GuidePedia



المنتخبون في قبيلة الأعيان
برشيد نيوز: بقلم الجيلالي طهير
من المزايا العظيمة للملكيات الوراثية كونها تحملُ معها التجديدَ في مبادئها، فتُساير حركة َالزمن، ومع كُل جيل بشري، تُجدِد نفسها من تلقاء نفسها. هذه المقولة للمؤرخ الفرنسي الشهير جاك بانفيل تتطابقُ مع تحليلات الأستاذ عبد الله العروي عندما يقول بأن مؤسسة السلطنةِ الشريفة التي حكمت المغرب في عهد الحماية وما قبلها، تطورت وأصبحت تسمى المملكة المغربية بعد الاستقلال؛ وكذلك أصبح المخزن حكومةً ودولة؛ والجماعاتُ السلاليةُ الأبوية تحولت إلى جماعاتٍ حضرية وقروية. وكان حزب الاستقلال في بداية تأسيسه زاويةً دينيةً قبل أن يأخذ شكل هيئةٍ سياسية، ألزمت المنخرطين بأداء القسم على المصحف الشريف، مثلما فعل مولاي إسماعيل مع جيش عبيد البخاري. ولو نظرنا إلى الماضي لرأينا بأن نفس الأشياء القديمة تتكرر في الحاضر، وكأننا أمام نظرية " عودة البدء الأبدي " للفيلسوف وليام فريدريك نيتشة. إن الحقيقةَ السياسية منحرفةٌ وليست مستقيمةً، والزمن السياسيُ خطٌ مستديرٌ، أوله وآخره، يسير في شكلٍ دائري. ولذلك، تعود الأحداثُ والنشاطاتُ مرة أخرى تتشابه مع التي سبقتها وكأنها نسخة عنها. في هذا الصدد، يقول الأستاذ عبد الله العروي بإن النظرة الديموقراطية التي تقدمها لنا الجرائدُ المغربيةُ، بجميع توجهاتها السياسية، منذ سنة 1962، هي نفسها التي كانت سائدةً في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. ومن جهته يكتب المفكر المغربي حسن أوريد بأن ظاهرة بوحمارة وباحماد والكلاوي ما فتئت تعود وتُكرٍر نفسها في كل حقبةِ زمنية من تاريخ المغرب، مضيفاً بأن تقلبات السيد عبد الاله بنكيران مع المد والجزر الاسلاموي تعيد رسم صورة الباشا الكلاوي الذي باغته طوفان الحركة الوطنية، فأراد التحول من أقصى الطرف إلى أقصى الطرف الآخر. لا يغيبُ عنا بأن الطبقة السياسية المغربية كانت تُشَبه ادريس البصري بالصدر الأعظم باحماد، كونه اشتغل وزيراً للداخلية وجسد دور الخادم المخزني بامتياز، على النقيض من سلفه أحمد رضا كديرة، الذي شغل منصب وزير الداخلية وكان مستشارا ملكيا بالمعنى السياسي والقانوني الدقيق للكلمة. إن ادريس البصري كان رجلا بدوياً لا يُؤمنُ بتاتاً بالديموقراطية التي كلفه الملك الحسن الثاني بالسهر على التمهيد لها، لأن مفهوم الديموقراطية وحرية الرأي تتنافى مع وجود شخصه في السلطة، بينما كان رضا كديرة وبالرغم من أصله المديني الدي جعل منه شخصا متعجرفا، يجد صعوبة في التواصل مع الغير، مثقفا ليبراليا يؤمن بالديموقراطية، وسعى جاهدا إلى تحقيقها، يكتب الأستاذ عبد الله العروي الذي دقق في شرح كلمتي " الخدمة" و" الخديم"، بينما أدخل الأستاذ أمحمد بوسته مصطلح " مخدومة" إلى القاموس السياسي المغربي. وتعني الانتخابات التي خدمها خادمٌ، على وزن فعلها فاعلٌ.
يُعتبر الجنيرال ليوطي المنظر الفعلي للمخزن الحديث. استعمل سياسةَ العصا والجزر لأجل تطويع النخب المحلية، فعمل على تصفية الرافضين الذين كانوا يستمدون قوتهم من حماية الدولة الألمانية التي كانت تزودهم بالسلاح والذخيرة. وأما الأعيان الذين لم يكن يتجاوز نفوذهم الأفق الضيق للقبيلة، وحاربوه قبل استسلامهم له، فقد عمل على ترميمهم عوض كسر شوكتهم، وحافظ لهم على مراكزهم. وقد نظر الجنيرال ليوطي إلى المجتمع المغربي على أنه يتكون من حكام ومحكومين، فاختار ممارسة السلطة على المحكومين، بطريقة غير مباشرة، بواسطة هؤلاء الحكام الذين رضخوا له بقوة الحديد والنار. وعلى صعيد آخر، أقدم ليوطي على تحويل الجماعات السلالية إلى أجهزة استشارية وإخبارية، تتلاءم مع خدمة الأهداف الاستعمارية. ولكنه حافظ على الأسلوب المخزني القديم، المتمثل في مكافأة المقربين لضمان إخلاصهم، وجعل القائد، أو الشيخ الذي يستحق المكافأة هو من لا يُسمَعُ عليه أي شيء، لكنه يُخبِر بكل شيء.
بعد استقلال المغرب، تأسست إدارةٌ جديدةٌ بمنتهى السرعة على يد حزب الاستقلال، القوة الوحيدة الأكثر تنظيما في البلاد، والذي أمد وزارة الداخلية بما تحتاج إليه من عمال وقواد وشيوخ ومقدمين. حينئذ تقلد ادريس المحمدي، أحد صقور حزب الاستقلال، مهمة وزير الداخلية، وأصبح عبد الحميد الزموري عاملا على إقليم الدار البيضاء، ومحمد لحبابي قائدا على أولاد حريز. ولأن هذا الأخير لم يكن يتوفر على المعرفة السوسيولوجية للبلاد، فقد سقط لقمة سائغة في يد المسؤولين المحليين لحزب الاستقلال، الدين أفرطوا في استعمال تقاليد المحاباة. إن كثيرا من قدماء شيوخ أولاد حريز مدينين لشخص أحمد بن الجيلالي الحريزي بالمنصب، عندما كان يتقلد منصبا حساسا بعمالة الإقليم. في الوقت الذي كان رفض فيه التأشير على تعيين شقيقه المصطفى حريزي شيخا على فرقة الفقرا، خشية من أن يقوده حزمه إلى زج مشاغبي الفقرا الدين يكثرون من الشجار بينهم، جملة في السجن، ومن غير استثناء، بينما السياق الاجتماعي كان يتطلب التوفيق بين إرث الحماية والأحزاب السياسية وإرث الماضي المخزني بتقاليده القديمة.
مند البداية، أقدم العامل عبد الحميد الزموري على تطبيق تعليمات المهدي بنبركة، المعلم الاستراتيجي للحزب، والقاضية بتعيين الشيوخ رؤساء على الجماعات المنتخبة، على غرار تجربة الحزب الوحيد بتونس. وقد تسنى له ذلك باللجوء إلى تطبيق ظهيرين يعودان لسنتي 1952 و1954، أي تاريخ انطلاقة حركة المقاومة، مما جعلهما يبقيان حبرا على ورق. وتتلخص مقتضيات هذين الظهيرين في ثلاثة نقط وهي: تحويل الجماعات القبلية الى جماعات ترابية تتمتع بالشخصية المعنوية والسلطة التقريرية عوض المهام الاستشارية والاخبارية؛ انتخاب أعضاء الجماعات؛ تعيين الشيوخ رؤساء على تلك الجماعات.
إن المغاربة لم يكونوا يميزون بين الأطر الحزبية وموظفي الدولة، فاستغل بعض المسؤولين المحليين ذلك الغموض لحسابهم وتاجروا في بطائق الحزب. وعلى الصعيد الوطني، أراد المهدي بنبركة أن يجعل من حزب الاستقلال القوة السياسية الوحيدة وغير المجادل فيها بالمغرب، فراودته فكرة تطهير الحزب من جهاز المفتشين الإقليميين، وتظاهر بمساندتهم في انتظار انعقاد المؤتمر المزمع انعقاده سنة 1958، ليتخلص منهم عن طريق الانتخابات. لكن هؤلاء المفتشين فطنوا له وأعلنوا انحيازهم لجناح علال الفاسي. وفي السنة الموالية، أي سنة 1959، وقع الانشقاق المنتظر بداخل الحزب وتمخض عنه ولادة هيئة جديدة وهي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
خلال سنة 1959، أعلن الملك محمد الخامس عن تنظيم أول انتخابات جماعية بالاقتراع العام المباشر، لخلق التوازن بين الميولات الثورية بالمدن والطبقات المتوسطة في البوادي، على غرار التجربة التي أقدمت عليها فرنسا القروية سنة 1848. " إن الأذكياء فهموا مند زمن بعيد أن الاقتراع يستهل الاشتغال على السلطة. إنه أداة رجعية تساعد على فرض الاستقرار"، يقول جاك بانفيل. لكن الأحزاب السياسية رفضت مبدأ الانتخابات، واقترحت الاقتراع باللائحة الذي يقتصر على مشاركة المواطنين المتعلمين فقط، دون بقية الفلاحين الأميين، غير أن اقتراحهم لم يحصل على الأصوات الكافية حين الاقتراع عليه. أكد قانون الانتخابات على منع المرشحين من سحب ترشيحاتهم بعد إيداعها لدى الادارة، وقبيل موعد الاقتراع بقليل، توجس حزب الاستقلال خيفة من أن يحتكر الأعيان المجالس المنتخبة، فطالب باستصدار ظهير يمنع ترشيحهم لتلك للانتخابات. وهكذا اضطر هؤلاء الى سحب ترشيحاتهم، مما مكن حزب الاستقلال من الفوز برئاسة جميع المجالس المنتخبة التابعة لقيادة أولاد حريز بمنتهى السهولة. ومع ذلك، ظل البعض يزعم أنها كانت أول انتخابات حرة ونزيهة جرت في البلاد، مع أن ثقافة حقوق الانسان لم يكن لها ذكر ولا أثر، عند سائر الأفرقاء، في ذلك الزمان.
انتقل الملك محمد الخامس إلى رحمة الله في يوم 26 فبراير 1961 وفي مستهل ولاية العاهل الجديد، الحسن الثاني، تقرر إجراء الاستفتاء على الدستور المغربي في شهر دجنبر 1962. صوت عليه حزب الاستقلال ب " نعم"، ودعا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مناضليه لمقاطعة الاستفتاء. وفي 25 مايو 1963، كان موعد الشعب المغربي مع إجراء أول انتخابات تشريعية في عهد الاستقلال، تم التمهيد لها بتأسيس أحمد رضا كديرة مدير الديوان الملكي ووزير الداخلية والزراعة لحزب جديد أطلق عليه اسم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية. كان الكثيرون يعتقدون أن حزب الاستقلال لا يزال حزبا حكوميا، ومن قبيل الشرف الافتخار بالانتساب له، ففاز مرشحه محمد العماري ولد فريحة بالمقعد النيابي بدائرة برشيد.
وفي شهر يوليوز 1963، تم تجديد المجالس الجماعية المنتخبة سنة 1960، لمدة 6 سنوات عوض ثلاثة. وقبل الموعد المحدد للاقتراع جرت حملة اعتقالات في صفوف القادة الاستقلاليين والاتحاديين، ومن ضمنهم الإطار الاتحادي المحلي سعد الله صالح، بتهمة التآمر ضد أمن الدولة. آنذاك، اضطر الاتحاد الوطني لمقاطعة الانتخابات، بينما ترك حزب الاستقلال الحرية لمنضاليه في الترشيح دون أن يتبناهم بطريقة رسمية. ثم جاء تنظيم الانتخابات الجماعية الموالية سنة 1969، ولم تكن لتختلف عن سابقتها، سيما وقد جرت تحت ظروف حالة الاستثناء. وأقل ما قال عنها أنها كانت شكلية، فارغة المحتوى، ولا تمت للديموقراطية بصلة، أعطت مجالس محلية سميت بمجالس الأعيان.
تم تمييز مرشحي الإدارة عن المنافسين المتعاطفين مع أحزاب المعارضة بالأوراق البيضاء، التي يرمز لونها إلى الطاعة والولاء، في مقابل اللون الأزرق، رمز العصيان والضلال. وفي ظل هذا المناخ تم تكليف الشيوخ والمقدمين بشل حركة الأحزاب وعرقلة حلقة التواصل مع أتباعهم. كما سعت الإدارة إلى التحكم في الأفراد، فاستغلت الأرض للتحكم في الفلاحين والمناصب للتحكم في المثقفين، وأدخلتهم في علاقات زبونية عن طريق الترقيات والامتيازات وتوزيع البدور والأسمدة والأعلاف. وفي هذا الإطار، غاب اللباس التقليدي الوطني وحل محله الجلباب الأبيض المخزني والطربوش الأحمر. واستعيدت طقوس زيارة الأولياء والتبرك منهم، وإحياء مواسم الفروسية، وحفلات الشيخات والعيطة. إنه نفس الأسلوب الدي اعتمده ليوطي لتدجين النخبة المحلية؛ وهي أيضا نظرية تسمى «اختراع التقاليد" اشتهر بها المؤرخ البريطاني إريك هوبسباون، مؤسس مفهوم " تاريخ الشعوب"، بديلا للقراءة العمودية للتاريخ التي تصوره محركا من قبل الأشخاص الاستثنائيين. فبحسب رأي إريك هوبسباون يتم "اختراع التقاليد" في أوقات الأزمات والظروف الجديدة، بهذف فرملة التغيرات السريعة الطارئة على المجتمعات العصرية. والتقاليد عنده لا تعني العادات، وإنما مجموعة من القواعد التي تدفع إلى الاندماج في الماضي، والانخراط في قيمه وقواعده، من طرف مؤسسة أو سلطة تسعى الى الاندماج في التاريخ لأجل كسب الشرعية. وعلى العكس من ذلك، قال الحبيب بورقيبة، مؤسس تونس العصرية، لما لا حظ مجموعة من الفرسان في استقباله: " لا يمكن أن يظل الفارس بدون عمل يرتزق منه، وأن يجعل همه من ركوب الخيل الاغارة على الناس وأن يستنكف من خدمة الأرض بدعوى أنها من اختصاص الفقراء والضعفاء وصغار الفلاحين. أما هو فيسترزق من جواده وبندقيته. إن هده النفسية يجب أن تندثر ويقضى عليها إلى الأبد. فالفروسية رياضة لا غير".
إن الأعيان والمنتخبين لا يعنيان نفس الشيء، إذ لكل مصطلح تعريفٌ خاصٌ وانتماءٌ معين لمجالٍ زمني محدد. إن الأعيان هم الوسطاء بين المخزن والقبيلة أو بين السلطة الأجنبية والأهالي؛ وأما المنتخبون المحليون فيفترض أن يكونوا أسياد أنفسهم، يشرعون وينفدون وفق الاختصاصات التي يخولها لهم القانون. إن الصفة التي يحملها المنتخب عابرة، منتهية الصلاحية بمجرد سقوطهم في الانتخابات، بينما الصفة التي يتمتع بها الأعيان رأسمال اجتماعي متوارث، لا يمكن اكتسابه أو فقدانه بين عشية وضحاها. الكلمة عند الأعيان أساس الرجولة، وكلمة المنتخب وعود انتخابية لا قيمة لها .
انطلق المسلسل الديموقراطي سنة 1976، لبناء الدولة الحديثة، ومع ذلك لم يحدث تجديد النخب عبر الحركية الداخلية للأحزاب مثل الديموقراطيات الغربية. هناك السياسة كل يوم شمس جديدة. وهنا لا شيء يضيع، كل شيء يتحول. إن السيد عبد الله القادري، كان اسمه يتصدر قائمة الأعيان بالمدينة قبل أن يخطو إلى الأمام ويصبح رئيس حزب سياسي. والسيد محمد طربوز، كان يترأس أقوى حزب شعبي حتى أراد أن يتراجع إلى الخلف ويصبح من أعيان المدينة. راهن هذا الأخير خلال بداية حكمه على ولاء موظفي الحزب بالجماعة، وعلى النقابة والشبيبة الطلابية، فأعاد ارتكاب نفس الأخطاء التي وقع فيها قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وربما زاد وأخطأ في التعامل معهم بالشكل الذي يليق، قبل أن يغير اتجاه البوصلة. ليس صحيحا مائة بالمائة أن قيمة السيد عبد الله القادري تضررت بعد خروجه من الحلبة، فالله أعطى والله أخذ، ولم يزد ذلك ولم ينقص من قيمته حبة خردل، وكله أنفة وعنفوان. وليس صحيحا مائة بالمائة أن وزن السيد محمد طربوز عرف التآكل الخطير المؤثر على شخصه، لأنه انطلق من الفراغ، ولم يعد إلى حجمه الأول الطبيعي، بعد اضمحلال الهيئة التي أوصلته قمة الهرم الاجتماعي. إن النزاهة تقتضي القول بأن جل الدين يعيبون على محمد طربوز ترحاله السياسي يغالطون أنفسهم، لأنهم أنفسهم ليسوا بالنموذج الدي يحتذى به في الثبات على الموقف. وكان صادق الوعد، إذ نادى ب " التغيير" فطبقه على نفسه. ولعل الخاسر الأبرز على المستوى المعنوي هو السيد محمد بن الشيب امبراطور العقار وسيد قومه، بدون مجادلة ولا تضليل. فهو لم يكن بحاجة لاتخاذ رئاسة المجلس البلدي مصعدا للوصول الى الثراء، وكانت قيمته وقامته قبل ذلك عند الناس كبيرة. لكن مغامرته الفاشلة بالمجلس البلدي، مع عدالة ظالمة، قلصت من رصيده، وأضرت بسمعته وبتاريخه عند الذين كانوا يعتقدون في رجولته السياسية. ليتك يا علالي ما غزيت. ولعل أبلغ تقييم لما هو عليه الوضع تلك المرارة التي عبر عنها مؤخرا سعيد العثماني، الكاتب الفرع المحلي للاستقلال والمدافع عن ابن عمه ضد مجرى النهر، من على صفحة التواصل الاجتماعي بالقول: «بمجرد انتهاء صلاحيتك تشعر أنك غير فعال، ويبكم رنين الهاتف الذي كان من قبل لا يتوقف ليلا ونهارا، ولا تبقى لك غير عائلتك الصغيرة".
وأخيراً، جاء فارسٌ جديدٌ، عبد الرحيم كاميلي، من كوكبة أعيان المدينة العصريين ليتربع صهوة جواد المدينة، دونما سابق إشعار. وما لم يكن ينتظره الكثيرون ممن استهانوا به، ومنهم عبد ربه، هو قدرته ولحد الآن على السرعة في حل بعض المشاكل الموروثة، بمنتهى البساطة، ومن دون تعقيدات. والحالة هذه، فإن انطلاقته السريعة أزعجت أصحاب حزب رئيس الحكومة، وسائر قطع الغيار التي تعودت على السباحة الحرة في الفراغات المهولة التي حباهم بها الرئيس المنتهية ولايته. إن من لا يزال يتأسف على التفويضات، وفلوس الجمعيات، وزعامة المهرجانات، وشرب حليب الجمال عليه الانصات للمطرب الشعبي عبد العزيز الستاتي، يقول: " قالت ليكم بنت لقرشي، را لفرشي ما يقتلشي. وايلي بويا وايلي عدا ويالخيل. وانا طلقتوني بلا برا، يالخيما لقفرا كي طرا. وأنا طلقتوني بلا برا، واش تسالوني يا ودي... وعزيني ونعزيك في دراري يا ودي... شوفي ولد الراضي شاد الشركا للبركي طايعو ".

لا يجادلنا فطيم، أرضعوه الوهم، فاستحلاه واستبقاه، بأن الأحزاب بمختلف اتجاهاتها إنما هي أحزابٌ إداريةٌ بالدرجة الأولى. وما الدورة السياسية برمتها سوى صراعُ أشخاص يتناوبون على قضاء أغراضهم الشخصية عبر السيطرة على الإدارة المغربية، وحشو اتباعهم في مراكز القرار. إن الادارة من أصلها صنعها حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية غداة استقلال البلاد. وقد "ظل الاتحاد الوطني يتمتع بتعاطف واسع عبر ارتباطه برجال الإدارة بما فيهم العاملون بالداخلية"، يكتب ريمي لوفو، في مؤلفه " الفلاح المغربي المدافع عن العرش" (ص162). إن " حدثا واقعيا كان يغدي الأوهام. فلأنهم كانوا يتوفرون على متعاطفين كثر بالإدارة، اعتقدوا أنهم قادرين على شل حركتها في أي وقت، لكن من السذاجة الاعتقاد أن الموظفين الدين يحظون بامتيازات لا تقابلها أيه كفاءات حقيقية، يمكن لهم أن يتحولوا الى مناضلين"، يكتب عبد الله العروي في مؤلفه الأخير " المغرب والحسن الثاني – شهادة". وبالفعل كان عامل الإقليم عبد الحميد الزموري اتحادياً، ترشح للانتخابات التشريعية بمدينة المحمدية سنة 1963 باسم هذه الهيئة ولم يحالفه النجاح. وكذلك كان باشا المدينة مولاي الطاهر العلوي اتحادياً، أبان عن انحيازه العلني لهذ ا الحزب، فاشتكاه الفرع المحلي لحزب الاستقلال الى للجنة المركزية بالرباط على هذ ا الأساس.
إن التعايش المثمر للإدارة الفرنسية العصرية مع مجالس الأعيان التقليديين، كما أراده الجنيرال ليوطي، لم يساوره النجاح، كونه لم يأخذ في الحسبان قرونا من الممارسات المركزية التي تسري سريان الدم في عروق الموظف الفرنسي (شارل أندري جوليان). وبالمقارنة مع العصر الحاضر، فإن المنتخبين المحليين، وإلى أن يثبت العكس، يتكلون على السلطة الوصية، ويستقوون بالحزب الحاكم، مثلما يحبون الظهور عبر شاشة التلفزة، وكأنهم من الأعيان الحقيقين. في الصيف الماضي، سئل مسؤول حزبي بمدينة الجديدة، عن الهدف من وراء عضويته بالمجلس الإقليمي لمدينة الجديدة، فأجاب بكل عفوية: " وشكون يبرك حدا العامل؟ ". وفي برشيد، سبق وأن راسل سكان دوار لفرارجة الرئيس محمد بن الشيب في بداية ولايته الأولى بخصوص فك العزلة وكهربة الدوار. فانتظر زهاء عشر سنوات، كي يقرر في آخر دورة من الولاية الأخيرة، التصويت على تحويل المطلب السكاني لعامل الإقليم. وكان من قبل نوى، فأوصاهم به ما أوصى، ولكن ظلام مصباح العدالة والتنمية كان الأقوى.
يكتب عبد الغني أبو هاني: " في العلوم السياسية المغربية، نظرية التلاعب بالنخب من طرف السلطة المركزية قائمة على أسس راسخة. الأعيان يبدون كأنهم منتوج إداري، والمركزية المتجذرة في القدم وجدت تكريسا لها في الترسانة القانونية التي وضعها الاستعمار وزكاها الاستقلال. إن المستوى المحلي هو قبلة الجمود الإداري".
الملاحظ أن المنتخبين بمختلف بمشاربهم الحزبية، باستثناء قلة من طينة عبد الكبير عزوز وأحمد مشكور، يتشابهون في التسابق لحجز المقاعد الأولى في مهرجانات التبوريدة والعيطة. في سنة 1915، جاء نحو 5000 نفر لزيارة موسم الفروسية لسيدي زاكور، الدي شهد حضور المراقب المدني الفرنسي وأتباعه في الصفوف الأولى، ونسميه اليوم المهرجان السنوي لمدينة برشيد. وهنا لابد من القول بأن الكائن البشري يولد في حضن ثقافة تفرض عليه أثناء طفولته، ولا تكون من اختياره، لأنه يفتح عينيه ويجد نفسه منغمسا في ثقافة مجموعته التي هي سابقة له. لكن ذلك لا يعني بأنه سيبقى أسيرها، ومسجون فيها بشكل مؤيد. فعندما يكبر الانسان يجد نفسه أمام الاختيار بين الانتماء لثقافة جامدة والتصرف كشخص حر يسعى وراء التنوع والشخصية المكتملة. ثقافة العيطة والتبوريدة التي يصرف عليها المجلس البلدي على حساب إصلاح شوارع المدينة المحفرة، ليست حيادية، وإنما مطبوعة بأفكار وأحكام وأفعال موروثة من الماضي. يقول في ذلك الأستاذ عبد الله العروي: " إن كل عمل فولكلوري، أكان موسيقيا أو تشكيليا أو أدبيا، إنما يرث عن المجتمع الدي يظهر فيه صفة التخلف ... يرثه مجتمع حي فيحافظ عليه، بل يحنطه لكي يتمثله ويتسلى به. إن قيمته ليست فيه، بل في الانسان الدي يخدمه ويستخدمه في آن واحد".
- Ouvrages :
Abdellah Laroui. « Les origines culturelles et sociales du nationalisme marocain ».
Abdellah Laroui. « L’idéologie arabe contemporaine ».
Abdellah Laroui. « Le Maroc et Hassan II – un témoignage ».
Emanuel Durand. « Traité de Droit public marocain ».
Jacques Bainville, « Maximes et principes politiques ».
Remy Leveau. « Le fellah marocain défenseur du trône ».
Octave Marais. « Le commandeur des croyants ».

- Articles :
Abdelghani Abou Hani. Espaces et sociétés.
Hassan Aourid. De l’islam politique à la modernité.
Hassan Aourid. L’insoutenable légèreté de l’être.
Kenneth Brown, « TRIBU » ET « ETAT » au Maroc du XX é siècle : quelques réflexions.
Remy Leveau. Retour sur l’expérience électorale fondatrice : 1960-1963
Octave Marais. La classe dirigeante au Maroc.

Enregistrer un commentaire

 
Top