GuidePedia


نطق الوهم..فسكت العلم..
مقالة في نقد الوهم البيوغرافي في العلم الإسطوغرافي.
      بقلم: التهامي حبشي(*).

" كل يوم ندرك، أكثر فأكثر، ضرورة مساءلة الماضي في ظاهرتين كالوسواس في حياتنا السياسية والفكرية: التخلف التاريخي، وتعويضه الواعي، أي الثورة." ـ د.عبد الله العروي ـ.

مجرد استهلال:
  كتب الباحث السوسيولوجي المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي في نقده لمقدمة تاريخ ابن خلدون قائلا: نطق الإله فسكت التاريخ..، مسجلا بذلك قوة حضور اللاهوت في تاريخ الناسوت، أو حضور المقدس الديني في التاريخ البشري من المنظور الخلدوني الدائري...واليوم، يبدو لنا أن ننسج على منوال مقولة الخطيبي، فنقول: نطق الوهم.. فسكت العلم..، وذلك في معرض نقدنا لما أصبح يكتب، بإسهال شديد، من مقالات اجتماعية وسياسية وثقافية يرى فيها أصحابها، من الكتبة المتساهلين والمتطفلين على الصحافة والتاريخ، أنها تواريخ أو كتابات تاريخية اجتماعية محلية أو جهوية..بدعوى اعتمادهم على الرواية الشفوية والبيوغرافيا أو البروفيلات والسيرالذاتية والمسارات الشخصية لحيوات عدد من الناس المنتمين إلى حقول المجتمع والسياسة والإدارة و الاقتصاد والسلطة...هذا علاوة على استناد أصحاب هذه المقالات في تدبيجها إلى المعلومة الماضية المدفونة في أرشيفات السلطة والإدارة المخزنية العتيقة..مما يجعل من هذه الكتابات أو التدبيجات، مجرد تحصيلات حاصل أو استنساخات لوجهات نظر حيوات حول ماض فات.. كتابات تنقصها الاستنتاجات المعرفية الرزينة، واستدلالات "الحجية التاريخية" الرصينة، بتعبير المؤرخ المغربي محمد حجي، نظرا لافتقادها إلى الدقة الخبرية والحيطة المنهجية في تناول الوقائع والأحداث الاجتماعية والسياسية...فتكون بذلك، مجرد تنويعات على طريقة "الدقة المراكشية" في تأثيث الفرجة السياسية والإعلامية،أي مجرد (تطبيلات وفرقعات إعلامية) تستهدف الإثارة ولفت الأنظار، لحشد الأنصار من  فصيلة قراء جدد فاقدين للذاكرة السياسية وللحس التاريخي في تناول الأحداث والشخصيات المحلية منها والجهوية والوطنية...والواقع، أن منتجي ومروجي هذا الصنف من الكتابة الحدثية المشتتة والفاقدة للمعنى التاريخي وللخيط الناظم بين المقدمات والنتائج ـ لا ننسى أن التاريخ هو علم  دراسة الماضي البشري بكل تجرد وموضوعية والتزام بما هو كائن دون النظر إلى ما يجب أن يكون ـ (أن هؤلاء) يجدون أنفسهم متأرجحين أو بالأحرى متذبذبين في الغالب بين حرفة الصحفي وحرفة المؤرخ...لا هم إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء..، جلهم واقفون على باب واسع لا بواب له، هو باب الصحافة والإعلام..ينسخون ويحنشون وينشرون...يقولون ما لا يفعلون...يهيمون في كل واد يتبعهم الغاوون بنقرات (جيم) التي هم بها معجبون...وقليلا ما يكترثون بالنقد الهادف والرصين.. وشتان ما بين الطرفين (الصحفي والمؤرخ) من اختلافات وفروقات جمة، وجب التنبيه إليها من باب تقصي الحيطة والحذر في تلقي واستهلاك ما يعرض علينا من بضاعات "إعلامية" ترقيعية، وخردات "توثيقية" تلفيقية يراد بها التسجيل والتأريخ، وهي خارج حقول التوثيق والإعلام والتاريخ، موضوعا ومنهجا، منطلقا وهدفا. إنهم نتاج لعملية سياسية وإعلامية تستهدف إنتاج "مثقفين جدد" بدون ذاكرة سياسية ولا مرجعية ثقافية/ فكرية ونقدية...هم مجرد منشطين لمعرفة اجتماعية مختزلة في "علم سياسة" الفترات أو المواسم الانتخابية، والتعليقات المتسرعة وغير الحذرة على نتائج صناديق الاقتراع العجائبية، بدون أدنى مقدات منهجية ولا عدة نظرية...إنهم من فصيلة ما كان يسميهم أفلاطون ب"فلاسفة الدوكسا"(Doxosophies) أي تقنيو الرأي، هؤلاء الذين يعتقدون أنهم عارفون و"مفكرون".. لمجرد أنهم يطرحون مشاكل السياسة بنفس كلمات وعبارات رجال الأعمال ورجال السياسة ورجال الصحافة...وبذلك، يكون الدوكسوسوفين/ فلاسفة الرأي هؤلاء، عكس السوسيولوجيين الذين يضعون البداهات والاعتقادات والأحكام الجاهزة واللغات الخشبية والمنمطة موضع تساؤلات ومراجعات وانتقادات وتشكيكات إيجابية من أجل بناء "الحقيقة" السياسية والتاريخية والاجتماعية...
1ـ الصحفي والمؤرخ: أية علاقة؟
     وإذاكانت المعرفة الإنسانية في حاجة ماسة، اليوم وغدا، إلى إرصان علاقة تعاون وتكامل بين المؤرخ والصحفي من أجل استجلاء المعلومة وإضاءتها وإيصالها إلى جمهور المهتمين والمتتبعين...فإن هذا التقارب أو التعاون يحتاج لزاما إلى كثير من التوضيح المنهجي حتى يقتحم الصحفي باتزان مجال التاريخ (السياسي والاجتماعي) من دون أن يحدث تشويشا أو تعتيما على الحاضر، وحتى يقتحم المؤرخ باطمئنان مجال الصحافة والإعلام دون أن يشوش على حرفته كمشتغل على الماضي، وليس الحاضر. ولعل مبرر هذا التوضيح المنهجي ينبع من تلك الإشكالية المركبة من شقين: أولهما هو الكيفية التعسفية التي تتعاطي بها بعض الأقلام والمنابر الصحفية المغربية ـ مكتوبة منها وإلكترونية وسمعية بصرية ـ مع التاريخ، والتي يبدوا أنها، وفي كثير من الأحيان، تلحق أضرارا أدبية جسيمة بالماضي. وثانيهما هو صمت المؤرخين إزاء ما تثيره الصحافة من قضايا سياسية واجتماعية، تتطلب تفصيلا أو تفسيرا"تاريخيا"، وهو الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تصادمات في المصالح ناتجة عن تفاوتات في التأويل، تأويل الخبر التاريخي، والحدث التاريخي، وتجاوزات في القراءة، قراءة الحاضر على ضوء الماضي، وقراءة الماضي على ضوء الحاضر،. ــ  عمر بنيمرة، مسؤولية المؤرخ، الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 590، يوم الجمعة 6 أبريل2001،ص1ـ5.
    في الجزء الأول من مؤلفه القيم " مفهوم التاريخ".ص.69 يعقد الأستاذ عبد الله العروي مقارنة جيدة بين الصحفي والمؤرخ، مشيرا إلى أن الأول هو مؤرخ اللحظة، وأن الثاني هو صحفي الماضي، وأن كلاهما يعتمد على مخبر، وكلاهما يؤول الخبر ليعطيه معنى. لكن الفرق بينهما يكمن في المهلة المخولة لكل واحد منهما، إذا ضاقت تحول المؤرخ إلى صحفي، وإذا عاد الصحفي إلى الأخبار بعد مدة وتأملها تحول إلى مؤرخ.نعم يمكن القول، وبكثير من التجاوز، إن الصحفي هو مؤرخ الحاضر، والمؤرخ هو صحفي الماضي..الأول عينه على تسجيل أحداث ووقائع الراهن المعيش ونقلها لجمهور المتتبعين..والثاني عينه على النبش في أحداث الماضي من أجل إعادة تركيبها وتقديمه بشكل جديد إلى جمهور المهتمين. بيد أنه ينبغي أن نميز بين عملية سهلة لا تتجاوز تسجيل الحوادث ونقلها للناس (مهنة الصحفي)، وعملية مركبة أو معقدة تمتد إلى محاولة تفسير الأحداث الماضية وربط بعضها ببعض وفق تسلسل منطقي(مهنة المؤرخ). إن الصحفي يسجل وينقل لنا الواقع الذي يحضر أمام حواسنا بالصورة والصوت، أما الماضي فهو لاواقع، بمعنى أننا لا نعرفه إلا بالتصور والفهم ومحاولة التفسير والتأويل. وبالتالي، فإذا كانت حقيقة المادة الصحفية عارية وملموسة، فإن الحقيقة التاريخية حقيقة متخيلة، مغلفة ومصطنعة انطلاقا من آثار ومعالم ووقائع وأحداث، وشخصيات وروايات، وأرقام وإحصائيات، وبيانات وشهادات...ومن جهة أخرى، يمكن للمؤرخ أن يبدأ من حيث ينتهي تسجيل أو توثيق الصحفي، أي من اللحظة الراهنة لينحدر في عمق الماضي...ففي دراستنا للتاريخ السياسي والاجتماعي، أو للظاهرة الحزبية بالمغرب الحديث، أو بالأحرى للممارسة السياسية الحزبية على المستوى المحلي أوالجهوي والوطني، يمكننا الركون إلى المنهج التاريخي التراجعي، أي الانطلاق من الحاضر باعتباره نهاية تطور وقع في الماضي، على غرار ما فعله جاك بيرك في دراسته الاجتماعية التاريخية لقبائل سكساوة بالمغرب في منتصف القرن العشرين. ـ راجع:Jacque Berque, Les structures sociales du haut-Atlas,PUF,Paris,1955,P.414.. إلا أن الانحدار إلى الماضي، لا يعني تقديس الأصل كما لا يعني رفضه، وإنما يعني الانشغال بالكينونة التاريخية للإنسان كمشروع على حد تعبير الفيلسوف الوجودي الفرنسي المعاصر جون بول سارتر. إننا لا نلتفت إلى الماضي إلا لكي نجيب على أسئلة الحاضر..وعندما نركز على هذا الحاضر، فنحن نهتم به كحصيلة لسيرورة أفرزت تفاعلا بين عناصر الاستمرارية وعناصر التحول. نلتفت إلى الماضي كي نربطه بالحاضر، ونربط الحاضر بالمستقبل، للوقوف على عناصر التركيب في مجتمع يعرف منذ الفترة الاستعمارية/ الصدمة الكولونيالية حركية اجتماعية وسياسية واسعة وتحولات بنيوية عميقة في نظام المؤسسات والأدوار والوظائف والعلاقات والرموز والعلامات. نلتفت إلى الماضي من أجل تفكيك عناصر التركيب في مجتمع لا زالت تشده قيم المراوحة إلى الخلف، رغم اتساع دائرة "التحديث" المادي والتقني. وبلغة جاك بيرك مرة أخرى، فإننا ننحدر من الحاضر إلى الماضي لنعود إلى الحاضر "من أجل التوافق مع الآخرين واستمرار الوفاء للذات، هذه الضرورة المتناقضة التي لا تجعل المطالبة بالحداثة رفضا تاما للتقليد". ـ Jacque .Berque, Les Arabes d’hier à demain,PUF,Paris,1960 .أي ملامسة التحولات الجذرية للبنيات الاجتماعية والسياسية في إطار العلاقات والتناقضات والتعارضات والتوترات الدينامية بين حقلي التقليد والحداثة، مع الأخذ بعين الاعتبار ذاك التفاعل الحاصل بين العام والخاص، بين المحلي أوالجهوي والوطني، أو ما يسميه الباحث الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر جورج بالاندييه بتفاعل دينامية الداخل ودينامية الخارج.ـ George Balandier, Sens Et Puissance, PUF,Paris,1971,P.P.105 et 110، مادام التطور التاريخي بشكل عام هو انتقال مجتمع ما من حقل معين للتاريخانية(champs d’historicité) ) إلى حقل آخر منه على حد تعبير السوسيولوجي الفرنسي المعاصر ألان تورين. ـAlain Tauraine,Pour la sociologie,Ed.Seuil,paris,1974,P.59..
يتبع ...

Enregistrer un commentaire

 
Top