GuidePedia



حـوارٌ  بيـن التـاريـخ والسـيـاسـة فـي بـرشــيـد

بقلم : الجيـلا لي طهيـر
يقولُ جاكْ بانفيلْ، وَهو مؤرخٌ فرنسيٌ، صاحبُ رؤيا مسبقةٍ للأحداثِ : "التاريخُ هو سيَاسةُ المَاضي، وسياسةُ الحاضرِ هي تاريخُ المستقبل. السياسيُ الذي يجْهلُ التاريخَ هو كالطبيبِ الذي لمْ يتردد على المستشفى ولا على المستوصفِ ولمْ يدرس الإصابات ولا الحالات السابقةِ. بدون الحدسِ التاريخي لا توجدُ سياسةٌ، ويقتصرُ الأمْر  على تركيبةٍ بدون مستقبل وبدون آفاق".  لكن الراحل الحسن الثاني يضيفُ أو يتكلمُ عن السياسةِ الحزبيةِ، فيقولُ: "إن الطبيبَ مُطالبٌ بالإطلاع وإجراءِ التجاربِ باستمرار، أما في السياسةِ، فهناكَ تكيفٌ مُتواصلٌ معَ معطياتِ الحياةِ. إِذا كان بإمْكان الجِراحة ِأَنْ تُحققَ نتائجَ خارقةً، كزرْع الأعضاء وإعادةِ المبتورِ منها، فإنهُ يستحيلُ تماماً لمَ شمْل حزْبٍ وقعَ فيه انشقاق".  وها هي تجربةُ برشيد الاتحادية تُبينُ على أن الملك الراحل على صواب، إذْ لا يوجدُ في مدينتنا  أقسى على حزب الاتحاديين من الاتحاديين أنْفسهم، ليس فقطْ بسبب افتقارهم للحدْس التاريخي فقط، يلْ وعجزْهم  أيضا على التكيفِ المتواصل مع معطيات الحياة، المؤدي  إلى  العزلةِ التي تسبقُ الانقراض.
  أبداً، لا يوجدُ تَناقضٌ بين مقولتي الحسن الثاني وجاك بانفيل. هذا الأخير يقول بأن السياسي حيوانٌ يعيشُ حياةً صعبةً ويتكيفُ مع شروط الحياة، مشبهاً إياهُ بالسمكة التي تتناسلُ وتنجبُ سواء كان الماءُ ملحياً أو عذباً. محمد طربوز المناضلٌ الشاب سمكةٌ خطيرةٌ تناسلتْ وأنجبتْ كثيراً في الماء الاشتراكي، تناسلتْ وأنجبتْ قليلاً في مياه حزب الأحرار بسببِ الشيخوخةِ التي تحدُ من خطورةِ الرجال.  يقارنُ المؤرخ رجال السياسة  برجال الأعمال في التجارة  فيقوم بترتيبهم إلى فئتين: من جهة، الرجالُ الذين يعتقدون أًن الحركةِ التي تبدأ  في اتجاهٍ واحدٍ يجب أنْ تستمر إلى ما لا نهايةَ في نفسِ الاتجاه، بحيث لا أعلى ولا أسفل بدونِ توقفِ. أولئك هم الدين يُرشِحُون أنفُسهم بأحزابٍ على وشك النهاية، ويشترون القيم في البورصة عندما تكون الأسعارُ مرتفعةٌ فيخسرون. ومن جهة أخرى، الرجالُ الذين يؤمنون بالفكرةِ المستوحاةِ من هذه الحقيقةِ البسيطةِ وهي أن الأشجارَ مهما ارتقت لنْ تبلغ قُبة السماء، وأن لا شيء يرتفعُ أكثر فأكثر، أو  ينزلُ  أسفل سافلين. بل تارةً  صعودٌ قليلٌ، وأحياناً  نزولٌ بعض الشيء. وهم لا يستثمرون ولا يرشحون أنفسهم إلا في الظروف المواتية، فلا تظهر الخسارة ولا يظهر الانتصار (بتصرف).
يمكنُ وضعُ عبد الله القادري ومحمد طربوز اللذان عاشا نشوة الصعود ِإلى أعلى قمةٍ وآمنا  باستمرارية الحركة  العمودية في الخانة الأولى، ويمكنُ وضعُ  محمد بن الشيب و حليفهُ السابق عبد الحميد زاتني، الذي ترشح مثله مؤخراً بصفته رجل أعمال  في الخانة الثانية. وُلدَ التحالفُ بين الطرفين، في الظروف الملائمة، بعد انخفاض أسهم الديمقراطي والاشتراكي،  ضد أشخاص معينين لأجل مصلحةٍ معينةٍ. لكن الانتصار الباهر  لخصم جديدٍ، عبد الرحيم كاميلي،  وإخفاق  الرجلين في كسب الأصوات الكافية، كسر  التحالف الظرفي الذي زال بزوال المصلحة التي أنشأ من أجلها. أحدهما بحث لنفسه  عن تحالف جديد لحفظ المصلحة. والآخر، مستعدٌ للتحالف مع الشيطان لأجل المصلحة، تبين له أن الجرار، مهما بلغ من القوة أحصنته، لا يسمح له بحمل بمقاعد زائدة.  القاعدة العامة تقول، في الانتخابات، كما في الفتوحات الحربية،  لا يجب حيازة أكثر مما يصعب هضمه. ولو  لم يفز محمد طربوز  بذلك العدد الهائل من المقاعد في انتخابات التسعينات لما جرى له ما جرى من عسر ٍ في الهضم/ الانشقاقات.
 الانتصارُ السياسيُ حالةٌ روحيةٌ  غابت عن حزب الاستقلال، كهيئةٍ سياسيةٍ على المستوى المحلي، منذ عهد الستينات، وكلٌ الاحتفاليات والتعاقدات، والولائم والصفقات، وحتى اللقاءات مع  بعض النقابيين      بالبلدية، كانت تتمُ على الطريقةِ التجاريةِ خارجَ المقر الحزبي، وبداخلِ المنزلِ الفخم للمرشحِ الاستقلالي الباهت. ولهذا السبب، اشتهرت كلمة " دار بن الشيب" فجأة، واحتلتْ مكانَ كلمةِ "مقر الاتحاد الاشتراكي" التي كانت متداولةً في السابق.
الانتصارُ كحالةٍ روحيةٍ داعب أحلامَ حزب العدالةِ والتنميةِ، لكن كما يقولُ المثلُ الفرنسي: " الذي يُريد أنْ يلْعبَ الملاك يَلْعبُ الوَحشْ". الانتصارٌ حالةٌ روحيةٌ  لم يعشها غير  حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في لحظات معينة من تاريخه، ولم يحافظ على استمراريتها. الخشية على هذا الحزب أنْ يموتَ  أيضاً في القلوبِ، لأن بعض الدين يعتقدونَ الدفاع عنه، يصوبونَ البارودَ الفارغَ ضد أعداءَ وهْميينَ، مثل فرْسانِ المحْركِ، فيُكَرهونَ المتعاطفين فيهم وفي حزبهم.
إنَ الأحزابَ مثل  الدولِ والأنظمة، وحتى التي لها وجودٌ  عبثيٌ على الساحة،  قابلةٌ  للاستمرار ، وتحقيقِ بعض الانتصارات الصغيرة، ما لمْ يرتكب ناسُها أخطاءً جسيمة. غيرُ صحيحِ  أن الجفافَ في مرحلة الثمانيات  من أطاح  بسلطة عبد الله القادري، وغير صحيح أن الفيضانات في نهاية التسعينات من أسقط محمد طربوز.  طبعاً الحظ له دوره، لكن في التاريخ كما في السياسة توجد أشياءٌ لا يمكن توقعها وتفاديها.  ومما لا شك فيه، توجدُ أخطاءٌ جسيمةٌ ارتكبها الرجلان تسببت في إزاحتهما من المشهد.  يقالُ، في السياسة لا تكون النتائج مرئية إلا عند حدوثها، أي بعد فوات الأوان.  وفي لحظات الاضطراب النفسي، الناجم عن الخوف من المجهول أو بسبب الثقة الزائدة، يصعبُ فهمُ والتقاطُ، وقراءةُ   المؤشرات التي تسبقُ الحدث. لا يُمكنُ السيطرة على الأسباب المؤدية إلى الهاوية إذا لم تتم السيطرة على النفس قبل انفلات الغريزة.   
تَبدو تجربةُ حزب الاستقلال على رأس المجلس البلدي عبثية، عندما نقارنُ مدينةً ذاتَ أهميةٍ في حجم برشيد فُرض عليها الشللُ لمدة عشر سنوات خلت. ومع ذلك، شاهدنا المرشحُ الاستقلاليُ ينافسُ على الرئاسة للولاية الثالثة بشراسةٍ، وأبدى قابلية للاستمرار، لكونه حافظ على سجله السياسي خاليا من الأخطار الجسيمة، جراء اختبائه خلف عباءة العدالة والتنمية، والسيطرة على النفس وعدم الانفعال. وعلى الرغم من ذلك، يبقى  قرارُه القاضي بتفويت القاعة الرياضية المُغطاة، واستخلاص 3 دراهم  بمدخل المنتزه، والحفر المنتشرة بشوارع وأزقة برشيد، وتخريب شعار المدينة، وتخريب حديقة المغرب العربي، وغزو  الباعوض في الصيف للمدينة باستثناء حي الرياض، وتعليق القيسارية في الهواء، وحرمان المنْطقة القروية من الكهرباء، ودوبان الشخصية  الرئاسية في حموضةِ حزب العدالةِ والتنميةِ، من النقطِ  السوداءَ التي لا يمحوها الزمن من تاريخه.      
من أَقوالِ الملكِ الراحلِ الحسن الثاني المأْثورة: "السلطة شبيهةٌ بالرحى، فإن لامسها المرء بلطفٍ صقلتهُ، وإن هو على العكس، ضغطَ عليها بقوةٍ مزقتهُ إرباً إرباً". محمد بن الشيب لم يلامس الرحى،  وطبق تقنية الشرود، كونه ترك الممارسة الفعلية للسلطة لحزب العدالة والتنمية. وبالتالي لم تصقلهُ السلطةُ ولم تمزقهُ إرباً إرباً، ولم  يطبع المرحلة بأية انجازاتٍ تشرف المدينة، أو تشهد على  نزاهته ومصداقيته، غير العمل لمصلحته الشخصية.  فقد كان لبرشيد ميزانية واحدة فقط، وأضاءت  دوار أولاد السي الجيلالي وأولاد حجاح. ثم أصبح لها ميزانيتان ومصباحٌ حكوميٌ: ميزانيةٌ جماعيةٌ عند الرئيس وميزانيةٌ إقليميةٌ عند العامل،  ومصباحٌ لأصحابٍ الوزيرٍ الأول، ولم تطبق التوجهيات الملكية الرامية لفك العزلة عن ضاحية برشيد المظلمة.  
لَعل أكبرَ الأوهامِ في السياسة تلك التي تجعلُ بعضَ رؤساء المجالس البلديةِ يعتقدون أنهم يبنونَ ويشيدون لأجلٍ الخلود. المهم هو التواصلُ مع الناس، عَدمُ الكذب عليهم، عَدمُ  تفضيلِ جهةٍ على جهةٍ، وهؤلاء  يقدرون المواقف ويتفهمون. الرؤساء الدين يصيبهم الغرور  لا يتوقعون حصول انقطاعات في المسارات، في العقول وفي الأشياء، ناهيك عن غضب المخزن والتغييرُ الذي يطالُ  القوانين والنظم  التي ترسمُ المستقبل.  وكذلك  لا ينتبهونَ للأخطارِ التي تهددُ الأوائل:  عبد الله القادري ومحمد طربوز  من الأوائل، ومحمد بدري الأكثر اعتدالا، لم تمنح له فرصة الحكم، أو اغتصبت منه من يمينه ويساره، ضحية الأوائل.
إن الأشخاصَ الدين كانوا يتهمونَ عبد الله القادري بالديكتاتوريةِ  وبالفَسادِ همْ أنفسهمُ الدين أطلقوا نفس النعوتِ على رفيقِ دربهم محمد طربوز.  ليس من المستغربِ أن يجْهلَ الحطاب العباسي، الذي تقدمَ للانتخاباتِ الأخيرةِ بصفتهِ "حلاق متقاعد" على الورق، وهو  غير  منخرط في أي صندوق خاص بالتقاعد،  ومن المستغربِ أن ينسى محمد بنقاسم، الذي ترشحَ بصفته محصلا على الإجازة في العلوم السياسية،  أن روبيسبيير، اليساري  العفيف الطاهر، قادتهُ حربهُ الضروسُ ضد المرتشين والفاسدين إلى  المصقلة.   لقد شنق روبيسبيير المرتشين فصفقت له الجماهير، ولما شنقه المرتشون مع أصحابه صفق للمرتشبن نفس الجماهير. لكن محمد طربوز ليس روبيسبيير  مثلما محمد فرابي ليس سان جيست، ومحمد بنقاسم ليس جون بول مارا،  قادةُ الثورةِ الفرنسية.
يقول المؤرخُ المغربي الكبير عبد الله العروي: المؤرخُ  عدُو  السياسيُ، حتى ولو كان المؤرخ ُ في خدمةِ السلطةِ الحاكمةِ، لأنه يُذكرُ  السياسي بما ينساهُ أو  يحاول نسيانهُ، أصلهُ وفصلهُ. ويقول جاك بانفيل، وهو بالمناسبة مُلهمُ الجنرال دوغول، وربما الحسن الثاني، الذي اعتاد على التفكير على المدى البعيد، بأن أفضل طريقةٍ لمعرفةِ التاريخ تلك التي كانت تعبرُ  بها الأميرة ماتيلد، عندما لم تكن تتقبل الإساءة لنابليون، في الصالونات التي كانت تُقيمها على شرفِ الكتاب والمبدعين، قائلة لهم: "لولا ذلك الرجلُ  لكنتُ لا أزالُ أبيعُ الليمون في ميناء مرسيليا".  وعلى سبيل التشبيه، لو  لمْ يكنْ عبد الله القادري رئيساً للمجلس البلدي لبقي المنظر الطبيعي لبرشيد تسيطر عليه الأكواخ مدة طويلة؛ ولو لم يأت محمد طربوز  في الوقت المناسب لما كان للمدينة شوراعٌ معبدة وحدائق مزهزة في يوم من الأيام (رقم قياسي على الصعيد الوطني في وثائق الداخلية بالنسبة للتعبيد). إن برشيد، مملكةُ الأحقادِ والضغائنِ،  لا يوجد  بها  أمراءٌ  فرسانٌ كثر ٌ  يعترفون بأفضال عبد الله القادري ومحمد طربوز على ماضيهم الذي صنع حاضرهم ومستقبلهم.  قال الراحلُ الحسن الثاني نقلا عن لويس الرابع عشر:  "عندما أقلدُ أحدا من الناس مهمة ما، فإني أجدُ نفسي أمام شخصين، أحدهما شخصٌ مستاءٌ والآخر مسرورا يمكن أن يتحول إلى ناكر  جميل".  المستاءون بطش بهم محمد طربوز  لا لسبب سوى  لأنهم  عمال وموظفون مقربون من عبد الله القادري،   وناكرو  الجميل  هم   الأعوانُ والموظفونُ وبعض أعضاء  المجلس البلدي  ممن لم يكن لهم  وزن يذكر،  فحماهم وكساهم الرئيس الاتحادي  بريش الطاووس، وفي النهاية قللوا عليه الاحترام. ولا ننسى كل  معوز حصل على وظيفٍ في مراكزِ الدولة،  أو  على شيك بنكي ،  أو سكنٍ  لائقٍ بالحي الحسني بإشارة أو توقيع  من يدِ  عبد الله القادري.
 يقالُ، أهل اليسار يطعنون بعضهم البعض من الخلف لأجل السلطة، وأصحاب اليمين يتقادفون  الوحل على وجوههم  من غير معنى. وإذن لا يوجدُ للجماهير رأيٌ خاصٌ، وهي فقط تقبل وتتبعُ الموضة، تصفقُ مع المصفقين، تشتمُ مع الشتامين، وتعزي مع المعزين. في سيكولوجية الجماهير، الضحك والبكاء والإشاعات قابلين للانتشار وسط الحشد مثل العدوى.  
 يُعابُ سياسياً على محمد طربوز  انتقالهُ من حزب لآخر ابتغاء  مراضاة الطموح. وأما في التاريخ، وللأجيال القادمة، فيمكنُ وضعهُ في قائمة الدين صنعوا أنفسهُم بأنفسهم، بجابب أصدقاء لهم، ولما تخلى عنهم أصحابُهم، تخلوا بدورهم عنهم.  على رأس القائمة  اسم  الطيب بوعزة، النقابي الشيوعي المؤسس للاتحاد المغربي للشغل، فاز ديموقراطيا  بأصوات الأغلبية لرئاسة المركزية النقابية في منتصف الخمسينيات، فانقلب عليه بنبركة وصديقه عبد الرحيم بوعبيد من حزب الاستقلال ووضعوا  مكانه المحجوب بن الصديق ليجعلوا منه دمية يحركونها حسب الأهواء.  لا علاقة  للنزعة الشيوعية بالموضوع، فالمهدي وبوعبيد  حاولا أيضا الانخراط في الحزب الشيوعي، بأشهر قليلة قبل توقيعهما وثيقة الاستقلال، يكتب ألبير عياش، ولم يفعلا لعدم اتفاقهما مع  استراتيجية الحزب الشيوعي القاضية بتأجيل المطالبة باستقلال البلاد.  عين الملكُ  الطيب بوعزة سفيراً  بدولة يوغسلافيا بعد أن أقصاه  السياسيون بطريقةٍ تعسفيةٍ. وسيتمُ استغلالُ الاتحاد المغربي للشغل في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959، ويتكررُ نفس السيناريو  مع المحجوب بن الصديق الذي  رفض أن  تلعب المركزية  دورا ديلياً للحزب الجديد في سنة 1962.
عاش الحاج ادريس اسمعلي سيناريو  الانقلاب على الطيب بوعزة،  وظل وفياً  للمركزية النقابية التي ساهم في تأسيسها مند لحظة  انفصال الشيوعيين المغاربة عن الكونفدرالية الفرنسية للشغل. وعندما، أسس النقابي محمد أرسلان الجديدي الحزب الوطني الديموقراطي في مستهل الثمانينات، تلفن إلى الحاج ادريس في منزله ببرشيد  ليضمن له مقعداً بالمجلس البلدي ببرشيد، فقطع عليه الأخير الخط.  الحاج ادريس اسمعلي رمز الوفاء  للمبادئ، كانت له ثقة واعتزاز بالنفس، ولم تبهره الألوانُ والشعاراتُ في يوم من الأيام. سيتكرر نفس السيناريو مع  البديل الحزبي نوبير الأموي في ظروف ولأسباب مختلفة.
 أعتقدُ بأن حزب الأصالة والمعاصرة باختياره لشعار الجرار يستغلُ شعاراً اشتراكياً قديماً. فشل جاك بيرك في تطبيق شعار الجرار   أيام الحماية، عندما  أراد اعتماد  تجربة الكولكوز الاشتراكية بالجماعات السلالية المغربية: "جرارٌ لكل جماعة من أجل  تغيير العقلية القروية". قدم استقالته. والآن يُعتمدُ الشعار ُ من طرف حزب عبد الرحيم الكاميلي بعد إفراغه من محتواه. لا يمكنُ استباق الأحداث ووضع  عبد الرحيم الكاميلي في خانة  الزعماء السياسيين، لأن الزعامة لا تبنى في سنة واحدة.  ولأن عشر سنوات من الحكم لم تجعل من محمد بن الشيب زعيما سياسيا، وبقي مجرد مرشح، تماما مثل المصطفى جبران. هناك مؤشرات، يلاحظ اختلاف واضح بين شخصية الرئيسين: عبد الرحيم الكاميلي ومنذ انطلاقِ العداد، تجرأ  وألغى الرسوم المجحفة المفروضة على وقوف السيارات أمام المنتزه، ووعد  الجمعيات الرياضية بإعادة النظر في كراء القاعة المغطاة، وهو أيضاً ليس شحيحا، وفيه " زغبة القبول"، ولكن حوله منافقون وسماسرة، دخلوا بجانبه المسجد لصلاة الاستسقاء وهم لا يصلون أصلا.
هي مُجردُ أحداثٍ تاريخيةٍ قابلةٍ للتأويل،  قد يساء فهمها من طرف البعض. ولذلك أقولُ مسبقا  بأن الفهم السيئ يقود صاحبه إلى النقد السيئ.  ويجب عدم الخلط بين التاريخ والذاكرة التي لا تغدو أن تكون مصدرا من مصادر التاريخ، وليست التاريخ في حد ذاته. فتوجد في برشيد   على الأقل ثلاثةُ أنواع من الذاكرة، كل ذاكرة لها تأويلها الخاصُ للتاريخ المحلي. هناك ذاكرةُ المنتصرين الدين يشكلون الأغلبية الحاكمة؛ و توجدُ ذاكرةُ المعارضة المقصية بواسطة الانتخابات؛ وأخيرا ذاكرةُ الأغلبية الصامتة المقاطعة للعملية الانتخابية.  يقولُ جاك بانفيل،  "لا يمكن الاشتغال على السياسة إذا لم نأخذ في الحسبان بأن للأشياء زوايا متعددة ينظرُ إليها كل فردٍ من الموقعِ الذي هو موجودٌ فيه".  سكانُ بعض الأحزاب القديمة والمهجورة  يرون الأشياء لها زاوية واحدة، من  المكان الدين يتموقعون به. هؤلاء،  يُشبهون الأطفال الصغار الدين لا يعرفون إلا ما يرونه أمامهم، أو ما يحيط بهم. وعليهم انتظار السنين كي يخرجوا إلى النور،  لاكتشاف منازل أخرى بأحياء أخرى ومدن أخرى،  تُشبهُ المنزل العائلي، وبأن جميع المنازل بجميع الأماكن يُشبهُ بعضها البعض. إنهم بُشبهون  بعض علماء وحجاج المغرب الأقصى المنغلقين على أنفسهم في الزمن القديم. كان عالمٌ  مغربيٌ شهيرٌ  ينكرُ  وُجود  القارة الأمريكية القابعة  خلف المحيط الأطلسي الذي سموه بحر الظلمات. ولما  نزلت قافلة الحجاج المغاربة  بأرض مصر على عهد نابليون، وشاهدوا  المصريين يلبسون سراويل إفرنجية، أصابهم صداعٌ الرأس واعتبروا  ارتداء السراويل بدعة. وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
"الأجيالُ متضامنةٌ مع بعضها البعض في الانتماءِ للعصر وفي ارتكاب الحماقات. كلُ جيل جديد يعتقدُ أنه بداية التاريخ وبداية السياسة. وعندما ننظر إلى الماضي، نرى نفس الأشياء القديمة تتكرر في الحاضر"، هذا كلام جاك بانفيل. إن الدين يطالبون بإقصاء الأميين من رئاسة المجالس المنتخبة، ويريدون الحكم لوحدهم لأنهم محصلين على الدبلومات، لم يأتوا بشيء جديد كما يعتقدون.  فمند أفلاطون كانت التربية والتعليم  المعيار الأوحد  لتقلد مهام الحكم .  والفرق الجوهري هو أن أفلاطون يربط التعليم بالمنطق والحكمة، وهم يفكرون في ملأ البطون والجيوب. " ليس السياسيُ الجاهلُ من لا يعرفُ الجغرافيا أو المحاسبة التي بالإمكان تعلمها في بضع ساعات. السياسيُ الجاهلُ هو من فقد كل إحساس  بالحقيقة الإنسانية  وبالسخرية، لكثرة  ترديده  ديماغوجيا أو ببغاويا جملا جاهزة. التجربة هي التقنية الوحيدة في  عالم السياسة. فلا توجد سياسة جديدة، وتوجد السياسة فقط، وهي المبنية على التجارب، والمعرفة. إن شباب الحاضر يثمثلون رجال الماضي على أنهم  متهورين، أغبياء. وهم يحتاجون لكثير من الدراسة والتأمل وقوة الملاحظة لفهم الطبيعة البشرية التي هي نفسها  لا تتغير  على طول الأزمنة"، انتهى كلام جاك بانفيل.
 لا يتقبلُ  محمد باي  الحديث عن القبلية ولا  التفكير  في الانتماء  لجمعية تحملُ اسما قبليا يعطيها الصبغة العنصرية المقيتة. وأنا أشكرهُ على النصيحة. ويتحدثُ  حميد الواصي كثيرا  عن  الدور الخفي  للمخزن  في الترويض النفسي للناخبين والمنتخبين قبل العملية الانتخابية التي تأتي مؤكدة للنتائج المحددة لها سلفا على وجه التقريب. إنهُ يشيرُ  إلى ملاحظة أنتربولوجية متعارف عليها، بينما غيره  يستغلُ المصطلح  كشتيمة في حق من لا يشاطرهُ الرأي من الزاوية التي يرى منها الأمور.  يقول المؤرخُ المغربي الأستاذ عبد الله العروي: "نحنُ أقوامٌ  جاءت من الجهات الثلاثة، لا أحد يعرفُ بالضبط متى وكيف، رغم الأفكار المسبقة التي نحملها جميعا.  ما يميزُ  الإنسان المغربي عن الجزائري والتونسي وسائر  العرب  هو  استمراريةُ سلطة المخزن على مستوى الوعي واللاوعي  عند الإنسان المغربي". وفي مؤلف آخر يقول: "إن النظرة الديموقراطية التي ما فتئت الجرائدُ المغربيةُ، بجميع توجهاتها السياسية ، تُقدمها للقارئ  منذ سنة 1962 هي نفسها السائدة في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر".  ومن هذا المنطلق،  لا يمكنُ  القبول منطقيا بالافتخار بالقبيلة والفرس والعيطة وعدم الأخذ  في الحسبان المخزن الذي تدور حوله كل هذه الاكسسوارات.  عندما نتعاطفٌ مع خربوشة ضد القائد عيسى بن عمار فإننا نقبلُ خارج وعينا بالرحلة خارج الزمن، ونحلمُ بالجلوس مكان القائد لأجل معاملتها بالحسنى. يسوق الأستاذ العروي ملاحظة  جميلة عندما يقول بأن المغربي  تغمره النشوة وهو ينظر للغبار  المتطاير من تحت سنابك الخيل في محرك الفروسية، ويبقى جامدا كجلمود صخر  أمام رؤية الغبار المتطاير  من تحت عجلات الجرار.  ليست المعارضة  المؤسساتية في نظري   سوى  النمط  المسالم  " للسيبة العصرية"  في اصطلاح المؤرخ عبد الله العروي. ويعني بها احتجاج رجال المخزن ضد المخزن، بسبب إقصائهم من وظائف المخزن، لأجل العودة إلى العمل مع المخزن. 
إن  قِصة الشيخة هنية، إحدى الشيخات المعْروفات بفاس في عهْد الحماية، مليئةٌ بالعبرٍ  والدروس لمنْ يفكرُ في أن يتعسفَ  كي يراضي أحزاب البورجوازيين ضد أهله وناسه من أصل قروي:  كانت المنافسةُ  قويةَ  بفاس بين الشيخة زينب المطلوبة بكثرة  في أعراس دار  المخزن  لشياكتها؛ والشيخة خدوج السبتية،  التي أصلُها من  مدينة سبتة، هربت  مع تاجر مغربي إلى الجزائر حيث تعلمت هناك الغناء الجزائري واللغة الفرنسية، ورجعت إلى فاس كشيخة ناقلة  الغناء الذي تعلمته بالجزائر؛ تليهما  الشيخة بريكة بنت علال من قبيلة الشراكة، جاءت إلى فاس مع والدها، شيخ المغنى الذي علمها الحرفة فأتقنتها أحسن إتقانْ.  وفي الصف الأخير، توجد الشيخة هنية لعروبية  على الرغم من كونها  تغني وترقص أفضلَ منهن جميعا ( بحسب الكاتب الفرنسي الراوي).  كانت  مهمشةً  وغير  مطلوبةٍ بكثرة للشغل في الحفلات، وتحتلُ المرتبة الرابعة، أي موجودة في آخر الترتيب. لماذا؟ لأنها بدويةٌ فقيرةٌ، جاءت من نواحي الدار البيضاء  لمدينة فاس، تحملُ وشمات كثيرة على وجهها، وتتحدث باللهجة البدوية.  والدها شاركَ في ثورة  الشاوبة ضد المستعمر الفرنسي وألقيَ عليه القبض، نقلوه إلى السجن بالدار البيضاء، فانتقلت الأسرة الصغيرة من القرية للمدينة للتمكن من زيارته. كانت هنية حين إلقاء القبض علي والدها، وانتقالها للدار البيضاء،  لا تزال طفلةً صغيرةً، فلم يرحمها الذئاب وتعرضت للاغتصاب. ولأنها كانت موهوبةً  في الرقص والغناء، جميلةً ورقيقةً، أصبحت شيخة في فاس...، ومع ذلك لم تحتلْ سوى المرتبة الرابعة والأخيرة، عند أهل فاس، أصحاب الاستقلال.

- Jacques Bainville ; « Principes et réflexions sur la politique ».
- Hassan II ; « La mémoire d’un Roi ».
- Abdallah Laroui ; «  Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain ».







Enregistrer un commentaire

  1. شكرا لابن برشيد المدينة وليس القائد.

    RépondreSupprimer

 
Top