GuidePedia



بؤس الطوباوي (عندما يرتدي المتكلم قبعة الفيلسوف)
بقلم د.رشيد ظريف
إن النظر إلى الواقع الاجتماعي والسياسي للدول العربية المسلمة، يجعل أيا كان لا يتردد في الحكم على هذا الواقع بالتخلف على مستوى الفكر والعلم والاجتماع والسياسة والأخلاق. ويمكن الإجماع من طرف الكل، على أن المجتمعات العربية المسلمة توجد في الدرك الأسفل بين شعوب العالم، وهذا المعطى يفترض أن المثقف ورجل الفكر يكونان السباقان إلى معالجة الواقع بالتحليل والمناقشة، في أفق العمل على تجاوز الوضع المأزوم.
غير أننا نجد بعض المثقفين، يتجاهلون هذا المعطى الواقعي بشكل تام، ويقفزون عليه لمناقشة قضايا نظرية لا علاقة لها بالواقع، مما يولد لديهم شعورا بالعظمة الموهومة. عندما ينشر هؤلاء المثقفون هذا الشعور عبر خطاباتهم، يولد لدى الفرد وعيا مغلوطا يتجلى في عدم القدرة على المطابقة بين الفكر والواقع، خصوصا عندما يواجه الشخص المسلم واقع الآخر المختلف الذي هو الغرب والمتقدم علميا واجتماعيا وسياسيا.
يولد هذا الوعي المغلوط مفارقة بين الفكر والواقع، فعلى مستوى الواقع لا يستطيع الشخص المسلم نكران الوضع البئيس الذي يعيشه على مختلف الأصعدة وفي جميع المجالات، ولكن على مستوى الفكر، تتكون لديه "عقدة السبق" التي تجعله يعتقد أنه أفضل وأرقى من كل الشعوب، ويحلم بإقامة مدينته الفاضلة المتخيلة، ليحيا فيها حياة سعيدة وعادلة.
تتخذ الخطابات الدينية المكرسة للطوباوية أشكالا وأنواعا متعددة، لكن تجمعها خاصية مشتركة تتجلى في تجاهل الواقع المعيش المنحط، والعمل بالمقابل على تضخيم الشعور بالأنا ليتحول إلى حالة مرضية مزمنة.
إن أكثر الخطابات خطرا على المجتمعات العربية المسلمة المكرسة للطوباوية، تلك التي تتقمص صفة "العلمية" وتتوسل بأحدث الآليات والأساليب المعرفية والعلمية لنشر فكرها. لقد عمل الغزالي على نقض الفلسفة بأسلوب فلسفي، ليقتل الفلسفة العربية الإسلامية بواسطة آليات فلسفية، واليوم نجد تلميذه طه عبد الرحمان يقوم هو أيضا بنفس العملية في محاولة منه لنقض الحداثة – وليس نقدها - بأسلوب وآليات استعارها من الحداثة نفسها، بدعوى المدافعة عن العقيدة في مواجهة الفكر الغربي الحداثي.
لا يفتأ الدكتور طه عبد الرحمان وعلى شاكلة شيخه الغزالي يعمل من خلال كتاباته على تكريس الطوباوية عندما يتجاهل الواقع البئيس، ويركز بالمقابل على إبراز القدرات الفكرية التي تتوفر عليها الثقافة العربية الإسلامية، وبالتالي يسقط حالة البؤس التي تتخبط فيها المجتمعات العربية المسلمة على الغرب الذي يتبنى "الحداثة".
لنأخذ نموذجا من أعماله، وهو كتاب "بؤس الدهرانية"[1] الذي يعبر بوضوح تام عما ذهبنا إليه. إن النظرة الأولى في هذا الكتاب، لا تترك للقارئ أي فرصة للتساؤل عن الهدف منه، فمن خلال أول الفقرات يتضح أن الكاتب ينتقد الفكر الغربي الحداثي في صفته الدهرانية حسب تعبيره، ليعطي البديل عنه من الفكر الديني الإسلامي والذي هو الائتمانية.
فما هي الدهرانية؟ وما هي الائتمانية؟
في المدخل، يتحدث شيخنا عن الحداثة ليصفها بكونها "آلية فصل المتصل"، أو "تفريق المجموع"، يقول: "إن من أبرز الآليات التي توسلت بها الحداثة في إقامة مشروعها الدنيوي، "آلية تفريق المجموع" أو قل "آلية فصل المتصل"؛ ولما كان الدين يتصل بمختلف مجالات الحياة، وكان اتصاله بها يتخذ أشكالا وأقدارا متفاوتة، فقد انبرت الحداثة لهذه الأشكال من الاتصال، لتعطل قانون الدين في هذه المجالات الحيوية، حتى تستقل تلك المجالات بنفسها، تدبيرا وتسييرا"[2].

إن القراءة الأولى لهذه الفقرة تجعل القارئ يشعر بأن المشكل يكمن في الحداثة الغربية، وهي منبع المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، وذلك بفعل فصلها الدين عن جميع المجالات، والحل كل الحل يكمن في إعادة وصل تلك المجالات بالدين، وبطبيعة الحال، يوفر الفكر الإسلامي نموذج عملية الوصل التي تمكن من درأ آفة الفصل التي عملت على تكريسها الحداثة الغربية.
السؤال الي يطرح نفسه بإلحاح هو: لماذا لم يقم شيخنا بالتحدث عن تعالق هذه المجالات وتمفصلاتها في الواقع الاجتماعي العربي الذي يعيش فيه؟ وعن الآثار الذي يخلفه هذا التعالق على الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات العربية المسلمة؟ ألم يكن من الأولى أن يقوم بتحليل الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع الذي يعيش فيه، ويحاول الكشف عن أسباب بؤس الواقع قبل أن ينتقل إلى نقد الحداثة الغربية ليكشف لنا عن بؤسها.
الانطباع الأولي الذي يتولد لدى القارئ المريد أو غير المختص من خلال قراءة الكتاب، يوحي بأنه لا حاجة لا لانتقاد الواقع الاجتماعي، ولا لانتقاد التراث الديني والعمل على تجديده. بل إن الآخر المسكين البئيس والذي هو في حاجة إلى مساعدتنا لننقده من بؤسه.
يؤدي الوعي المغلوط عن الذات إلى تكوين "كلاميات" يعمل من خلالها الشيخ على تكريس الواقع المتخلف دون التفكير والعمل على نقده في أفق تجاوزه. وهكذا، فكل ما ينتمي للحداثة يشكل خطرا على الإنسانية، ويوجد البديل عنه في الفكر الديني الإسلامي، فالفلسفة الغربية التي هي "معرفة عقلية مجردة" (الدهرانية) تحتل المرتبة الأدنى في مراتب المعرفة، حيث تعلوها معرفة "العقلانية المسددة" ونجد في أعلى الترتيب معرفة "العقلانية المؤيدة".
ترتكز العقلانية المؤيدة التي تفضل كل العقلانيات على مبادئ ثلاث هي:
مبدأ الشهادة ويقضي هذا المبدأ بأن "الشيء هو هو متى شهد عليه غيره"، وهذه الشهادة ليست واحدة وإنما متعددة، فهناك شهادة الإله، وشهادة الرسول، وشهادة الإنسان القريب، وشهادة الإنسان البعيد، وكذلك شهادة أطراف الإنسان، وشهادة الكائنات.[1]
إن الأساسي في مبدأ الشهادة ليس هو شهادة الإنسان القريب أو البعيد أو شهادة الكائنات، بل الأساس هو شهادة الوحي الذي فصل القول فيه علماء المسلمين، لأن أي شهادة من الشهادات المتعددة تتم محاكمتها بمدى مطابقتها لشهادة الإله المفسَرة والمؤوَلة، وبالتالي فمبدأ الشهادة، يعني الاحتكام إلى النصوص الدينية بالدرجة الأولى، وهو ما عبر عنه الأسلاف بالعلم بالنقل. وهذا يؤدي إلى إبطال كل تلك الجهود والمشاق التي تكبدها الإنسان في سبيل التحرر من سلطة النصوص الدينية وتأويلاتها التاريخية، بإخضاعها لسلطة العقل البشري. مبدأ الشهادة هذا، هو البديل عن مبدأ الهوية في العقلانية المجردة التي هي أساس الدهرانية.
مبدأ الأمانة، "الذي يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان متى كان العقل ومسئولا، وهذا المبدأ يجعل الإنسان يتجرد من روح التملك متحملا كافة مسؤولياته التي يوجبها كمال عقله. وهذا المبدأ يقابل مبدأ عدم التناقض في الفلسفة غير الإتمانية، أي الدهرانية. يقوم هذا المبدأ عمليا بسلب حرية الذات وطمس ظهورها في مقابل الإعلاء من شأن الأمانة والمسؤولية التي توضع على عاتق الإنسان دون أن تكون له القدرة على التفكير في جدوى قيامه بتحمل أعباء هذه المسؤولية التي تقررها المعرفة المؤيدة بشهادة النصوص الدينية.[2]
وأخيرا يأتي مبدأ التزكية "الذي يقتضي بأن الشيء إما هو وإما نقيضه متى كان العمل مطلوبا"، ويقابل مبدأ الثالث المرفوع في العقلانية المجردة. فطالب العمل هو الإله، ويكون
الطلب بواسطة نص موحى، غير أن توضيح نوع الطلب وطريقته ومبدأه، يكون عن طريق تفسير وشرح تلك النصوص الشرعية.[1]
فالوحي الإلهي إذن، هو الذي يوجه العقل نحو المعرفة ويؤيد اعتبارها معرفة عقلية أو العكس، وهذا هو مبدأ الشهادة. ثم يأتي دور مبدأ الأمانة حيث يتوجب على الذات تحمل كامل مسؤوليتها للقيام بكل الأعمال المطلوبة منها تطبيقا لمبدأ التزكية.
يظهر وبوضوح أن الصراع الأبدي بين "العقل والنقل" هو الإشكال المؤطر لهذه الكتابات، ففي الأخير نجد أن مبادئ العقلانية المؤيدة تصب كلها في اتجاه تحكيم النقل على العقل، وطمس هذا الأخير.
وبهذا، فالدهرانية التي ينتقدها الدكتور طه عبد الرحمان ليست غير التاريخانية التي تحدث عنها عبد الله العروي، فالدهرانية هي تلك المجهودات التي بدلها الإنسان عبر التاريخ، مستعملا عقله من أجل تغيير أوضاعه نحو الأفضل، مؤمنا بقدرة العقل على تجاوز كل المعيقات لتحقيق العقل في التاريخ. أما الائتمانية فليست أكثر من الرجوع إلى النصوص الدينية وتطبيق تشريعاتها حرفيا هروبا من التاريخ، وإغلاق الباب أمام كل محاولة نقدية تستند على قدرات العقل البشري .
ينتمي شيخنا إلى طبقة الفقهاء الإحيائيين، نعم إنهم يقومون بعملية إحياء التراث الديني في نفوس الأفراد بدون أدنى حس تاريخي، إحياء تراث يرجع إلى عصور متقدمة لا يمكنه أن يعيش راهنيا إلا في الأذهان، وبالتالي تكريس الطوباوية التي تتيح للسلطة القهرية التقليدية الاستمرار، باستمرار قدرة ألأفراد على التعايش مع المفارقة بفضل الفكر الطوباوي الذي يكرسه الدكتور طه عبد الرحمان وأمثاله.

نقطة واحدة يختلف فيها الشيخ طه عن الإحيائيين القدامى، بينما قام الغزالي بنقض الفلسفة عموما لجأ تلميذه طه إلى وضع فلسفة إسلامية مقابل الفلسفة الدهرانية، وإذا كان قد عمل على التنصل من كل مكونات ومبادئ الفكر الفلسفي ليصل إلى إنشاء مبادئ عقلية/منطقية لكلامياته، فإنه لم يستطع التملص من استعمال إسم "الفلسفة" محاولا إطلاقه على مذهبه الجديد في "علم الكلام"، ويرجع ذلك إلى أن ظهور الفكر الفلسفي الحداثي وتطوره وانتشاره مقابل ضمور الفكر الديني التقليدي لم يترك لصاحبنا خيارا لتمويه المريدين إلا بإعطائهم بديلا يحمل نفس الاسم، إلى درجة يظهر من خلالها أنه ينحو إلى سحب إسم "الفلسفة" عن الفكر الحداثي الغربي، ليلصقه تعسفا "بالكلام" الجديد الذي ينظر له، وإن كان هذا يدل على شيء، فإنما يدل على المبلغ الذي تبلغه عظمة الفلسفة في نفسه سواء وعى بذلك أم لم يع. كما تدل على المفارقة التي يعيشها، حيث يستعير إسم "الفلسفة" ليضفي المقبولية على كلامياته الجديدة، في حين يرفض الاعتراف بماهية مسمى "الفلسفة" التي هي النقد الدائم والمستمر للواقع المعيش قبل نقد الفكر.
إن ما يظهر المفارقة في فكر شيخنا بشكل واضح، هو ادعاؤه العمل على تأسيس "فلسفة إسلامية"، لكنه يتجاهل الواقع الاجتماعي والسياسي المتخلف ولا يعيره أي اهتمام، ليشغل نفسه وغيره ببناء قضايا كلامية لا علاقة لها بالواقع، وتوليد عبارات تستقل بنفسها لتخلق عالما من الأوهام والمثل المتعالية، فهل هي فلسفة جديدة تستغني عن النقد وتكتفي بالإتباع؟ وإن كان هذا حالها فهل يجوز أن نطلق عليها إسم فلسفة؟
وبالتالي فالنتيجة هي أن دراسة المنطق عوض أن تؤدي إلى القيام بمحاولة تجديد الخطاب الديني طبقا لمستجدات العلم المعاصر، يتم تسخيرها لتكريس الفكر الديني التقليدي، الذي يكرس الطوباوية ويشل كل حركة فكرية تحاول الخروج من قوقعة التخلف للمشاركة في بناء تاريخ البشرية.
في جميع الأحول، يبقى المستفيد الأول والأخير من ترويج مثل هذه الخطابات هو الأنظمة التقليدية الحاكمة، والخاسر الأكبر هو الإنسان العربي المسلم. فالدكتور طه عبد الرحمان بهذا المعنى، لا يختلف عن فقهاء البلاط في شيء، سوى بارتداء قبعة الفيلسوف ليبشر بمذهبه الجديد في علم الكلام الديني.
بقلم: الدكتور رشيد ظريف

[1] عبد الرحمان، طه؛ "بؤس الدهرانية، النقد الائتماني لفصل الدين عن الأخلاق" الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت 2014.

Enregistrer un commentaire

 
Top