GuidePedia



حوار الدين والسياسة في الفضاء العمومي
(مبدأ الاستعمال العمومي للعقل)
برشيد نيوز: بقلم الدكتور ظريف رشيد
لم يعد ممكنا الحديث عن إقامة نظام سياسي ديمقراطي في إطار مبحث الفلسفة السياسية المعاصرة دون الحسم مسبقا في إمكان تحقيق أحد الشروط الأساسية لتمكين الديمقراطية بمختلف أشكالها، ويتحدد هذا الشرط في وجود "الفضاء العمومي" كما نظر له فلاسفة الأنوار، بدء من إيمانويل كانط ومرورا بفريديرك هيجل، إلى حدود الفكر المعاصر مع رواد الفكر الفلسفي النقدي، وبالضبط ضمن ما عرف ب "مدرسة فرانكفورت" التي شكلت تقليدا فلسفيا نقديا، خاصة تنظيرات يورغن هابرماس وردود الفيلسوفة الأمريكية نانسي فرايزر على تلك التنظيرات في ما يتعلق بموضوع الفضاء العمومي وعلاقته بالديمقراطية التشاركية والتشاورية. فبدون تواجد هذا الأساس المتمثل في الفضاء العمومي، والذي يتمكن من خلاله الأفراد من ممارسة الحريات والتعبير عن الآراء ومناقشة ما يتعلق بمساءل الشأن العام بطريقة "عمومية"، لا يمكن الحديث عن العمل على تحقيق نظام سياسي ديمقراطي.
يتحدد مفهوم "العمومية" عند كانط من خلال ربطه باستعمال العقل من طرف الأفراد المشاركين في النقاشات الدائرة في الفضاء العمومي، ويتعلق الأمر باكتساب القدرة من طرف الجميع على فعل التعقل انطلاقا من الذات المفكرة ودونما حاجة إلى وصاية خارجة عنها، وهذا ما يجعل الأفراد المشاركين في الفضاء العمومي أقدر على المشاركة في مناقشة مواضيع الشأن العمومي باستعمال العقل الذي يمكنهم من الانعتاق من سلطة الدولة ووصايتها، بل توجيه النقد لها.
من جهة أخرى، يمكن "الاستعمال العمومي للعقل" من جعل "الحجة" هي السلطة الوحيدة في النقاشات الدائرة في الفضاء العمومي، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إزالة الحواجز التي تفصل بين العامة والخاصة فيما يتعلق بامتلاك المعرفة والقدرة على ممارسة النقد تجاه السلطة القائمة. مما يساعد الطبقة المتعلمة على القيام بالأدوار التنويرية بين الجمهور، إذا ما وجدت الحرية اللازمة في الفضاء العمومي المناسب لأداء المهام الاجتماعية والتوعية السياسية المنوطة بها.
هناك نقط أخرى ومساءل يثيرها موضوع الفضاء العمومي وعلاقته بممارسة الحريات الفردية، وذلك من قبيل علاقته بمسألة "الإشهار" والدعاية التي تُمارَس داخله، وكيفية مراقبتها وجعلها محايدة، ومسألة "فعل التواصل" والأخلاقيات التي تؤطر هذا الفعل في الفضاء العام، بالإضافة إلى مسألة التمييز بين الفضاء العمومي والفضاء الخصوصي، وغيره مما يتعلق بممارسة الحريات الفردية وحدودها.
وبالنظر إلى واقع المجتمعات العربية المسلمة، نجد أن هناك عوائق تقف أمام تحقيق "فضاء عمومي" يتوافق مع متطلبات تحقيق نظام سياسي ديمقراطي، ويتجلى هذا العائق في عدم قدرة العموم على "الاستعمال العمومي للعقل" داخل هذا الفضاء، الشيء الذي يعيق عملية التواصل الاجتماعي، ويترك الأفراد مختلفين وغير قادرين على تشكيل رأي عام يواجه سلطة الدولة بالنقد، للحد من استغلال فئة معينة للوضع القائم على حساب باقي الفئات الاجتماعية.
وهذه العوائق تتجلى فيما يمكن أن نسميه حسب تعبير كانط ب "صراع الكليات". فالفصل الذي تنهجه الدولة التقليدية بخصوص علاقة الدين بالسياسة مع احتفاظها بحق تسيير الشأن الديني، يجعل صراع الكليات أو العقليات هذا صراعا غير متكافئ. ودائما حسب كانط (يطابق وصف كانط هنا لصراع الكليات الحالة التي تعيشها أغلب المجتمعات العربية المسلمة في الوقت الراهن) الذي يؤكد بأن الدولة تلجأ إلى تصنيف الكليات حيث تجعل بعضها في مرتبة عليا وتعطيها قيمة إضافية، بينما تجعل أخرى في المرتبة الدنيا، وتأتي كلية الفلسفة بوصفها فكرا نقديا في المرتبة الدنيا بينما يتربع اللاهوت إلى جانب كليات أخرى على المرتبة العليا حسب تصنيف السلطة، في محاولة منها للتنقيص من قيمة الفكر النقدي الفلسفي الذي يقوم على أساس نقد السلطة من خلال نقد الإيديولوجية التي تستعملها والمعارف التي تنشرها ولكونها يشكل خطرا محدقا عليها.
تستغل السلطة الحاكمة المكانة التي يحظى بها الدين في نفوس الأفراد في المجتمعات العربية المسلمة لتقوم من خلاله بالسيطرة على الجمهور، ولهذا تسعى دائما إلى إبقاءه بعيدا عن التجديد، لتحافظ على النسق التقليدي الذي يعادي فعل التعقل النقدي، كما تقوم الدولة بوضع أشخاص دون المستوى في مناصب تسيير الشأن الديني، الشيء الذي يحول الدين إلى وسيلة للسيطرة في يد السلطة وأداة استرزاق وقضاء المآرب الشخصية من طرف بعض الأشخاص العينيين، مما يبعده عن الأخلاق والعقل ليقع ضحية الاستغلال الممنهج.
إن التفكير داخل إطار التدين التقليدي يجعل المؤمن غير قادر على تقبل النقد المبني على العقل، ويصبح كل مفكر وناظر في أمور الدين مستعمل لمنطق العلوم العقلية محكوم عليه بالمروق عن الدين القويم حسب رأي رجل الدين التقليدي. وبهذا يتشكل العداء بين الفكر النقدي العقلاني والفكر الديني التقليداني، لتفشل كل المحاولات النضالية والحركات التحررية لعدم قدرة الأفراد على توحيد طاقاتهم من خلال التفاهم والتنازل لتشكيل رأي عام يخدم صالح الوطن عوض خدمة مصالح فئة محددة.
وعليه، لا يمكن الحديث عن الديمقراطية إذا لم يتم الحديث أولا عن تأسيس فضاء عمومي تنظمه السلطة القائمة دون أن تتحكم فيه، ويتم إشراك الدين، بعد أن يتم إبعاد ما علق به من أفكار وتأويلات بشرية بفعل الظروف التاريخية والسياسية، ليصبح منبعا للأخلاق الاجتماعية والتسامح كما هو في الأصل، وليتمكن من خلاله الجمهور من استعمال العقل استعمالا عموميا، يوجه بواسطته النقد للسلطة، ويتمكن كذلك من مواجهة الاستغلال القبيح للدين، ويركز على بعده الأخلاقي الإنساني، بدل الانسياق مع الخطابات التبريرية المساندة للسلطة.
إن الخطوة الأولى والأساسية التي يجب العمل عليها لإقامة نظام سياسي ديمقراطي هي العمل على تجديد الخطاب الديني. ونعتقد بأن البحث والتنقيب في تاريخ تشكل الأفكار الدينية بواسطة المناهج العلمية هو السبيل لإزاحة كل ما علق بالدين من اجتهادات وتأويلات بشرية، والتي أصبحت بمثابة الأساس الذي يبنى عليه الدين كله، ليتم تناسي البعد الأخلاقي الذي هو روح الدين الإلهي.
إن عملية التجديد التي لا يمكن القيام بها دون التسلح بسلاح العقل والعلم المعاصر، ستقود بالضرورة - إذا ما كانت موجهة نحو جعل الدين أساس التعايش بين بني البشر – إلى الكشف عن روح الدين المتمثلة في الأخلاق الاجتماعية، بدل التركيز على مساءل الاعتقاد التي لا يمكن الاتفاق فيها تماما حتى بين معتنقي نفس المذهب، وهذا ما يجعل الخطاب الديني التقليدي خطابا إقصاءيا، يثير الاختلاف والفرقة بين المتدينين كما يثيرها بين المتدينين وغيرهم على السواء، حتى وإن كان يجمعهم وطن واحد ومصير مشترك.
لكي تتمكن المجتمعات العربية المسلمة من إقامة فضاء عمومي يعمه التواصل ولا تسوده حالة صراع العقليات، يجب أن تتخلى الدولة عن احتكار الشأن الديني بجعله موافقا لإيديولوجيتها ويساير مصالح الفئة الحاكمة، وأن تتخلى كذلك عن إبعاد الدين عن السياسة بحجة تكريس الديمقراطية. إن التخلي عن هذا النهج من طرف الدولة سيقود بالضرورة إلى إشراك الدين في النقاشات السياسية الدائرة في الفضاء العمومي ليكون له تأثيره الإيجابي على السياسة العقلية، وهذا سيقود بالضرورة إلى إقامة حوار تفاعلي بين العقل الفلسفي باعتباره فكرا نقديا، والعقل الديني باعتباره إيمانا بالأخلاق الإنسانية للتعايش. هذا الحوار ينتج عنه التفاهم بين الأفراد بمختلف مشاربهم والاتفاق على كيفية الاستعمال العمومي للعقل، بدل بقاء كل واحد معزولا وبعيدا عن الآخر ومتمسكا بمنطقه الخاص.
وإذا ما تحقق الاتفاق على كيفية الاستعمال العمومي للعقل من طرف الجميع داخل الفضاء العمومي، فإن الحَكَم الأول والأخير في النقاشات العامة سيصبح هو الحجة العقلية، ولن يبقى للتمويه والتغليط الذي تمارسه السلطة عن طريق الإشهار والإعلان واحتكار الدين أي تأثير كبير على عقول الجمهور.

الدكتور رشيد ظريف باحث في مجال الخطاب الديني والسياسي

Enregistrer un commentaire

 
Top