمة سامية عليا بدل خضوعهم للأعراف والعادات القبلية وللشخصيات التقليدية والكاريزمية..، ومن هنا تستدعي المواطنة انعدام أو انخفاض نسبة الأمية الألفبائية والقانونية، وارتفاع نسبة الوعي السياسي والثقافي النقدي والمستمر.)من ينام في الديمقراطية، يستيقظ على الاستبداد.). ويستتبع مفهوم المواطن/المواطنة تحول مجال السياسة من منطق السيطرة على الإنسان إلى منطق السيطرة على المجال الجغرافي، حيث ستظهر فكرة الممارسة السياسية داخل رقعة جغرافية معينة(المجال الترابي)، وهنا ستظهر فكرة الداخل/الخارج، أي مفهومي المواطن/الأجنبي، وستظهر تنظيمات الدولة، أو الأجهزة الإيديولوجية للدولة كالجيش والشرطة، والمدارس والجامعات، ووسائل الإعلام والأحزاب والجمعيات...

5ـ منطق الانفصال بدل منطق الاتصال: يتميز بناء السلطة السياسية المعاصرة على منطق الانفصال عوض منطق الاتصال. بحيث تجتهد مؤسسات السلطة السياسية الحداثية في:
  أــ الفصل بين العلاقات العمودية والعلاقات الأفقية على مستوى الممارسة السياسية ــ السلوكات الانتخابية مثلا ــ .فالعلاقات الأولى هي التي تهم الشخص في الحاضر والمستقبل وتتأثر بالماضي، أما العلاقات الثانية فهي التي يشارك فيها الشخص من حيث هو مواطن في علاقته مع الآخرين. العلاقات الأولى تؤسسها الأسرة والعقيدة والعشيرة والقبيلة والدين، حيث يكون الفرد هنا مرتبطا بسلسلة نسب معين(نموذج القرابة والأسرة، وهذا ما يفسر انتشار النظرية الانقسامية في تحليل النسق السياسي بالدول العربية والمغاربية على الخصوص.).
ب ـ الفصل بين الدين والدولة، بين المقدس والسياسي: في أوروبا عند منتصف القرن التاسع عشر برز مفهوم الدولة كجهاز سياسي مستقل عن المجتمع المدني (فرنسا، إنجلترا)، ومع نهاية الستينيات من القرن العشرين ستعرف كل بلدان أوروبا جهاز الدولة.
ما هي المشروعية التاريخية لتأسيس الدولة؟. قيام الدولة يتطلب فصل السياسة عن الدين. لكن هل هذا الفصل ممكنا بالنسبة للمجتمع العربي/الإسلامي؟. إن الدين بالنسبة لأوربا دين مؤسساتي يتم داخل المؤسسات/ الكنيسة، وبالتالي فالدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة معناها الفصل بين مؤسسات دينية ومؤسسات سياسية.أما بالنسبة للمجتمع العربي، فليس هناك تموقع ثابت ومستقل للدين والسياسة، ليس هناك دين مؤسساتي، فالدين منتشر في كافة المؤسسات السياسية، وهو في هذه الحالة يتحول إلى معطى ثقافي أنثروبولوجي متميز و مؤثر في الحياة السياسية لهذه المجتمعات.
ج ـ الفصل بين الأشخاص والمؤسسات: تكون الحياة السياسية في حاجة ماسة إلى مؤسسات وهياكل تنظيمية لإدارتها (دولة الحق والقانون)، فالحياة السياسية لا يمكن لها أن تقوم بدون احترام قواعد المؤسسات التي ننتجها نحن. بالنسبة للمجتمع العربي/والمغربي لا يوجد هناك تفكير عميق في المؤسسات، بقدر ما هناك تفكير في أشخاص داخل المؤسسات (ليس هناك فصل بين الخاص والعام).

على سبيل الاستنتاج:
   أدرجنا هذه المقدمات الخمس لفهم الهوة الحاصلة بين النظريات السوسيولوجية السياسية والواقع الاجتماعي ـ السياسي المتعدد.
  إن المشكل الأساسي الذي يواجه دارس السلطة السياسية في المجتمع المغربي والمجتمعات المماثلة، هو ارتباط النظريات السوسيولوجية بحقل تاريخي وثقافي منفصل تمام الانفصال عن المجال التاريخي والثقافي الذي سمح بتطور السلطة السياسية في المجتمع العربي الإسلامي. وقد خلق هذا الاختلاف بين النظرية والواقع فجوة نظرية سمحت بنشوء خطابات حول السلطة، تستمد قوتها السجالية من الانتقال المستمر بين سجلين مختلفين للسلطة، وبين نظامين متميزين للتنظيم الاجتماعي، إما من موقف الانتقاد الذي يلغي التاريخ باسم العودة إلى الأصالة والتراث، وإما انطلاقا من مسلمة ضمنية مفادها أن المجتمعات الغربية بنمط تطورها المعروف تمثل نوعا من الماضي/الحاضر بالنسبة لمجتمعات العالم الثالث.
  ولذلك، فإن إعادة فحص النظريات الكبرى المتعلقة بالسلطة السياسية يعتبر مقدمة ضرورية لكل بحث سوسيولوجي يسعى إلى دراسة ظواهر السلطة بكيفية يحقق فيها التوازن بين المعطيات النظرية والواقع العيني للمجتمعات المغايرة للنموذج الأوروبي.
               التهامي حبشي: إعلامي وباحث سوسيو أنثروبولوجي.


Enregistrer un commentaire

 
Top