GuidePedia




الحلقة التالثة : في الحاجة إلى سياسة للمدينة بقلم التهامي حبشي
3ـ في الحاجة إلى سياسة للمدينة:
   يرى الدكتور إدريس بنهيمة، أن معركة المدينة، أي الإنكباب على إعداد إطارات حضرية تتميز بضمان جودة الحياة للمواطن، التي هي حق من حقوق الإنسان، تشكل أحد الأوراش الوطنية الكبرى لبداية القرن الحالي. وذلك بالنظر إلى نمو الساكنة الحضرية التي ستتضاعف ثلاث مراتما بين سنتي 1980 و2020، حيث ستنتقل من 8 ملايين ساكن إلى 25 مليون نسمة، بمعدل زيادة سنوي يقدر ب500 ألف ساكن في السنة.( أنظر:مقالة بنهيمة ضمن القرص المدمج  لتقرير الخمسينية بعنوان: La bataille de la ville :une des grand chantiers au début du sciécle)؛ وهوما يعني أن مظاهر الأزمة المعاشة على صعيد مجالاتنا الحضرية، خاصة منها الكبرى والمتوسطة، ستزداد حدة على جميع المستويات، على صعيد إنحسار الوعاء العقاري، والضعف المستمر للموارد المالية، والعجز الحاصل على مستوى بنياتها التحتية الأساسية( شبكات توزيع الماء والكهرباء، التطهير السائل والصلب/النظافة، الإنارة العمومية، النقل الحضري/الحافلات والطاكسيات، الفضاءات العامة والمساحات الخضراء وفضاءات اللهو والترفيه والحياة...) وتجهيزاتها السوسيوجماعية (التعليم، الصحة، الإدارة، الثقافة والشبيبة والرياضة، المكتبات والأندية النسوية..). الشيء الذي يتطلب من أصحاب القرار الترابي والسياسي، الأخذ بعين الإعتبار تطورات مكونات النسيج السوسيو إقتصادي والثقافي لمدننا النامية، وذلك بتوفير بنيات دائمة للتتبع التشخيصي التشاركي الناجع، فيما يخص التخطيط الحضري والتقييم الدوري لمخططات التهيئة الحضرية والتنمية المجالية، والبرمجة العقلانية والتوزيع المجالي العادل والشامل للتجهيزات والخدمات الأساسية بالمدن. (أنظر دراسة عبد القادر كعيوة ضمن القرص المدمج لتقرير الخمسينية، والتي عنوانـها:         Acces aux services de base dans l’axe Kenitra-Jorf Lasfar dans une perspective d’amenagement du térritoire). وفي عبارة جامعة، ينبغي منذ الآن الإنكباب على وضع أسس وإستراتيجيات واضحة المعالم والأهداف لسياسة المدينة ببلادنا. سياسة إرادوية في مجال التشخيص والتخطيط والتأهيل الحضري، تكون مواكبة للتزايد الديمغرافي والتوسع المجالي، والحراك الإجتماعي داخل نسيجنا الحضري. سياسة تتجاوز التصميم المركزي التقليدي، المسكون بهاجس الضبط الأمني الأحادي البعد، إلى إعداد سياسات ترابية تعاقدية بين عدة مكونات أساسية: الدولة، الجماعات المحلية، الشركات العمرانية والصناعية والجمعيات المدنية.. من أجل التدخل للبناء والتعمير وإعادة هيكلة الأحياء والقطاعات المتدهورة بمدننا الكبرى والنامية؛ ذلك أن التحدي الأساسي للتعمير، اليوم وغدا، سيكون في السكن، فبدون سياسة سكنية ملائمة، فإن الحالة مرشحة لمزيد من التفاقم سنة 2005، حيث سيكون مواطنا من أربعة مقيما بسكن غير لائق(14% في سكن عشوائي و10% في مدن الصفيح). ( تقرير الخمسينية: المغرب الممكن،إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2006، ص249.).وفي هذا الإطار، لا بد من تأسيس وتطوير أنماط التدخل العمومي في سيرورة التعمير والإسكان بمدننا، من خلال تعبئة الأراضي، وقبول التوسع المجالي الذكي للمدارات الحضرية وتصاميم التهيئة، والتركيز على أحياء سكنية جديدة بمعايير جيدة، مع إعطاء الأهمية للمشاريع الكبرى المهيكلة والكاملة، ووضع برامج محلية للسكن، تستهدف إعادة التوازن بين طلبات السكن في مختلف المدن والأحياء والضواحي، وسن سياسة متجددة لتنمية الأحياء الهامشية والمتدهورة، من خلال إعادة تأهيل السكن الإجتماعي، والعناية بالتجهيزات الأساسية، وبمجموع الأنشطة والأعمال الخاصة بإدماج السكان، وخاصة منهم الشباب في سوق الشغل ومجالات التربية والصحة والترفيه والتثقيف، لحمايتهم من الإنحراف، وبالتالي، المساهمة في التخفيف من كل أشكال الإقصاء الإقتصادي والمجالي والإستبعاد الإجتماعي...
  ولأن تدبير شؤون المدينة لا ينبغي أن يبقى منحصرا في قضايا التعمير والسكنى، فإننا لا يكمن أن نتوقع التطور الحضري وإعداد الفضاءات الحضرية، إلا من خلال نهج سياسة مندمجة وشمولية للمدينة، سياسة تخوض بقوة معركة المدينة لربح رهانات مكافحة مختلف أنواع الإقصاء، وإعادة تنظيم أشكال التضامن الإجتماعي، والتغلب على آفتي الفقر والأمية. فبما أن مدننا ستصبح مواقع إستراتيجية للتغيير وخلق الثروات، وفي الآن ذاته، مجالات لإنتشار ظواهر الفقر والإقصاء، فإن جبهة خوض معركة المدينة ينبغي لها أن تتسع لتشمل،على مستوى التشخيص والتحليل والتخطيط والبرمجة والتنفيذ، كل ما يتعلق بتحسين إطارات العيش الكريم وجودة الحياة للمواطنين، من أمن وسكينة عامة، وخدمات في مجالات النقل والنظافة والتطبيب والتعليم والثقافة،وتحقيق الإنسجام بين القطاعات السكنية والوحدات الإنتاجية للمدينة.ومن تمة لا يمكن فصل رهان المدينة المندمجة عن الخيارات المرتبطة بالحكامة والديمقراطية المحلية، مادام أن إعداد التراب غدا شيئا فشيئا شأنا محليا،مما أصبح يخول لكل جماعة محلية الحق في العناية بعمليات الإعداد الترابية التي تراها ضرورية وملحة لتنميتها.(YVES MADIOT et  RENAN LEMESTRE ; Aménagemen du Térritoire ;4éme.ED.A.Colin, Paris,2001,P :46       وهو الرهان الذي لا يمكن كسبه، بدون إرساء ودعم آليات المشاركة الديمقراطية للساكنة الحضرية في تسيير شؤون مدنها وأحيائها، وبدون نموذج متجدد، مندمج وتشاركي ومسؤول للتخطيط الحضري، نموذج يرتكز على التشاور والتنسيق بين ثالوث السلطات المنتخبة والسلطات المعينة واللجنة بين الوزارية المكلفة بسياسة المدينة، لتطوير التعاقد والتشارك كنمط للتعبير عن التوافق في إعداد التراب المحلي، وفي التخطيط والتسيير الحضري الذي يضمن الجودة والفاعلية والشفافية المالية والتدبيرية، ورواج المعلومة بين كل الفاعلين والمتدخلين في الشأن الحضري (مقالة إدريس بنهيمة ضمن التقرير المشار إليه أعلاه ص.266/267).
   ولما كانت المدينة ليست مجرد مجال خاضع للتعمير والسكن، وللتصنيع والإنتاج فحسب، بقدرما هي كتلة بشرية ذات هوية وذاكرة جماعية، وقيم إنسانية، وروح للمواطنة وللتضامن في بعده المحلي، الجهوي والوطني، ولما العالمي والكوني؟؛ فإنه من الضروري تخصيب التفكير في سياسة المدينة، ببعض أطروحات ومفاهيم السوسيولوجيا الحضرية، التي تضع نصب أعينها ضرورة استحضار أو اعتبار البعد الإنسي في تشكيل وصياغة الإشكاليات التنموية الحضرية، المرتبطة بتقدير الحاجات الطبيعية والبشرية، وتحديد أنماط تلبية الرغبات أو الإنتظارات والتطلعات الإجتماعية والثقافية لساكنة المدن. ذلك أن الروح الحضرية/L’urbanité أو الحس المديني، لا يمكن إختزالها في مجرد التموقع المجالي أو الحصول على سكن منزلي، فردي أو عائلي، ولا في وصفات هندسية أو تصاميم نموذجية جاهزة للبناء والسكن والإقامة، بل ينبغي إعطاء الإهتمام إلى المعيش الثقافي في حياة البشر، ألم يقل الروائي العربي عبد الرحمان منيف في خماسيته الروائية الخالدة، مدن الملح: المدن هي البشر، المدن هي العلاقات بين البشر؟!.وبالتالي، ينبغي العودة إلى الأساسي والتفاعلي، والحميمي في حياة وعلاقات سكان المدينة، والأساسي هنا، هو عادات وسلوكات ومشاعر وإتجاهات الإنتماء الجماعي والعشائري، التي تحدد أنماط عيش كل مجتمع حضري على حدة، مما يساهم في إثراء سياسات حضرية قائمة على رؤية ومعنى للمدينة، كفضاء للحياة، وكمجال يتميز بخصوصية أساسية، هي أن يكون مكانا إجتماعيا لتقاسم الهوية والشعور من أجل تنمية بشرية تأخذ بعين الإعتبار وبالموازاة، الثقافة والترفيه وكل ما يدعم التضامن والتماسك الإجتماعي. ذلك أن المجال الحضري، كمجال خاضع للتعمير والبناء، هو حمال ثقافي وشاهد تاريخي على شيء آخر غير بساطته المادية. إنه سياج ومرجع للعلاقات الإجتماعية المتعددة، من خلال أمكنته ومعالمه وتذكاراته المتنوعة، التاريخية والإجتماعية والثقافية والعاطفية والجمالية. إنه شاهد على الروح أو الحياة الحضرية، وحامل لممارسات وقيم ثقافية، تتوثق فوقه وتترسب وتترسخ لمدة من الزمن. حمال قوي لروح جماعية تسكنه وتنقله من جيل لآخر.(أنظر: مقالة سعيد مولين ضمن القرص المدمج لتقرير الخمسينية تحت عنوان:Citoyenneté et Urbanité.ص:283/287). ووفق هذا المنظور، ينبغي السعي نحو تنمية الحس المديني والروح الحضرية والحضارية داخل أوساط الساكنة، بدءا بجمعيات الأحياء الملتفة حول التضامنات العائلية والمدرسية والمهنية، والبيئية والصحية، مرورا بجمعيات التربية والثقافة والفن والأدب والمسرح والسينما..وصالونات الفكر والإبداع، ومنتديات الأنترنيت..؛ وصولا إلى جمعيات حماية المستهلكين والمكترين وإدماج المعاقين..وجمعيات التربية والدفاع على المواطنة وحقوق الناس والإنسان أينما كان، من أطفال ونساء وشيوخ وشباب...والشبكات الدولية للمنظمات غير الحكومية المهتمة بقضايا التنمية والديمقراطية عبر مختلف ربوع العالم. ذلك أن المدينة هي وحدة ترابية أساسية للتضامن والتعبئة على الشعور الوطني، الذي يتجاوز المحلي والجهوي، ليعانق الكوني والعالمي. إنها وحدة للتدرب والتمرين على قيم الحرية والمواطنة والديمقراطية، والحداثة والتنمية، والتعايش والتسامح والحوار والمشاركة والتلقائية، وقبول الآخر والإنفتاح على متاحات المعرفة والعلم والتكنوجيا الإنسانية، في خضم عولمة كاسحة وجارفة لا تقبل التردد أوالتشدد والإنغلاق على الذات أو الكراهية والعنف والإرهاب والعنصرية العرقية أوالدينية.
4ـ مجالات التناول السوسيولوجي بالمدينة:
  ولهذا؛ فإن السوسيولوجيا الحضرية ستجد نفسها، اليوم وغدا، مطوقة بمسؤولية فهم وإدراك وتحليل مختلف التمظهرات والتعبيرات التي تبلورها الجماعات أو المجموعات السكانية الحضرية، من أجل إنتاج سوسيولوجيا تفهمية لليومي/Sociologie Compréhensive du Quotidien بالمعنى الذي يشتغل عليه ميشال مافيزولي/M. MAFESSOLI، سوسيولوجيا قريبة من هذا الجماعي والإجتماعي، المبثوث في كل أمكنة وأزمنة المجال الحضري، وخاصة في محيطاته الضاحوية أوالهامشية، التي تشكل بدون شك، مجالات علاقات القلق والتأزم الإقتصادي، والتصادم والتوتر الإجتماعي والسياسي والثقافي، مما يجعل منها بؤرا ساخنة  لتفاعلات وتفسخات العلاقات والروابط الإجتماعية والروح العشائرية الجديدة، في تجلياتها التواصلية الحميمية، ومسلكياتها العنيفة ضد الواقع أحيانا، والتلفيقية والمساوماتية أوالتفاوضية بين التقليد والحداثة، بين الممكن والمستحيل، بين المشروع والمحظور، أحيانا أخرى. هناك في الهوامش والضواحي، ما يعلن وحشية وسادية حداثة مدننا الزاحفة، على حساب الطبيعة الجغرافية والبشرية، والقيم الجماعية والتضامنية والعلاقات الأفقية المنهارة أوالمتلاشية، هناك ما يسائل الهوية والذاكرة والدولة والسلطة والسياسة، وكافة منظوماتنا التربوية والتعليمية والثقافية، ويستفز هيئاتنا الحزبية والنقابية والجمعوية والإعلامية...هناك ما يكشف عن هشاشتنا الإقتصادية، وإنحسار نظرتنا الإجتماعية، وتفكك هياكلنا ومؤساساتنا التضامنية والتكافلية، وقصور رؤيتنا المستقبلية بالنسبة لفئات إجتماعية عديدة، تصر على العيش بقوة وصبر نادرين، وعلى خلق الشيء من لا شيء، أحيانا بالتضحية بكل شيء..وأحيانا أخرى بعدمية زائدة وباليأس من كل شيء.. وبالجملة، يفصح الهامشي والضاحوي بمدننا، عن هذا الإجتماعي الشارد أو الخارج عن اللعبة الإجتماعية/Le hors jeu social، أي البعيد عن سلطة مؤسسات الضبط والمراقبة، وإضفاء المشروعية والشرعنة، التي غالبا ما تتمركز وسط المدينة. إنه مجال الفئات الهشة والمهمشة من قبيل: الشيوخ المرضى والمتقاعدين، والأطفال اليتامى والمشردين، والفتيات المهاجرات والعاملات، والنساء الأرامل والمعنفات والعنيفات، والزوجات العازبات، والعاهرات والشوافات والقوادات والوسيطات، والعريفات والنكافات والوصيفات..مثلما أنه مجال الشباب المقصيين أو المستبعدين، والعاطلين والمياومين، والوسطاء والباعة الجائلين، وبائعي وبائعات المواد المهربة، والمتسولين والمشعوذين، والمهمشين والمخدرين والألكوليزيين والمهلوسين، والتائهين أو البدون مأوى ولا عنوان ولا أمل أيضا... وبالجملة كل أولئك الواقعين والواقعات تحت كلاكل الفقر والأمية، والضغط والقلق، والعنف المادي والرمزي، والإستبعاد الإقتصادي والإجتماعي والإقصاء المجالي. أليست مددنا مجالات ترابية منتجة لأشكال عديدة من صعوبات وإكراهات الدخول أو الإندماج في الحياة المجتمعية عامة، خاصة بالنسبة لشباب ونساء الضواحي؟. ألا نلاحظ أن أغلب تمظهرات العنف والشغب والجريمة تتحدر من الأحياء المهمشة والفقيرة؟. أليست هناك أزمة صمت إجتماعي لدى هؤلاء الشباب والمراهقين المولدين للعنف والشغب داخل الملاعب الرياضية، وهي أزمة في التواصل معبر عنها بأساليب وطرق قاسية وسادية وتدميرية تجاه الذات والآخر؟، أزمة ناتجة عن مجتمع مركب وهجين لا ينتج إلا مزيدا من الفوارق الإقتصادية والتفاوتات المجالية والإجتماعية، والتمايزات المادية والرمزية، ولا يسعى إلا إلى نشرها وتعميمها من خلال عدة آليات ومؤسسات وعلاقات، بما فيها المنشآت أو الأنماط السكنية والمؤسسات المدرسية والمرافق الصحية والسوسيوجماعية المتباينة..؟. ولذلك، فإن أفعالا وسلوكات وتعبيرات كثيرة، من قبيل أفعال الضرب والجرح والقتل العمد، والسرقة الموصوفة والسكر العلني، والفوضى والتسول في الشارع العمومي، والإخلال بالآداب العامة، وجرائم الشرف، من قبيل الإغتصاب وهتك الأعراض والتحرش الجنسي، بنوعيه اللفظي والمادي، وكذا الشغب العمومي والإعتداء على الأملاك والمنشآت العامة...وهي كلها أعمال يجرمها القانون الجنائي ناتجة، في جزء كبير منها، عن صعوبات الإندماج المجتمعي التي يوجد عليها وافدو وشباب ومراهقو الأحياء الضاحوية أو الهامشية، خاصة منهم المنحدرون من الفئات أو الطبقات الشعبية والدنيا، هؤلاء الذين تتنامى لديهم صورة سلبية عن ذواتهم وعن معنى وجودهم وأسباب قدومهم إلى هذا العالم..إنها صورة تحقير أو تبخيس الذات التي تسكن جزءا لا يستهان منهم، صورة تعبر عن نفسها بالعنف والإعتداء، إما بشكل فردي أوجماعي حاقد وناقم، لا يميز بين اليأس والعدمية، فبالأحرى بين التسامح واللاتسامح...إنها تمظهرات مادية ورمزية عنيفة وملموسة، ناتجة عن مجتمع هجين، ماهو بحضري، وما هو بقروي، مجتمع ما بين بين، مجتمع مخترق بصعود معايير إجتماعية وقيم ثقافية جديدة، ولكنها غير متساوية، قيم مرتبطة أساسا بالفردانية والحرية والإستقلالية، ولكنها متصادمة مع مسلسل من التفككات والتمزقات والتذبذبات والإقتلاعات من الجذور، التي ما فتئت تتعرض لها مختلف أنساقنا الأسرية والعائلية، والمدرسية والثقافية التقليدية أو الكلاسيكية؛ وذلك عبر جرعات زائدة من قيم العولمة الليبرالية المتوحشة، والإنقتالية الدينية الإرهابية، الزاحفة عبر القنوات الفضائية الأجنبية. ألم يقل الدكتور محمد جسوس إن ما يحدث للمراهقين والشباب المغربي، يجب أن يطرح في إطار شمولي، يجب أن يطرح لا كمسألة فئوية أو قطاعية، بل كمسالة تهم تحول وإنتقال المجتمع ككل، مجتمع يمكن وصفه كمجتمع القديم فيه لا يموت بسرعة، والجديد فيه لا يزداد بسرعة، وبالتالي فمن الجوانب الباثولوجية لمرحلة الإنتقال والتحول، أنها مرحلة حيرة وإضطراب، وإكراهات وانعدام التوازنات، ومرحلة إنحرافات، ويأس وخوف، وهذه هي التعبيرات التي نجدها عند شباب اليوم.(محمد جسوس؛ الشباب وتحولات المجتمع المغربي، ضمن كتاب الشهر:طروحات حول المسألة الإجتماعية، منشورات الأحداث المغربية، دار النشر المغربية، نونبر 2003،ص.84/85.). لا شك معدلات الهجرة القروية والبطالة والفقر والأمية، والهدر المدرسي والفشل الدراسي والعزوف السياسي، وعدم الإندماج اللغوي والثقافي والرمزي، جد مرتفعة في أوساط الفئات الشعبية القاطنة بالأحياء السكنية الهامشية المحيطة بمراكز المدن الكبرى والمتوسطة، ولذلك فقبل أن نتساءل عن درجة الحس المدني والوعي الحضري والحضاري بمدننا، علينا أن نتساءل عما أنتجته سياساتنا العمومية والمحلية، على صعيد الأحياء السكنية الإجتماعية بمواصفات تقنية وهندسية وجمالية تليق بساكنة مدننا، وعما أقامته من مؤسسات إنتاجية وصناعية وخدماتية توفر فرص الشغل والعمل لشبابنا، وعما وفرته على صعيد ولوج الساكنة للخدمات العمومية، من نظافة ونقل وصحة وتربية وترفيه وثقافة ورياضة...وعما بلورته منظماتنا السياسية والمدنية والحقوقية، من قيم مواطناتية وإنسانية ومبادرات تضامنية، على صعيد نظمنا الأسرية وأنساقنا التربوية والمهنية والثقافية والإعلامية والعلمية. فقبل أن نتساءل عن درجة الوعي الإجتماعي المدني والسياسي عند ساكنة ضواحينا الحضرية، ينبغي أن نعترف بأن للغالبية العظمى من هذه الساكنة، الوافدة والجديدة، تجارب مشتركة، قاسية أحيانا ومؤلمة ومؤثرة، في العيش والوجود والتطلع والطموح والإرتقاء الإجتماعي، وأن لهم مشاكل تتعلق بالإقصاء الإقتصادي، والإستبعاد الإجتماعي والإجتثات الثقافي، وعدم التأهيل المادي والمعرفي والمهني..وهو ما يضاعف من وضعياتهم المتأزمة والقلقة، ويؤجج أحيانا من درجة التصعيد ضد كل نظم الضبط والتقنين و الشرعنة والتقليد داخل المجتمع، مما أصبح ينتج في الكثير من الأحيان والأماكن، ردود أفعال احتجاجية، كامنة أوظاهرة، تريد إبراز حقوق إقتصادية أو إجتماعية أو مدنية معينة، والمطالبة بالمساواة المجالية والترابية والإجتماعية والثقافية، والتنديد باختلاسات مالية أو بخروقات وسلوكات تسلطية بائدة، أو بإرتفاعات صاروخية في فواتير إستهلاك الماء والكهرباء وفي أثمنة المواد الغذائية الأساسية...إلخ، وكل ذلك في وضعية تأزم إقتصادي داخلي ودولي، وشبه فراغ بنيوي على صعيد مؤسسات وفعاليات التاطير السياسي والنقابي والتعبئة الإجتماعية، للدفاع عن الحقوق المهضومة والمطالب المشروعة...مما قد يغذي الفوضى والإنحراف، ويسقطنا في قيم مضادة للإجتماعي أو متعارضة مع المجتمع، وينذر بحدوث قطيعات إجتماعية وثقافية، تهدد التضامن الأفقي والعمودي للبنيان أو العمران المجتمعي برمته.
  وهكذا، فإذا كانت السوسيولوجيا الحضرية، وخاصة منها سوسيولوجيا الضواحي والهوامش، تثير مثل هذه القضايا وتخرجها من صمتها الصادم والمدوي، فإنها لا تفعل ذلك إلا من أجل المساهمة في إنتاج معرفة قريبة من/ وعن المجتمع الحضري، معرفة من شأنها أن تساهم بدورها في تخصيب وترشيد السياسات الإبتكارية والخلاقة في مجال التدبير الحضري المندمج، تلك السياسات التي تعمل جاهدة على تعديل وتجديد قدرات الكيانات الترابية الحضرية على الإستمرار في الوجود، بما يضمن وضع الحلول الملائمة والممكنة للمشاكل والإنشغالات المتعلقة بشؤون الحياة وبعمليات إتخاذ القرارات، الإدارية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية، سواء فيما يتعلق بالقطاع العمومي أو القطاع الخاص؛ ذلك أن المدن ومحيطات المدن التي ننشأها ونجددها اليوم، ينبغي لها أن تستجيب لحاجيات ساكنتها في غضون الثلاثين أو الخمسين أو المائة سنة المقبلة. وما دامت الشروط المرتبطة بالإستهلاك وبالإنتاج وبالبيئة أيضا، ستكون مختلفة ومتنوعة، ينبغي علينا أن ندرك ضرورة حماية ما هو كائن وتعديل أو تغيير ما يريد أن يكون. إن بناء وإعمار المدن اليوم وغدا، ليس من مهام السلطات العمومية لوحدها، بل من مهام هذه الأخيرة تحديد الإطارات التنظيمية والمؤشرات والمخططات الإستراتيجية، التي يمكن لها أن تعمل دورا إيجابيا في تقريب وتفعيل وجهات النظر بين الإدرات والمصالح الدولتية، والمقاولات الإنتاجية والخدماتية، والجماعات المحلية والجمعيات المدنية، والفعاليات المعرفية والعلمية، والتي تصب في إطار إعداد وتأهيل مجالات حضرية راقية، تقيم رابطة وثقى بين السياسة الحضرية والسياسة الإقتصادية. ولذلك فإن صياغة ودعم التعاقدات والشراكات في مجالات التخطيطات المتوسطة أو الطويلة المدى، لتنمية البنيات التحتية والولوج إلى الخدمات الأساسية بالمدن، تبدو ضرورة ومكونا أساسيا للمدن التي تريد الإنخراط في إستراتيجيات تنموية وبيئية مستدامة. وبالتالي فقد آن الأوان للتنسيق والتشاور والتعاون، بين المؤسسات الإدارية والترابية والجماعات المحلية، والمؤسسات العلمية والجمعيات المدنية، في مجال وضع  سياسات مندمجة وشمولية في الشأن الحضري، سياسات تحدد الأولويات وتحصي العوائق والإكراهات، من أجل وضع أحسن البرامج والمخططات الكفيلة بالنهوض بمستوى وحداتنا الترابية الحضرية. وفوق هذا وذاك، فقد حان الوقت، كي تفسر وتشرح الحكومات، بكل وضوح ودقة، الإجراءات الممكن إتخاذها على المستوى الوطني، من أجل مساعدة البلديات والجماعات الحضرية والجهات، على إحتواء وتجميع وتركيز هذه السياسات المعدلة والمكيفة بشكل أكثر فعالية، من خلال القيام بأبحاث حول الحاجيات المحلية ودعم وتطوير البنيات التربوية والتكوينية والعلمية، في مجال التخطيط الإستراتيجي، وتوسيع مجالات نشاط المنظمات والهيئات الجماعية التي توسع من حجم مشاركة السكان في صياغة وإتخاذ القرارات المناسبة في تنمية مدننا. (أنظرفي هذا الصدد:Politiques Novatrices pour un développement Urbain Durable.La ville écologique,OCDE,Paris,1996,P 13 )./.
5ـ على سبيل الختم:
   لا بد في نهاية هذه المداخل الأساسية لإنتاج سوسيولوجيا حضرية تكون في خدمة الطلب الإجتماعي وسياسة المدينة، التأكيد على شيء أساسي لا ولن يكون به البحث في مجال العلم الإجتماعي قائما على أسس وأهداف ومنهجيات ووسائل بحثية متينة.ألا وهو ضرورة مأسسة مراكز ومراصد للبحث السوسيولوجي والأنثروبوجي ببلادنا، حتى تكون لدينا مؤسسات أو مراكز بحثية علمية مستقلة عن تأثيرات وإكراهات وتوجيهات أصحاب القرار السياسي، مما يحررها من سلطة الرقيب ومن خطر الإنسياق وراء مصالح فئوية للوبيات أو أطراف معينة، وبالتالي يضمن لها مصداقية ووجاهة وموضوعية ما تنتجه من معرفة إجتماعية عميقة، حول مجالاتنا الترابية الحضرية منها والقروية، وهي المعرفة التي لا يمكنها أن تنتج وتستخرج إلا من خلال البحوثات والدراسات الميدانية الوصفية والتحليلية والتركيبية والمقارنة، التي تتطلب من بينما تتطلب برامج تكوينية، على المستويين النظري والتطبيقي، للإستئناس بأدوات ومناهج ومناطق ومجالات البحث، ووسائل لوجيستيكية للتحرك والتواصل والإشتغال في الميدان، الذي لا يمكنه أن يتم بصفة فردية، كما في البحوث أو الأطروحات الجامعية، بل بتجنيد وتعبئة فريق عمل متداخل الإختصاصات أو مجموعة بحث متفاعلة، منسجمة ومتضامنة، لإنتاج دراسات ومونوغرافيات أومقاربات وإثنوغرافيات دقيقة ومتكاملة...

                                                       التهامي حبشي
                                 إطار باحث في السوسيولوجيا والإعلام والإتصال

Enregistrer un commentaire

 
Top